صديقنا الانكليزي الذي قتلناه

0
75

لكأننا، بسقوطنا الأبوكاليبتي، قتلنا صديقنا الانكليزي بالسكتة الدماغية. ..

غداة انتخاب دونالد ترامب علّق ضاحكاً «كأس من النبيذ قبل أن تسقط الكرة الأرضية فوق رؤوسنا». «ولطالما تمنى الموت، هنا على أرضنا، لأنكم تهيلون غبار القمر على موتاكم». قال «الموت لا يستحق كل هذا. ..» !

مات روبرت فيسك في منزله الايرلندي كما تموت طيور اللقلاق. كان عاشقاً للبنان «… و«حيث تشعر، أحياناً بأنك تتناول العشاء مع الله»، وبـ «أن الهواء ينقل اليك قهقهات الله». هذا لم يمنعه من التنبؤ بأن «قادتكم مثل العربات الميثولوجية تجركم الى الجحيم». لو كان الآن بيننا للاحظ في أي متاهة ندور الآن.

لم يكن يطيق دونالد ترامب لأنه شايلوك القرن، ولأنه كاليغولا القرن. وكانت له مقالة رائعة «من يقتل الشرق الأوسط؟ »، كما لو أن الشيطان وقع في غرام المنطقة.

لا فارق بين أن يقع الشيطان، أو أن تقع أميركا، في غرام الشرق الأوسط. وصف غالبية القادة العرب بأنهم أسوأ بكثير من أن يكونوا من بقايا ألف ليلة وليلة، ليس فقط لموت الزمن، وانما، أيضاً، لموت الخيال، في رؤوس أولئك القادة الذين تقودهم، على غير هدى، العصا الأميركية !

رثانا قبل أن نرثيه، وقد رأى فينا «المثقفين الرائعين الذين استساغوا لعبة فرانز كافكا في الموت الأخير لأشياء الحياة، أو الذين استساغوا لعبة دانتي في «الكوميديا الالهية». فنجان قهوة على قبور آبائنا».

كنا قد وصفنا أميركا بكونها نسخة بشرية عن القضاء والقدر. فيسك كان يشتكي من أن كمية الغيب في لاوعينا لا تترك مكاناً للوعي، أو للمعنى. من هنا كانت نظرة بعض العرب الى دونالد ترامب على أنه نبي الأزمنة الجميلة. «… وأنا أرى فيه نبي الأزمنة الرديئة».

بالرغم من سوداوية المشهد العربي، كان يعتقد ألاّ مجال «لاقفال كل أبواب الهواء». لا بد للأجيال الجديدة أن تتفاعل مع الايقاع الديناميكي للقرن. كان واثقاً من أن الزلزال آت لامحالة. انها. .. قوة الأشياء.

اذا توقف ملياً أمام نجوم المنظومة السياسية، لاحظ أن هؤلاء مصابون بالشيزوفرانيا. وجوه براقة تخفي وراءها كل ثقافة المافيا، وكل جنون المافيا، دون أن ينظر بتفاؤل الى «ثورة» 17 تشرين، وحيث المساكنة المستحيلة بين الرولز رويس والأحذية المحطمة.

دماغ روبرت فيسك توقف، فجأة، عن العمل. الأنكليزي الذي لم يعتمر الكوفية والعقال كما الانكليزي الآخر لورنــس العرب، قال لي، مساء ذات يوم، في أحد فنــادق بيــروت ان قلبه ينطق بالعربية. ضحك طويلاً حين سألته ما اذا كانت قلوب العرب لا تزال تنطق بالعربية. قال ان قلوبم، وعقولهم، عالقة على جدران البيت الأبيض. لماذا لم يقل. .. على جدران الهيكل؟

لو كان صديقنا الآنكليزي بيننا هذه الأيام، للاحظ مدى الزبائنية، ومدى المكيافيلية، لدى الأوليغارشيا التي كما لو أنها، منذ آدم، ابتليت بالعمى. أين هي أخلاقية رجال الدولة في الدفاع عن دولة لم يبق لها من أثر. صراع سيزيفي على الحقائب.

أي حقائب؟ ماذا تعني حقيبة المالية اذا كانت الفئران ترقص الفالس في الخزينة العامة؟ وماذا تعني حقيبة الطاقة حيث لا كهرباء ولا ماء، ربما حيث لا هواء أيضاً؟ وماذا تعني حقيبة الأشغال العامة اذا كانت الطرقات الدولية لا تليق حتى بالبغال؟ وماذا تعني حقيبة الخارجية اذا كانت السيادة رهينة قرارات تضع الدولة تحت ألف وصاية ووصاية؟ وماذا تعني حقيبة الداخلية اذا كان القذائف الصاروخية تلعلع في الأعالي احتفاء بولادة بقرة؟

ذرائع للمماطلة أكثر من أن تكون تافهة. كما لو أن كبار القوم في اجازة مادامت المبادرة الفرنسية قد شقت طريقها الى احدى الخزائن الملكية في الاليزيه، وما دام الأميركيون منهمكين في انتخابات رئاسية قد تدفع الولايات المتحدة نحو حرب الشوارع. المهم. .. ما دام الشعب اللبناني في غيبوبة. أين هيفاء وهبي ترفع الصوت؟

لن نرى بعد الآن روبرت فيسك في شارع الحمراء يتصارع مع عقارب الساعة. لكأنه رحيل اللقلاق. اللغة ترتدي الحداد. .. �