ستالينغراد سوريا.. كل الطرق تؤدي الى حلب

0
37

محمد منصور – الميادين نت

 

لعل المشكلة الأوضح التى ظهرت منذ الانسحاب الروسي الجزئي من سوريا هو التوقف المفاجئ لأي هجوم رئيسي ينفذه الجيش السوري مثل الهجوم على ريفي حلب واللاذقية الشماليين والذي لو استمر على الوتيرة نفسها التي كان مخططاً لها لكانت إدلب الآن مخترقة من الشرق والغرب. في نفس التوقيت تقريباً توقف الهجوم السوري بريف حلب الشرقي في اتجاه مدينتي تادف والباب لتضاف هذه التوقفات إلى توقفات سابقة مثل توقف الهجوم الموسع في ريف درعا الشمالي أوائل هذا العام.

لعل اللقاء الثلاثي النادر الذي تم بين وزراء دفاع روسيا وإيران وسوريا في العاصمة الإيرانية طهران مؤخراً من أهم دلائل الجدية التي باتت هذه الأطراف تنظر بها إلى تطورات الميدان السوري الذي كانت مجرياته الميدانية منذ منتصف العام الماضي وحتى أوائل هذا العام تسير بصورة إيجابية في مصلحة الجيش السوري وحلفائه. لكن بات من الواضح أن التطورات التي تلت هذه الفترة تجعل من الضروري لهذه الأطراف أن تتوقف قليلاً لتراجع استراتيجيتها وتكتيكاتها خصوصاً وأن التباينات بين الرؤية السورية والرؤية الروسية للإستراتيجية المتبعة في الميدان باتت أوضح ما يمكن.

لو أردنا تحديد نقطة التحول التي عاد من خلالها مستوى التهديد لعمليات الجيش السوري الناجحة إلى الإرتفاع سنجد أنها بدأت منذ إعلان روسيا عن “إيقاف العمليات القتالية” بين الجيش السوري وبعض فصائل المعارضة المسلحة أواخر فبراير/شباط الماضي وما تلا ذلك من سحب جزئي لبعض المعدات العسكرية الروسية من سوريا. قبل ذلك التاريخ كان الجيش السوري في خضم هجمات رئيسية ناجحة في ريفي اللاذقية وحلب الشماليين وكان قاب قوسين أو أدنى من الوصول للحدود التركية في الإتجاهين تمهيداً لبدء المرحلة “المنطقية” التالية وهى الهجوم من الشرق والغرب على إدلب.

 

توقف الهجوم السوري في الإتجاهين بفعل إعلان الهدنة والتوقف شبه الكامل لطلعات الطيران الروسي في هذه الفترة وأيضاً لإطلاق هجوم كبير بدعم روسي لتحرير مدينتى تدمر والقريتين وهو ما تم إنجازه بالفعل، إلا أن هذا أدى أيضاً إلى تجميد الوضع الميداني في حلب واللاذقية خصوصاً بعد التدخل المريب فى توقيته وأهدافه لقوات “سوريا الديموقراطية” للسيطرة على مطار منغ انطلاقاً من عفرين مما قطع الطريق على قوات الجيش السوري المتقدمة في اتجاه أعزاز ومعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا والذى يمثل حتى الآن شرياناً رئيسياً لتدفق المقاتلين والعتاد النوعي الذي بدأ يلاحظ ظهوره في الفترة الأخيرة.

تطور التدخل الأميركي

تزامن مع الإنسحاب الجزئي للمجموعة العسكرية الروسية في سوريا تعديل في التكتيكات الأميركية على الأرض، فتم تطوير برنامج “التدريب والتسليح” ليركز على دعم مجموعتين رئيسيتين وهما “جيش سوريا الجديد، قوات سوريا الديموقراطية” واللتان تتمركز عملياتهما بشكل رئيسي في دير الزور والرقة والحسكة بالإضافة إلى دعم فصائل “الجيش الحر” في حلب وريفها الشمالي. استمرت الولايات المتحدة في دعم هذه القوات خصوصاً قوات سوريا الديموقراطية بالأعتدة والأسلحة الحديثة مستفيدة من مهابط الطائرات التي تم إعدادها في عدة مناطق في محافظة الحسكة.

