صناعة اللانجري السورية رفعت حرارة الأسواق الأوروبية ..

0
354

أسرار اللانجري السوري تحتكرها دمشق وحلب/

دمشق- أحمد سليمان

رغم ما شهدته صناعة النسيج والملابس في السنوات الأخيرة من عقبات وما واجهته من تحديات منها ما ارتبط بتحرير التجارة وفتح الأسواق المحلية أمام المنتجات المستوردة بالإضافة إلى تأثيرات الأزمة المالية العالمية السلبية على اقتصاديات البلدان وصناعاتها، ومنها مرتبط بالاقتصاد السوري وصناعة الملبوسات والنسيج وقلة السيولة؛ إلا أن ثمة جانباً أو تخصصاً من هذه الصناعة ظل ينمو بعيداً بشكل أو بآخر عن التأثيرات التي لحقت بصناعة الألبسة والنسيج لعدم ارتباط الطلب على منتجاته بأيّ ظروف اقتصادية محلية أو عالمية..

قيمة مضافة عالية

اللانجري.. أو باسمها العربي الألبسة الداخلية النسائية.. هذه الصناعة التي قلّما تناولتها الأقلام من زاوية اقتصادية لم يتراجع الطلب عليها في أي فتلانجري1رة من الفترات ولم يرتبط طلب منتجاتها بأي ظروف؛ بل هي مستمرة في التوسع والتطور والتوسع في الظل وتغزو منتجاتها الأسواق الداخلية وحتى الخارجية، واحتياجاتها من المواد الأولية- وإن كانت قليلة- منها ما هو متوفر محلياً ومنها ما هو مستورد؛ إلا أن تحويل هذه المواد إلى منتج نهائي لا يحتاج إلى الكثير من الآلات وخاصة إذا كان الإنتاج قليلاً إذ إن ورشة صغيرة فيها عدد من مكنات الخياطة يمكن أن تحول تلك المواد وتحقق قيمة مضافة إليها إلى نحو عشرة أضعاف إن لم نقل أكثر وهو ما يفسر هذا التطور في هذه الصناعة.

مطلب نسائي

ولأنها مطلب نسائي مستمر يرتبط بتجمل المرأة لزوجها فإن القائمين على هذه الصناعة لا يوفرون أية وسيلة لتلبية متطلبات ذوق المرأة وتبدلاته بموازاة الاستمرار في الإبداع لتقديم كل جديد في التصميم والألوان بل وابتكار الغريب والمثير في هذا المجال، بالإضافة إلى تعديل الموديلات المتوفرة مستفيدة من تحرير التجارة واستيراد المواد الأولية الرخيصة من دول شرق آسيا اللازمة لتصنيع هذه المواد؛ مما فتح الباب واسعاً لهذه الصناعة أن تتطور وتتوسع وخاصة في السنوات القليلة الماضية حسب ما يقول حسين الأسعد مدير إنتاج في معمل ينتج ملبوسات اللانجري.

دمشق.. ومئات المصانع

ورغم عدم وجود تقسيم واضح لتخصصات المحافظات في إنتاج الألبسة والمنسوجات إلا أن هذين المنتجين منقسمان وبشكل تقريبي بين حلب التي تصنع الأقمشة والنسيج ودمشق المتخصصة تقريباً في إنتاج الألبسة، وبحكم هذا التخصص للدمشقيين فإن هذا يبرر عدد المنشآت العاملة في هذا المجال حيث أظهرت إحصائية لغرفة صناعة دمشق وريفها أن عدد المعامل العاملة في مجال صناعة اللانجري نحو 300 معمل مرخص يضاف إليها وبحكم معرفتنا الأكيدة وجود أكثر من ضعف هذا الرقم من الورشات التي تعمل في الأقبية بعيداً عن أعين الرقابة والضرائب والتأمينات وغيرها من متطلبات المنشآت النظامية..

853 مليون ليرة

ولغياب البيانات والإحصائيات الصحيحة عن الطاقة الإنتاجية لهذه المنشآت والورشات فإن حجم أو قيمة إنتاجها لا يمكن ضبطه؛ إلاّ أن ثمة رقماً كبيراً لقيمة وحجم صادرات سورية من هذه المنتجات, إذ يكشف المكتب المركزي للإحصاء عن حجم وقيمة الصادرات في العام 2008 بواقع 2887 طناً بقيمة تتجاوز 853 مليون ليرة، الأمر الذي يستدعي منّا التوقف عند هذا الرقم وما يشكله من حجم صادراتنا النسيجية الذي نتغنى به!!!.

