عرض أميركي أمام الكرملين حول سوريا

0
37

 

محاولة أميركية ربما تكون الأخيرة قبل خروج باراك أوباما من البيت الأبيض، لفرض حظر جوي على سوريا بموافقة روسيا، والموافقة على مطلب موسكو المزمن بالتنسيق في الحرب على الإرهاب، مقابل رأس «جبهة النصرة « في سوريا ووضعها على لائحة أهداف الحرب الجوية في سوريا.

موسكو التي تحاول عبثا منذ أشهر، إقناع واشنطن بالتخلي عن «النصرة» ، تلقت بالأمس عرضا أميركيا بذلك، مشروطا بحظر جوي صريح للمقاتلات السورية يسمى «تجميد الطائرات المقاتلة والمروحية على الأرض»، ومنع إقلاعها إلا في حالات استثنائية. وليس معروفا بعد ما إذا كانت موسكو ستلجأ، تحت ضغط الاستنزاف في سوريا، إلى محاولة تجزئة العرض، أو الدخول في بعض تفاصيله.

الاقتراحات الأميركية التي وُضعت على طاولة الكرملين، ذهبت بعيدا في تقييد سوريا سياسيا وعسكريا ومحاولة احتواء ما أنجزه التحالف السوري الروسي والمقاومة في الشمال السوري وحلب، وتفكيكه، باقتراح آليات مراقبة مشتركة غير مسبوقة للقواعد الجوية السورية وعملياتها، تضع كل المجموعات المسلحة العاملة بأمرة المخابرات الأميركية بشكل خاص، في مأمن من أي قصف جوي. ولم يرشح شيء عن لقاء الكرملين ليل أمس بين الرئيس فلاديمير بوتين، وحامل العرض الرئاسي الأميركي في صفحاته الثماني، وزير الخارجية الأميركي جون كيري. لكن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف حرص على التذكير بأن «الرئيس بوتين صرح مرارا أن الكرملين يعتبر مكافحة الإرهاب في سوريا والدول المجاورة لا يمكن أن تتم إلا بجهود مشتركة».

إلا أن دمشق استبقت اي إعلان روسي أو أميركي عن الخطة التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» أمس، باستبعاد أي صفقة بين جون كيري والرئيس فلاديمير بوتين على حساب الرئيس بشار الأسد وسوريا، والمساومة على إخراجه من منصبه. الرئيس الأسد قال في مقابلة مع محطة «ال ان بي سي» الأميركية، عن هذا اللقاء إنه «لو أراد الرئيس بوتين طلب شيء من الوزير كيري فإنه سيطلب محاربة الإرهابيين، لأن مصلحة روسيا ومصلحته كرئيس تكمن في ذلك». كما استبعد الأسد أن يكون الانتقال السياسي على طاولة الكرملين «لأن الروس لم يطرحوا معنا مسألة الانتقال السياسي في سوريا».

الأميركيون أرفقوا الخطة بتهديدات مبطنة باللجوء إلى خيارات أخرى، إذ أشار مسؤول أميركي إلى أنه في حال فشل مباحثات بوتين وكيري فإنه سيكون على واشنطن اعتماد «مقاربة مختلفة جدا لأن صبر الولايات المتحدة ليس بلا حدود لتخصص كامل وقتها وطاقتها للعملية الديبلوماسية التي لا تأتي بالنتائج اللازمة».

وفي حال قبلت موسكو بمقترح واشنطن فإن ذلك سيشكل منعطفا والراجح أن الإدارة الأميركية لا تزال على موقفها من رفض أي تنازل سياسي للتنسيق راهنا مع الروس، ذلك أن الشروط التي تطرحها الوثيقة للتوصل إلى تنسيق مشترك، والتضحية بـ «النصرة»، تطيحان كل ما تم إنجازه منذ الانخراط الروسي في سوريا، فضلا عن إعلان هزيمة المشروع الروسي بأكمله، والأهم أن الخطة تدعو إلى إسقاط تدريجي للنظام السوري، بربط الهدنة المستديمة التي تدعو إليها بعملية انتقال سياسي متزامن، وتنفيذ القرار ٢٢٥٤، وإجراء تعديلات هيكلية في أجهزة الأمن والمخابرات.

تتضمن الخطة التي يحملها كيري، تحديد خريطة العمليات في سوريا بشكل مشترك، وإنشاء «غرفة تنفيذ مشتركة «للعمليات الروسية الأميركية في الأردن، تضم خبراء عسكريين، وأجهزة المخابرات من البلدين، ومترجمين. الأهم في العرض الأميركي هو «المناطق المحددة»، وهي المناطق التي يتم الاتفاق على أنها مناطق لتواجد كثيف لجبهة «النصرة» ولتنظيم «داعش»، مما يستبعد مناطق لا تظهر فيها «النصرة» بشكل كثيف عسكريا، بل إن الكثير من وحداتها لا يتعدى الخمسين عنصرا في بعض الأحيان، كما أنه سيظل صعبا من الناحية العملانية توجيه ضربات لمجموعات تنتمي إلى «النصرة» بسبب انتشار مقارها وجبهاتها إلى جانب مقار المجموعات المسلحة الأخرى .