خلال الشهرين الماضيين طرأ على المجهود العسكري الغربي عموماً والأميركي خصوصاً تطورات متسارعة أثارت قلق القادة العسكريين في محور موسكو – طهران – دمشق. بعد أن كان التواجد البري الأميركي مقتصراً على ضباط للتنسيق يتواجدون في المدينة السكنية بسد تشرين وفي موقع آخر بمنطقة اليعربية في الحسكة. أصبح هذا التواجد على شكل مفارز صغيرة من القوات الخاصة تواكب تحركات قوات سوريا الديموقراطية وتساهم في توجيه الدعم القتالي الجوي الذى تكثف وجوده فى أجواء الشرق السوري وظهرت لأول مرة فيه المروحيات الأميركية من نوعي “MH-47G” و”MH-60″. سلّحت هذه المفارز بأسلحة فردية ومتوسطة للمشاركة في المهام القتالية منها المدفع الرشاش “M2A1” وقاذف القنابل “MK47” والصواريخ المضادة للدروع من نوع “Javelin”. ظهرت نتائج هذا الدعم واضحة في مرونة الحركة التى باتت تتسم بها تحركات قوات سوريا الديموقراطية التي زودتها الولايات المتحدة بكباري عائمة وقوارب سريعة مكنتها من عبور نهر الفرات في اتجاه مدينة منبج التي تتقدم باتجاها من محورها الغربي وتحاصرها من كل الجهات ويتوقع السيطرة عليها في القريب العاجل بالرغم مما يبدو أنه “تباطؤ” من قبل القوات المهاجمة للمدينة. هذا التحرك يترافق أيضاً مع تواجد لعناصر من القوات الخاصة الألمانية التي دربت عناصر قوات سوريا الديموقراطية على استخدام صواريخ “MILAN” المضادة للدروع التي تم تزويدهم بها مؤخراً في إعادة لتجربة مشابهه مع البيشمركة في كردستان العراق. كما شهد الشهر الحالي التواجد الأول للقوات الخاصة الفرنسية في الميدان السوري حيث بدأ التجهيز لمهبط مروحيات ونقطة تمركز لها في تلة مشتل نور شمال مدينة عين العرب.

كان لجيش سوريا الجديد نصيب مهم من الدعم الأميركي خلال الشهور الأخيرة، استمر تدريب عناصر هذا الجيش في الأردن وتم إنشاء مدرسة للقناصة يتم فيها تدريب عناصر هذا الجيش على استخدام البنادق الأميركية “MK14 EBR” التي وصلت كميات كبيرة منها لدعم تسليح هذا الجيش بالإضافة إلى أنواع أخرى مثل البنادق الرشاشة “M240B” و”M2 BROWNING”. تم تدريب هذه العناصر أيضاً على استخدام معدات الإتصال الميدانية مثل أجهزة الحاسب المحمول “Panasonic Toughbook”  ومحطات استقبال إنترنت الأقمار الصناعية “الثريا” وكان لافتاً ظهور عربات وعناصر تتبع الجيش الأردني ضمن تحركات هذه القوات في البادية السورية. يحاول جيش سوريا الجديد “اقتسام” الشريط الحدودي بين العراق وسوريا مع قوات سوريا الديموقراطية بمهاجمة معبر التنف الحدودي والسيطرة على مناطق قريبة منه مثل منطقة الزبيدة لاستكمال التحرك ضد قوات داعش في البوكمال.

شكلت حلب بشكل عام وريفها الشمالي بشكل خاص بؤرة اساسية للاهتمام الميداني الأميركي خلال الفترة الأخيرة، فقد تدخل سلاح الجو الأميركي بشكل مكثف للمرة الأولى في أجواء حلب لدعم عمليات “الجيش السوري الحر” وفصائل أخرى ضد داعش وبات مشهد مقاتلات “F-16” وطائرات الدعم الأرضي “A-10” والقاذفات الاستراتيجية “B-52” في الأجواء أمراً معتاداً وساهم هذا الدعم في إنجاح عملية حصار منغ وفي فك الحصار الذي ضربه تنظيم داعش على مدينة مارع التي ظلت محاصرة لعدة أيام تكفلت فيها القوات الجوية الأميركية بعمليات إمداد القوات المحاصرة داخلها بالمؤن والذخائر جواً.