ويرى الأسعد أن هذه الصناعة بدأت تشهد تطوراً كبيراً في سورية وشهدت تلك الأعوام دخول معامل كثيرة في الإنتاج بالإضافة إلى الورش التي تشكل احتياطياً تستعين بها المعامل الكبيرة عندما لا تستطيع تلبية الطلبيات الكبيرة ضمن الفترة الزمنية المحددة..

وفيما يشير بشار الصغير صاحب إحدى الورش المنتجة للانجري أن رخص اليد

العاملة في سورية وتوفر المواد الأولية ومنها الرخيصة المحلية والمستوردة عوامل هامة في تطور هذه الصناعة وأن في كل ورشة وكل معمل هناك مصممون ساحرون ينتجون هذا النوع من الألبسة بتصاميم لا تخلو من الإبداع والابتكار أو يقومون بتعديل بعض التصاميم، معتبراً أن هذا العمل يدخل أيضاً في مجال الإبداع مما يجعل الطلب عليه كبيراً..

برود السوق لم يؤثر على حرارة صناعة ومبيع اللانجري

حاجة دائمة ولا يتأثر بأزمات العالم الاقتصادية

برود الأسواق

ولا يخفي حسين الأسعد بعض التراجع في الطلب في الأسواق الخارجية في الفترة من هذا العام وإن كان يصنفه في خانة برود السوق؛ إلا أن الطلب في الأسواق الخارجية كان كبيراً في السنوات الأخيرة وخاصة في الأسواق الخليجية موضحاً أنه ورغم المنافسة من قبل المنتجات الصينية والأوروبية والتركية إلا أن المنتجات الصينية التي تتمتع بسعر منافس لا تصل إلى جودة المنتجات السورية فيما يُبقي أسعار المنتجات الأوروبية أكبر مع ارتفاع تكاليف إنتاجها وجودتها واستخدامها التقنيات الجديدة لتبقى المنتجات السورية ذات الجودة الجيدة والأسعار المعقولة هي المنافس في تلك الأسواق والتي لها زبائنها الكثر هناك

حصان سبْق الصناعات النسيجية.. وصادراته 853 مليوناً

سمعة طيبة

ومع تحقيق سمعة طيبة لبعض الشركات الهامة العاملة في هذا المجال وفي الأسواق الإقليمية والعالمية وخاصة الأسواق الأوروبية فإن الثقة التي حققتها منتجات تلك الشركات من قبل مستهلكي (مستهلكات) هذا النوع من المنتجات دفع بالكثير من هذه الشركات إلى تطوير منتجاتها كماً ونوعاً مع الحرص على الاستجابة للتبدل في الأذواق في تلك السنوات..

وكنّا حريصين على أن يكون لسيدة الأعمال أسيل التاجي رئيسة الجانب السوري في مجلس الأعمال السوري الإسباني- والتي تدير معملاً باسمها لمنتجات اللانجري استطاع أن يحقق اختراقات في أسواق أوروبا- رأي في هذا المجال إلا أننا لم نستطع التواصل معها بشكل مباشر رغم اتصالنا مع مكتبها ولعدة مرات وعدم سماح المكتب بالحصول على رقم هاتفها الخليوي؛ إلا أننا نعود إلى رأي سابق لوالدها محمد رياض التاجي: “أن هذه الصناعة تتطلب الابتكار المستمر وإبداع أصناف جديدة من أجل توسيع سوقها بالإضافة إلى الحرص على خفض تكاليف من خلال تقسيم النفقات على وقت الإنتاج، مشيراً إلى أن الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية كانت محدودة على هذه الصناعة مما يستدعي العمل لمواجهة الأزمة بمزيد من الإنتاج ووضعه على الرف والبحث عن أسواق لتصريفه والقيام بحملات تسويقية كبيرة في دول الخليج وأوروبا، وبين التاجي أن ضعف الأسواق الداخلية يرجع لأسباب حقيقية ونفسية منها جشع البعض وإجراءات التصدير، مطالباً بدعم حقيقي للصادرات السورية وبما لا يسمح لأحد باستغلال هذا الدعم.. ورأى أن الصناعة المحلية مازالت تعتمد على العقلية الفردية والورشات الصغيرة، لافتاً إلى أن تطوير الصناعة يحتاج إلى إقامة مصانع لإنتاج المواد الأولية ومصابغ كبيرة والعمل وفق مبدأ الفريق وإقامة تكتل صناعي كبير يضم جميع العاملين في قطاع النسيج أو حتى صناعات أخرى..”.

