سوى ربينا حتى 1950 ثم حتى 1990 والآن بين لبنان واليونان وسورية؟

0
73

دمشق- الدكتور دريد درغام|

أجبرت سورية على قرار الانفصال الجمركي عن لبنان عام 1950 بسبب رغبة الأخير بالوحدة الجمركية دون تكامل اقتصادي قادر على مراعاة الحمائية السورية لصناعاتها وانفتاح لبنان على الخدمات والتجارة (دون مراعاة لما تصنعه سورية) واستفراده بمستوردات سورية التي كانت تستعمل ميناء بيروت واجتذاب الأثرياء السورية للإنفاق في بنية ترفيهية باذخة في لبنان.

وتقاربت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية الحرب اللبنانية ليعاد استنساخ البنية اللبنانية المعتمدة على الخدمات والتجارة والعقارات. وليتزايد الفارق بين دخل اللبناني ودخل السوري بشكل كبير. ولم يكن لهذا الأمر أن يتم لولا توافر ظروف محلية وإقليمية ودولية ساعدت على تمرير تفاقم الدين العام اللبناني إلى حدود مخيفة.

لم يتأثر النمو الاقتصادي اللبناني باغتيال الرئيس الحريري أو بالحرب الإسرائيلية على لبنان؛ كما لم يتأثر بالأزمة المالية العالمية بل تابع حتى السنة الماضية تحقيق مستويات دخل مرتفعة لمواطنيه؛ بينما تأثرت شقيقته سورية نسبياً بالأزمة العالمية وكانت تأثير الحرب على السوريين كارثياً.

بالمقابل نجد أن اليونان تأثر بشكل مباشر من الأزمة المالية العالمية. فتطلب الأمر إجراءات قسرية فرضت على اليونانيين قبول إجراءات نقدية غير مسبوقة (تحديد المبالغ المسموحة من موزعات النقود وتقييد الحوالات للخارج) وتخفيض مستوياتهم المعيشية مقابل المساعدات الأوربية. أما لبنان ورغم كل بوادر الأزمة المتفاقمة منذ سنوات طويلة رفض الاستفادة من زخم المساعدات والقروض في استثمارات تؤدي إلى بنى تحتية ملائمة للاستثمار؛ واستفاد معظم اللبنانيين من مستويات دخل مرتفعة لا يمكن تبريرها في ظل المعطيات الاقتصادية المتوافرة. وكان المستفيد الأساسي منها هو حيتان التجارة والخدمات. وهو الآن يفرض قيود سحوبات نقدية أقل بكثير مما تم فرضه على اليونانيين.

بعد عشر سنوات من المفاوضات والتقشف والإفلاسات وتخفيض الدخول توصل اليونان إلى حل جزء من مشاكله كتخفيض مستويات الفقر وخطر الإقصاء الاجتماعي ولكنه لم يتمكن من حل كل المشاكل حيث تفاقمت البطالة وزاد التسرب المدرسي. وهذا يطرح في المسألة اللبنانية تساؤلاً حول كم سيلزم اللبنانيين كي يقتنعوا أن الحلول التي اعتمدت سابقاً كانت على حساب شرائح لبنانية مهمشة أو دول جوار مستغلة أو موارد مالية سهلة وغير مضمونة على الأمد البعيد؛ وهذا يطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية اقتناع اللبنانيين قريباً بضرورة:

• قبول تخفيض الرواتب التي تقارن حاليا بسوية بعض الدول المتقدمة نسبياً

• تخفيض الأسعار التي لا يستفيد من ارتفاعها سوى أنماط العيش الباذخ وغير المبرر في ظل المديونية الهائلة وغياب البنى التحتية القادرة على المقاومة الجدية للصدمات الخارجية

• علاقة مختلفة مع سورية والعودة إلى منطلقات تفاوض عادل بدءاً من تلك المعلقة منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

وأخيراً إذا كان لبنان لديه من الرواتب ما يسمح بالتخفيض لتجاوز الأزمة القادمة ولو بعد سنوات تبقى التساؤلات والنقاشات المعمقة مفتوحة لمعرفة الحل السحري للسوريين الذين تدنت رواتبهم إلى مستويات تجاوزت كل عتبات التقشف مسبقاً.