الاجتماع الثلاثي وبحث الوضع الميداني

في ظل هذه التطورات جاء الاجتماع بين القيادات العسكرية الأعلى في إيران وسوريا وروسيا في طهران مؤخراً، تلت ذلك الاجتماع زيارة مفاجئة وفريدة من نوعها لوزير الدفاع الروسي إلى قاعدة حميميم الجوية توحي باستشعار كل الأطراف للمخاطر الميدانية المتزايدة والتي تحتم عليهم التحليل الأمين للأخطاء الميدانية والتكتيكية التي شابت العمل العسكري في الميدان خلال الشهور الماضية.

لعل المشكلة الأوضح التى ظهرت منذ الانسحاب الروسي الجزئي من سوريا هو التوقف المفاجئ لأي هجوم رئيسي ينفذه الجيش السوري مثل الهجوم على ريفي حلب واللاذقية الشماليين والذي لو استمرعلى الوتيرة نفسها التي كان مخططاً لها لكانت إدلب الآن مخترقة من الشرق والغرب. في نفس التوقيت تقريباً توقف الهجوم السوري بريف حلب الشرقي في اتجاه مدينتي تادف والباب لتضاف هذه التوقفات إلى توقفات سابقة مثل توقف الهجوم الموسع في ريف درعا الشمالي أوائل هذا العام. هذه التوقفات وإن كانت محكومة باعتبارات مختلفة إلا أن التجربة أثبتت أن تأثيرها على الموقف الميداني العام للجيش السوري يكون سلبياً لأبعد حد ويمنح المجموعات المسلحة على الجبهات التي توقف الهجوم فيها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التزود بالذخيرة “وهذا كان واضحاً بشكل أساسي في ريفي حلب واللاذقية.

فى هذا الإطار حاول الجيش السوري إعادة تفعيل اتجاهات الهجوم التي كانت قد توقفت جزئياً أو كلياً، فشرع في استكمال الهجوم انطلاقاً من محور أثريا في ريف حماه الشرقي في اتجاه مطار الطبقة ومدينة الرقة معقل داعش الأساسي فى سوريا وهو هجوم كان متوقعاً لكن ليس في هذا التوقيت الذي تحتل فيه حلب واللاذقية أهمية أكبر بميزان التطورات الميدانية بالنظر للمخاطر المتزايدة في نطاقيهما. بدأ الهجوم السوري في اتجاه الرقة بصورة أفضل من ممتازة وتمكن بشكل فعال في البداية من الوصول إلى مفرق زاكية ونقل الهجوم إلى ريف الرقة الغربي والوصول إلى مفرق الرصافة وحقل الثورة النفطي جنوب مطار الطبقة على مسافة أقل من 15 كم من المطار. كان الهجوم بمواكبة روسية محدودة جداً تمثلت في مفرزة مدفعية ميدان من نوع “MSTA-B” وبتغطية جوية محدودة أيضاً من قاذفات “SU34” الروسية التي قصفت عدة أهداف فى الرقة ومحيطها مثل منطقة المنصورة جنوب الرقة بالقنابل العنقودية.

اضطرت القوات السورية إلى إيقاف هجومها في هذا الاتجاه والانسحاب من حقل الثورة ومفرق الرصافة وباتت قاب قوسين أو أدنى من الخروج من حدود ريف الرقة الغربي نتيجة لعوامل كثيرة أهمها الانسحاب المفاجئ للمفرزة الروسية المرافقة للهجوم وتوقف طلعات القاذفات الروسية والغياب التام لطلعات المروحيات المقاتلة والتي شكلت الفارق الأهم بين هذا الهجوم والهجوم الناجح على مدينة تدمر. غياب طلعات الاستطلاع الجوي كان من أهم أسباب توقف هذا الهجوم الذي اضطرت القوات السورية فيه للتوغل في محيط معاد في ظل سيل من عمليات القناصة والهجمات بالسيارات المفخخة بجانب هجوم كيمياوي عجل بانسحاب القوات من المواقع التي سيطرت عليها وتخسر عدد من الشهداء منهم قائد أركان الفرقة العاشرة في الجيش السوري لينتهي بشكل جزئي هذا الهجوم الذي لن يكون مجدياً الاستمرار فيه إلا في حالة تأمين ظهيرة القوات المهاجمة وتأمين الغطاء الجوي اللازم لها.