الأميركيون لم يتخلوا عن «النصرة» ولم يقدموا شيئا جديدا يمكن اعتباره تغييرا جوهريا في حمايتهم المستمرة للقاعدة في سوريا. فبينما يعتبر العرض الأميركي أنه يمكن استهداف مواقع «داعش» بتساهل نوعاً ما، فإن استهداف مواقع جبهة «النصرة» لن يحدث إلا بعد اتفاق الطرفين قبل يوم واحد على الأقل من الاستهداف. ويمكن استهداف مواقع جبهة النصرة بدون التوصل إلى الاتفاق في حال بادرت قوات «النصرة» بمهاجمة قوات أحد الطرفين، روسيا أو الولايات المتحدة. ولكن حتى في هذه الحالة لا بد من إبلاغ «قوة التنفيذ المشتركة» قبل يوم واحد على الأقل. ويقيد العرض أي رد فعل سوري تجاه «النصرة»، إذ يقول إن على الجيش السوري أن يلتزم بوقف إطلاق النار ووقف تحليق طيرانه دائماً ويحق له فقط أن يستهدف جبهة «النصرة» «خارج المواقع المحددة إذا سيطرت جبهة النصرة على مواقع هناك»، ويمكن لسلاح الجو الروسي في هذه الحالة أن يتدخل لمساندة القوات السورية.

يشمل الاتفاق أيضاً إيجاد آليات لمراقبة وفرض وقف عمليات الجيش السوري ونشاطات سلاح الجو السوري فوق «المناطق المحددة». كما سيقوم الطرفان بجمع معلومات حول أنشطة سلاح الجو السوري؛ وتشمل هذه المعلومات تشكيلات سلاح الجو السوري، وإلزامه بتقديم أي معلومات عن أي تغييرات في نشر طائرات سلاح الجو السوري، بشكل يومي، والاتفاق على وضع آليات للتأكد من التزام الجيش السوري بإبقاء طائراته على الأرض. وستقوم «قوة التنفيذ المشتركة» بالإبلاغ عن خروقات الجيش السوري. وفي الحالات الاستثنائية التي يحق فيها لسلاح الجو السوري التحرك ستقوم روسيا بإبلاغ «قوة التنفيذ المشتركة» مسبقاً بهذه العمليات وبالوقت العام للعمليات وتكوين القوة السورية التي ستنفذ العملية ومسار التحرك، وكل هذا قبل يوم واحد على الأقل من التنفيذ. وحتى في حال استهداف الجيش السوري لمواقع «داعش» لا بد من تقديم المعلومات نفسها قبل يوم واحد على الأقل.

أما الحاشية السياسية التي تحدد أهداف الخطة المقدمة إلى فلاديمير بوتين، فتقدم تلخيصا للأهداف الأميركية، إذ تجعل تقديم رأس «النصرة» إلى الروس مشروطا بتقديم سوريا كلها إلى الأميركيين، ومتزامنا معها، يقايض الحرب على «النصرة» بتجويف العملية السياسية، وتجاهل توازن القوى على الأرض، وإعادة النقاش السياسي إلى نقطة الصفر، ومن دون التغيير السياسي في دمشق، لا حرب أميركية على «النصرة»، إذ تنص الخطة على روزنامة تطبيقية تبدأ منذ تاريخ عرضها، على أن تليها مرحلة العملية السياسية في الحادي والثلاثين من تموز الحالي. وتنص الخطة الأميركية حرفيا «على تزامن هذه الترتيبات وتداخلها لتحقيق ٣ أهداف: أولها قيام تعاون استخباري مشترك روسي أميركي حتى هزيمة داعش والنصرة. وثانيها: تطوير وقف الأعمال القتالية إلى هدنة دائمة على مستوى البلاد، تتزامن مع خطوات باتجاه الحل السياسي، بما في ذلك تنفيذ البنود حول فصل وانتشار القوات، وضبط الأسلحة الثقيلة، وتنظيم تدفق الأسلحة إلى سوريا، عبر تنظيم إجراءات مستقلة للمراقبة والتحقق والتطبيق.

ويشكل هذا البند تراجعا خطيرا عن القرارات الدولية التي تدعو بصراحة إلى وقف تدفق الأسلحة والمسلحين إلى سوريا، وتجفيف مصادر تمويلهم، لا سيما القرار ٢٢٥٣. إذ إن البند لا يتحدث عن حظر وإنما عن ضبط تدفق الأسلحة إلى سوريا، مساويا بذلك أيضا بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة الأخرى. أما ثالث الأهداف فهو العمل على إطار للانتقال السياسي في سوريا، منسجما مع قرار مجلس الامن ٢٢٥٤ الذي يشمل بنودا حول كيفية تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات على أساس التوافق المتبادل، وإعادة تشكيل أجهزة الأمن والمخابرات، مع إجراء العمليات الانتخابية والدستورية.