ظــواهـر سرياليّة في الشرق الأوســط

0
77


بالرغم من يهوديته، وافتتانه اللاهوتي والفلسفي، بالنص التوراتي، وصف جاك آتالي، المفكر والمستشار الاقتصادي لفرنسوا ميتران، الشرق الأوسط، بـ«الحيوان الخرافي» الذي لا مجال لمقاربته بالمعايير الكلاسيكية للديبلوماسية .

لا بد من القفازات السحرية. الى حد ما، كان هنري كيسنجر يفكر هكذا. اعتبر أن أزمة المنطقة هي بين نصف الله والنصف الآخر. ربما بهذه الطريقة أغوى أنور السادات بسؤاله ضاحكاً «ألن تمنح موسى تأشيرة دخول لكي يعود، بعصاه المقدسة، الى مصر؟»، بعدما خرج منها تبعاً للقصة المعهودة .

عقب ذلك، قال كيسنجر لتوماس فريدمان «فوجئت بالسادات يدعو راقصة (نجوى فؤاد) الى حفل العشاء. كانت تتلوى كما لو أنها ترقص في حضرة الفرعون . شخصياً شعرت بأن في ذلك الشرق قد تسمع وقع اقدام شهرزاد الى الأبد».

لا مقاربة كلاسيكية بل مقاربة سريالية. لاحظوا ماذا يحدث. الادارة الأميركية تتجه الى تصنيف جماعة «الاخوان المسلمين» تنظيماً ارهابياً. لا ندري ما اذا كانت هذه الخطوة تأتي بطلب من عبد الفتاح السيسي الذي أقصاهم, بيد حديدية، عن السلطة، أم للتعاطي مع حركة «حماس» كحركة ارهابية، ما يفترض اجتثاثها، وبالتنسيق مع مصر، في اطارالعمليات الجراحية التي تقتضيها «صفقة القرن».

لحظة اللامعقول هنا . محمد جواد ظريف ندد بالاتجاه الأميركي. هو الذي يعلم أن رجب طيب اردوغان شرّع أبوابه أمام كل شذاذ الآفاق في الدنيا لتقويض النظام في سوريا، على أن يشكل «الاخوان المسلمون» عصب النظام البديل وتكتمل الحلقة (من النيل الى بردى).

الموجة الاسلامية في ايران لم تكن بالبعيدة عن المسار الفكري للجماعة. آية الله خميني قرأ، بعمق، وشغف، ما كتبه حسن البنا وسيد قطب. آية الله خامنئي لم يكتف بذلك.

ترجم مؤلفات قطب الى الفارسية. في مذكراته قال، حول ترجمته كتاب «في ظلال القرآن» : «ترجمته بكل مشاعري وأحاسيسي، وكنت أنفعل ببعض العبارات فينتصب لها شعر بدني» .

خامنئي قال في سيد قطب «انشدادنا اليه لا يحتاج الى بيان الأسباب. الرجل، بفكره القرآني المتوقد، خدم الاسلام بصورة معطاءة. ذات آفاق بعيدة تبعث في الانسان المسلم شعوراً بالاعتزاز بدينه» .

وحتى ولو قال الدستور الايراني بمذهب للجمهورية، يبدو جليّاً أن الصراع السني ـ الشيعي، في الوقت الراهن، صراع سياسي، لا علاقة له بالدين.

الايرانيو ن براغماتيون. هم يتعرضون الآن للتسونامي الأميركي. عقوبات قاتلة، وملاحقات مجهرية. فقط من أجل الاستنزاف الكارثي لمنطقة لم تتمكن من الانقضاض على أنظمة القرون الوسطى . خلاف ذلك، تم توظيف النص الديني لاضفاء الشرعية على الأنظمة . الحاكم حالة الهية يفترض التعبد لها. شيء ما يشبه العبودية المقدسة.

التفسير التلقائي لموقف ظريف أن طهران بحاجة الى ظهير سني فاعل لمواجهة المطرقة السعودية. الايرانيون قرأوا سيد قطب وتأثروا به. هذا هو فقه المدينة (وفقه المدنية). ليس كما الوهابية التي سبق للأزهر وحذر منها. احذروا فقه البادية. فقه المدينة في مواجهة فقه البادية.

غير أن من يزور الأزهر الآن، ويلتقي بالكثير من أصحاب العمائم، لسوف يفاجأ الى أي مدى تمكّن فقه البادية، المدجج بالمال، من اختراق ذلك الصرح العريق، ولطالما أنتج دعاة، ومفكرين، قالوا بالتفاعل بين جدلية النصوص وجدلية الأزمنة.

الايرانيون يتقنون اللعب السياسي. ظريف يرفض تصنيف «الاخوان المسلمين» تنظيماً ارهابياً. ضمناً، يتمنى ذلك كونه يحقق الشراكة في الموقف بين ايران، كدولة اسلامية، و«الاخوان المسلمين» الذين ينتشرون في الدول الاسلامية كافة، بالرغم من أن العديد من الشخصيات الراديكالية المعادية، عقائدياً، لايران ترعرعت على يدي الجماعة.

لقطة أخرى من المشهد الغرائبي. تركيا التي تقاتل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاعتبارها الجناح المقنّع لحزب العمال الكردستاني، تشتري النفط، باسعار منخفضة، من هذا الفصيل، ليعاني السوريون الأمرّين، وهم يقفون بالطوابير أمام محطات الوقود.

هنا ذروة البراغماتية أم ذروة الانتهازية، والزبائنية؟ في نهاية المطاف، لعبة المصالح، لا لعبة الايديولوجيات، ولا لعبة الاتنيات.

موقف محمد جواد ظريف قد يوصف بالخطوة التكتيكية البارعة. تركيا (وقطر)، راعيتا «الاخوان المسلمين»، البوابة الكبرى للايرانيين في وجه الحصار. المشكلة أن اردوغان يريد من طهران اقناع دمشق باشراك الجماعة، كحالة سرطانية، في السلطة.

هذاهو المستحيل . هنا الرجل الذي احترف، دونكيشوتياً، مراقصة المستحيل. أن يجمع الـ«اف ـ35 « والـ«اس.اس ـ 400» على أرض أطلسية. كم بدا الرئيس التركي ساذجاً، ومتغطرساً، حين اعتبر أن الولايات المتحدة لن تتمكن من انتاج الطائرة ـ الشبح دون بلاده التي تصنع بعض المعدات الخاصة ببدن الطائرة وبتقنيات الهبوط !!

ثمة حالة تتشكل الآن. قد يفاجأ البيت الأبيض، وحلفاؤه في المنطقة، بتلك الظاهرة السريالية. الآن يحق لنا أن نسأل ما اذا كانت الجثة الأميركية التي تعاد، الى بلادها، بالتابوت، هي جثة… دونالد ترامب؟!

الديار –نبيه البرجي