في اتجاه دير الزور بدأ الجيش السوري في إكمال هجومه انطلاقاً من تدمرعلى جبهتين الأولى جبهة حقل الشاعر النفطي في اتجاه السخنة بغرض فك الحصار عن دير الزور والثانية في اتجاه الحدود العراقية بغرض الوصول لمعبر التنف الذي يعد معبراً رئيسياً لتنقل مسلحي داعش على جانبي الحدود. هذه الاتجاهات الرئيسية للهجمات السورية تتم وهجوم قوات سوريا الديموقراطية على منبج في الحسبان لأن هذا الهجوم يصب في خانة إجبار داعش على سحب قواته وتجميعها إما في ريف دير الزور الشرقي أو في محيط مدينة الباب بريف حلب الشرقي مما سيجعل من مهمة حصار هذه القوات في هذا النطاق سهلة ما بين قوات سوريا الديموقراطية القادمة من منبج وقوات الجيش السوري الموجودة في نطاق نبل والزهراء والتي قد تبدأ في استكمال الهجوم في اتجاه مدينة الباب في أي وقت، إلا أن هذا السيناريو للوضع الميداني في هذا النطاق ربما يتأثر باحتمالات واردة لأن يجد الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية نفسيهما في مواجهة عسكرية خصوصاً وأن فصائل معارضة للحكومة السورية منخرطة ضمن قوات سوريا الديموقراطية.

في حلب يبدو المشهد الميداني مركباً أكثر وباتت المدينة وريفها اللذان خضعت مجرياتهما الميدانية لاعتبارات اختلط فيها السياسي بالعسكري تشكلان التحدي الأكبر للجيش السوري ولحلفائه، “جيش الفتح” و”جبهة النصرة” وغيرها من الفصائل تحاول من خلال اختراقاتها اليومية للهدنة في حلب إجبار الجيش السوري على إيقاف هجماته الرئيسية وسحب قوات إلى حلب لمواجهة هذه الاختراقات، هذه الاستراتيجية أحرزت نجاحاً شمال حلب حيث صمدت نقاط المسلحين أمام محاولات الجيش السوري التقدم في محور يمتد من الملاح وحتى بني زيد والليرمون، في الريف الجنوبي فقد الجيش السوري مؤخراً عدة نقاط مهمة مثل العيس وتلالها وبرنة وزيتان وخلصة وخان طومان وباتت بلدة الحاضر الاستراتيجية مهددة بشكل جدي في هذا الهجوم الذي على ما يبدو يهدف بالإضافة إلى التشويش على الهجمات السورية في الشرق إلى فتح طريق جديد لإمداد المجموعات المسلحة داخل أحياء حلب.

على الرغم من أن التقدم الميداني لهذه الفصائل في الريف الجنوبي يظل محدوداً ويتراوح ما بين 15 إلى 20 كلم إلا أنه يدق ناقوس خطر مهم في ما لو استمر نظراً لتزايد إمكانية عزل القوات السورية الموجودة داخل مدينة حلب في هذه الحالة بشكل كبير خصوصاً وأن هذا التقدم يتزامن مع تحشدات كبيرة للفصائل المسلحة شرق وجنوب حلب.

يترافق هذا الوضع مع استمرار مكثف لعمليات إمداد الفصائل المسلحة داخل حلب وريفها سواء عن طريق الحدود التركية “أعزاز ومحيطها” أوعبر طرق الإمداد الرئيسية من إدلب مثل طريق “باب الهوي – ترمانين – دارة عزة – عندان”. وصلت مؤخراً عدة شحنات عبر الحدود التركية اشتملت على طيف واسع من الأسلحة والذخائر منها كميات إضافية من الصواريخ الروسية الأصل البلغارية الصنع “FAGOT” والأميركية “TOW” والرشاشات الثنائية المضادة للطائرات من عيار 23 مللم وذخائر من عيار57 مللم و107مللم بالإضافة الى بنادق القنص رومانية الصنع “PSL-54” والبنادق الهجومية الأميركية “M4” والقواذف المضادة للدروع تركية الصنع “HAR-66”.كما لوحظ في الأسابيع الأخيرة ظهور لأفراد يتجهزون بتجهيزات فردية حديثة في خان طومان بريف حلب الجنوبي.

