شطرنج الشرق الأوسط: الإمارات تعلّمت الدرس السوري.. وهذا جديد عودة الأسد

0
166

لفت تصريح وزير الدولة للشؤون الخارجية الإمارتية أنور قرقاش تعليقاً على مؤتمر برلين بشأن ليبيا الأنظار. ففي تغريدة على “تويتر”، اعتبر قرقاش أنّ “تهميش الدور العربي، كما هو الحال في سوريا، درسٌ قاسٍ لن يتكرّر”، مشيراً إلى أنّ “المتابع لمؤتمر برلين حول ليبيا يدرك أن حضور مصر والجزائر والإمارات والجامعة العربية ضمان ضروري بأن البعد العربي حاضر وبقوة في مساعي البحث عن السلام والاستقرار في هذا البلد العربي الشقيق”.

تحمل تصريحات قرقاش هذه الكثير في طياتها، فهي تؤكّد الدور البارز الذي تلعبه الإمارات في النزاع الليبي، لا سيما بعدما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تقريراً يفيد بأنّ أبو ظبي حثّت اللواء خليفة حفتر على مواصلة القتال ضد حكومة الوفاق المعترف بها دولياً وعدم قبول الهدنة التي دعت إليها تركيا وروسيا، وذلك يوم السبت، أي قبل يوم واحد من انعقاد مؤتمر برلين.

فهل يشير موقف قرقاش إلى خشية بلاده من تكرار السيناريو السوري في ليبيا في ظل الحديث عن ضغط تمارسه الولايات المتحدة على الإمارات لثنيها عن إعادة تطبيع العلاقات مع سوريا، بعدما باتت ساحة لصراع النفوذ الأميركي-الروسي؟ وهل تتخوّف الإمارات من صعود تركي في ليبيا كما في سوريا؟

عامل “الإخوان المسلمين”

شهدت العلاقات الإماراتية-السورية تطوراً بارزاً منذ اتخاذ أبو ظبي قراراً بقطع العلاقات منذ بداية النزاع، فمنذ قرابة العام، أعادت أبو ظبي فتح سفارتها في دمشق، كما شاركت على نطاق واسع في معرض دمشق. ولعل الحدث الأبرز يتمثّل بمشاركة القائم بالأعمال في السفارة الإماراتية عبد الحكيم النعيمي، باحتفال نظمته السفارة الإماراتية في دمشق للاحتفال بالعيد الوطني، حيث نُقل عن المسؤول الإماراتي قوله: “أتمنى أن يسود الأمن والأمان والاستقرار بسوريا، تحت ظل القيادة الحكيمة للدكتور بشار الأسد”.

في تقرير له، ركّز الباحث جورجيو كافييرو على جماعة “الإخوان المسلمين”، التي عُرفت بمعارضتها التاريخية لحكم الأسد الأب والابن من بعده، والتي يعتبرها بعض المحللين أداة تركيا لبسط نفوذها في الشرق الأوسط.

وأوضح كافييرو أنّ الإمارات- وهي أكثر أعضاء مجلس التعاون الخليجي اعتراضاً على “الإخوان المسلمين” كقوة إقليمية – أدركت أن سقوط النظام السوري من شأنه أن يعود بالفائدة على “الإخوان المسلمين” في دمشق. وأضاف كافييرو أنّ المسؤولين الإماراتيين كانوا يخشون سيطرة “نظام إسلامي سني” على دمشق بعدما شهدوا على سقوط حكومتيْ تونس والقاهرة المواليتيْن للإمارات نتيجة للربيع العربي ووصول أحزاب إسلامية محلية للحكم.

وتابع كافييرو بالقول إنّ الإمارات باتت تروّج اليوم، أي في مرحلة ما بعد الربيع العربي، لنموذج استقرار معاد لـ”الإخوان المسلمين” في الشرق الأوسط، مبيناً أنّ النموذج يبرز عبر دعمها للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وحفتر.

“العثمانيون الجُدد”

تناول كافييرو دور تركيا في الأزمة السورية، مشيراً إلى أن المسؤولين الإماراتيين يعتبرون أنّ السياسة التركية الخارجية الطموحة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمثّل تهديداً خطيراً لمصالح أبو ظبي ومصالح العرب في المنطقة عامةً.

وفي تحليله، رأى كافييرو أنّ هذا التفكير ساهم في توصّل الإماراتيين إلى اعتقاد بأنّ دعم النظام في دمشق أساسي للبلدان العربية في سبيل مواجهة “التهديد العثماني الجديد” المفترض.

وفي هذا الإطار، بيّن كافييرو أنّ الإماراتيين والأتراك يتواجهون استراتيجياً في كلّ من ليبيا وقطر والسودان، حيث يتنافس كلّ منهما على اكتساب نفوذ أكبر على حساب الآخر. في ما يتعلق بمستقبل سوريا، أوضح كافييرو أنّ أبو ظبي تأمل في عودة دمشق إلى كنف العالم العربي بما يتيح لدول كمصر والسعودية وسوريا والإمارات تشكيل جبهة صلبة في وجه سياسة أنقرة الاستراتيجية الطموحة.

الروس وإعادة إعمار سوريا

ربط كافييرو بين رغبة روسيا في مشاركة البلدان الخليجية بإعادة إعمار سوريا من جهة وتعزيز الشراكة بين أبو ظبي وموسكو من جهة ثانية، داعياً إلى فهم التغيرات الأخيرة في العلاقة الإماراتية-السورية في السياق الجيوسياسي الأوسع. وشرح كافييرو أنّ بلداناً عربية عديدة، بينها أبو ظبي، تخدم في هذا السياق المصالح الروسية في سبيل تعزيز مصالحها الخاصة.

توازياً، لفت كافييرو إلى أنّ أبو ظبي باتت أكثر حذراً لجهة الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة بصفتها ضامنة أمنية لها في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وشرح كافييرو أنّ غياب الرد الأميركي القوي على هجمات “أرامكو” في أيلول الفائت وقرار ترامب “التخلي” عن “وحدات حماية الشعب الكردية” في شمال شرقي سوريا أربك عدداً كبيراً من البلدان العربية التي تعتمد على واشنطن على المستوى الدفاعي. وتابع بالقول إنّ هذه الديناميكيات تدفع بلداناً مثل الإمارات إلى التقرب من موسكو أملاً في تنويع تحالفتها وشراكتها.

كافييرو الذي أكّد أنّ روسيا ستواصل ملء الفراغ الأميركي في الشرق الأوسط، رجح أن تعمل موسكو على استغلال نفوذها للضغط على مزيد من البلدان لإعادة التعامل مع سوريا وتطبيع العلاقات الديبلوماسية معها. وخدمة لمصالحها، توقّع كافييرو أن تواصل أبو ظبي قيادة البلدان العربية على صعيد تعزيز موقع الأسد في الشرق الأوسط.