بلا أقسام تصميم

ورغم تميّز صناعة اللانجري في سورية إلا أنها هي جزء من صناعة الملابس في سورية التي تعاني من مشكلات كبيرة لا يمكن أن تخفى على أحد كما وصفها فؤاد اللحام المنسق الوطني لبرنامج التحديث والتطوير الصناعي، مشيراً في هذا المجال ومن خلال مشاهداته في البرنامج الذي يعمل على تحديث 36 شركة في قطاع الصناعات النسيجية إلى الصعوبات التي تواجه عملية تطوير وتحديث قطاع النسيج والملابس في سورية وفي مقدمتها ضعف التصميم مبيناً أن 10% فقط من الشركات المشاركة في البرنامج لديها قسم مختص في التصميم وأن صاحب الشركة أو أحد أفراد العائلة هو غالباً من يقوم بمهمة التصميم من خلال تقليد الآخرين ومحاكاتهم، أو بالاعتماد على نماذج معدة من المستورد الخارجي، إضافة إلى ضعف المستوى الفني، ومحدودية استخدام التقانات الجديدة في التصميم، وضعف التدريب والتأهيل، وعدم قدرة الشركات على المحافظة على الكوادر بالإضافة إلى ضعف التدريب والتأهيل وعدم القدرة على المحافظة على الكوادر الموجودة وضعف التكنولوجيا المستخدمة والافتقار إلى مصادر المعلومات وغياب الوعي لدى الشركات بأهمية التصميم.

وفي ورشة العمل التي أقامها البرنامج مؤخراً أشار المشاركون إلى غياب الثقة بين المصممين وأصحاب الشركات وعدم حماية حقوقهم، وعدم وجود جهة مختصة فعلياً برقابة الجودة على الألبسة المحلية أو المستوردة، والنقص الكبير للمواد الأولية اللازمة لتصميم الملابس, والاستيراد العشوائي للملابس ولوازمها من قبل التجار المحليين، وغياب مفهوم قطاعات الألبسة على مختلف مستوياتها، ونقص اليد العاملة الخبيرة، وتبعية السوق السورية لبعض البلدان المجاورة، واكتفاء القطاعين العام والخاص بنوعيات محددة من الأقمشة، وضعف الرقابة على تراخيص ومستوى إنتاج الماركات العالمية، وضعف المعرفة لدى مصممي الأزياء بالأقمشة والإكسسوار باتجاهات الموضة وتطورها.

ووَضع برنامج التحديث الصناعي عدداً من المقترحات الخاصة بتطوير صناعة الملابس والنسيج منها: وضع استراتيجية على المستوى الوطني للتأهيل والتدريب في مجال الصناعات النسيجية وبشكل خاص التصميم، وتشجيع القطاع الخاص التعليمي على الاستثمار في التعليم الفني ولاسيما تصميم الأزياء وإقامة ندوات ودورات تدريبية ومحاضرات خاصة بالأزياء بالتعاون مع المنظمات والجهات المانحة، وتسهيل إجراءات السفر وإقامة المشاريع والمعارض الداخلية والخارجية المتخصصة، وتبني حاضنات الأعمال لدعم المصممين الشباب ولو لفترات قصيرة، وخلق آليات وضوابط لحماية المنتج السوري، وصناعة الأزياء السورية في وجه موجة الاستيراد المفتوح، وضرورة العمل على إيجاد جداول قياسات موحدة خاصة بسورية على غرار القياسات الأوربية، وإيجاد رقابة صارمة على المعاهد الخاصة التي تنظم دورات التصميم والتفصيل، ومراقبة مستوى عملها وتطوير مناهج التعليم بشقيها العام والمهني، والاهتمام بالجانب الإبداعي في العملية التعليمية أو إحداث أقسام خاصة ومؤهلة للتصميم في كليات الفنون الجميلة.