نقاط الخلاف تظهر من مجريات الميدان

الجيش السوري وقيادة القوات الروسية في سوريا وضعا الموقف الميداني الحالي فى حلب كأول درس تمت الاستفادة منه خلال مجريات المعارك في الشهور الأخيرة، بالفعل كانت الهدن المتتالية التي راهنت روسيا فيها على تراجع الموقف الأميركي من كامل الملف السوري وراهنت فيها أيضاً على الحل السياسي، سبباً رئيسياً في قلب الموقف في حلب التي كان الجيش السوري منذ شهور على وشك الوصول فيه إلى الحدود مع تركيا وإلى فك الحصار عن بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين وإطلاق هجوم كبير ونهائي على إدلب التي تعد حالياً خزان إمداد المجموعات المسلحة في حلب واللاذقية. هذه النقطة تعتبر النقطة الخلافية الأولى بين الجانبين لأنه من الواضح أن القيادة العسكرية الروسية تنظر إلى أولويات الميدان السوري نظرة مغايرة للنظرة السورية وتضع جبهتي تدمر واللاذقية كأولوية.

على الرغم من تعزيز سلاح الجو الروسي لعديد طائراته في سوريا بتسع قاذفات منها أربعة من نوع “SU-34” وخمسة قاذفات من نوع “SU-24” ليصبح عدد المقاتلات والقاذفات الموجودة في قاعدة حميميم 28 طائرة. إلا أن مستوى العمليات الجوية التي تنفذها القاذفات الروسية يظل أقل بكثير مما يحتاجه الميدان، القاذفات الروسية خلال الأسبوع الحالي نفذت طلعات محدودة في ريفي حلب الشمالي والغربي وفي كل من شمال تدمر وجنوب الرقة وريف إدلب بجانب غارة على موقع لجيش سوريا الجديد قرب معبر التنف الحدودي. الوضع أسوأ بالنسبة لنطاق عمل المروحيات المقاتلة الروسية التي ظل نشاطها محدوداً جداً واقتصر على طلعات لمروحيات “MI-28″ و”MI35M” لدعم الهجوم السوري شمال تدمر. في ظل الإمكانيات المحدودة المتوفرة لسلاح الجو السوري الذي يقاتل منذ عام 2012 فإن بقاء الدعم الجوي الروسي على هذا المستوى سيفجر نقطة خلاف أخرى بين الجانبين لأن تأثير هذا الوضع على الميدان بات واضحاً جداً ولعل مشهد السيارة المفخخة التي تمكنت من الوصول لموقع تمركز مجموعة من الجنود شمال تدمر من بينهم جندي روسي استبسل فى محاولة يائسة لتدمير العربة المهاجمة، أكبر مثل على تأثير غياب الغطاء الجوي الاستطلاعي.

برغم النقاط السابقة إلا أن الجيش السوري يحقق تقدماً مهماً في ريف اللاذقية الشمالي باتجاه الحدود التركية وحقق نجاحات مهمة في الشحرورة وعين عيسي والرويسة ومحوري الحياة وكباني، كما بدأت قوات الجيش هجمات محدودة في محور المفكر بريف حماه الشرقي وفي الريف الجنوبي الشرقي للسويداء وفي الغوطة الشرقية وداريا كما نفذ سلاح الجو السوري غارات مركزة على حرستا تمهيداً لبدء هجوم متوقع لتأمين الطريق الرئيسي الرابط بين حمص ودمشق. كل ما سبق يتم في ظل الحاجة الميدانية الماسة لإطلاق هجوم رئيسي كبير وعاجل شمال حلب وفي الريف الجنوبي الذي لا بد من تطهيره بشكل كامل وفك الحصار عن كفريا والفوعة إن أرادت قيادة الجيش السوري حماية هجوميها في الجبهة الشرقية الذي على ما يبدو توقف أحدهما بشكل شبه كامل.

استفاد الجيش السوري من بعض الدروس الميدانية التي أظهرتها المعارك الأخيرة. من أهمها التكتيك الجديد الذي اتبعته المجموعات المسلحة في تصديها للدبابات الروسية “T90” التي أظهرت مناعة كبيرة أمام الصواريخ المضادة للدروع حيث تقوم عناصر القناصة في هذه الفصائل باستهداف جهازي بث الأشعة تحت الحمراء المثبتين على جانبي برج الدبابة بالإضافة إلى منظار الرؤية الخاص بالقائد لشل فعالية منظومة “Shtora” المضادة للصواريخ وهذا التكتيك مضافاً إليه الاستخدام المكثف لجميع أنواع الصواريخ المضادة للدروع من قبل المجموعات المسلحة حدا بالجيش السوري أيضاً لمراجعة أمينة لتكتيكات الهجوم والدفاع الخاصة به خصوصاً في حلب والشرق السوري.

ففي ريف حلب الجنوبي مثلاً كانت قوات الجيش السوري في تماس يصل إلى درجة التشابك مع الفصائل المسلحة مما كان يضعف من فعالية أي غطاء جوي ويوفر فرصة كبيرة لفرق القناصة وفرق الصواريخ المضادة للدروع لاستهداف أي آلية متحركة في ظل وفرة الصواريخ المضادة للدروع من كافة الأنواع وخصوصاً صواريخ “Fagot” الروسية و”TOW” الأميركية، لذلك نفذ الجيش السوري في ريف حلب الجنوبي انسحاباً من عدة نقاط على خط المواجهة مما وفر لسلاحي الجو السوري فرصة تنفيذ ضربات جوية ناجحة على مناطق تحشد المسلحين في هذا النطاق. أيضاً طور الجيش السوري في الأسابيع الأخيرة وسائل تنقله لتسمح بغزارة نيرانية أكبر وفي نفس الوقت مرونة أكبر في الحركة، ففي الهجوم في اتجاه الرقة ظهرت عربات النقل الخفيفة المثبتة عليها القواذف المضادة للدروع من نوع “Fagot” بالإضافة إلى طيف كبير من مدفعية الميدان والمدفعية ذاتية الحركة التي باتت أساسية في التحرك العسكري الهجومي السوري الذى بدأ بتقليل الأعتماد على المدرعات والدبابات خلال عمليات الهجوم والاعتماد أكثر على قوات خفيفة الحركة مدعومة نارياً بشكل كثيف من المدفعية الصاروخية والطائرات. يلاحظ أيضاً في هذا الإطار زيادة اعتماد الجيش السوري على وسائط مكافحة الألغام حيث تم رصد استخدامه لمنظومتي فتح الثغرات في حقول الألغام “UR-83P” و”ZRP-2″.

الموقف خطير .. ولكن

بالتأكيد كانت الخلاصة التي توصل إليها المجتمعون في طهران أن أخطاء مهمة قد حدثت خلال الفترة الماضية أدت إلى اقتراب الأوضاع الميدانية بشكل عام إلى مستوى مقلق معاكس تماماً للأداء الممتاز والإنجازات البرية التي بدأت منذ منتصف العام الماضي وصولاً إلى تحرير تدمر، الهدن المتلاحقة أعطت الفرصة للفصائل المسلحة لتعويض خسائرها والاستعداد لمعركة مفصلية في حلب، التناقص المطرد خلال الفترة الماضية في النشاط الجوي الروسي جعل الحدود التركية “ساحة سباق” للشاحنات والعربات التي تحمل الأسلحة والمؤن إلى داخل سوريا، الجيش السوري دفع فاتورة عدم إكمال هجماته للنهاية ولو أن هجوم ريفي حلب واللاذقية الشماليين تم استكمالهما حتى الوصول إلى الحدود التركية دون الالتفات إلى أي اعتبارات سياسية لكان وضع المجموعات المسلحة داخل سوريا متدهوراً لأقصى حد، المراهنة الروسية على المصالحات وعلى الهدن واحتمالية تغير الموقف الأميركي من الصراع في سوريا أدى أيضاً إلى إطالة أمد الصراع وتمكين الولايات المتحدة من إنشاء عدة كيانات عسكرية مسلحة ومدربة على أعلى مستوى سيكون لها مع الجيش السوري معارك كبيرة بعد إنهاء داعش وهو ما سينقل الحرب في سوريا إلى مستوى جديد لن يدفع ثمنه إلا الجيش والشعب خاصة فى ظل المطامع الكردية في “فيدرالية” في الشرق السوري والتي تنتظر فقط انتهاء معركة داعش كي تعلن بوضوح عن نفسها.

هذا الواقع عكسته تصريحات وزير الخارجية الأميركي حول “نفاذ صبر الولايات المتحدة تجاه سوريا” وارتفاع الأصوات الأميركية المطالبة بضرب سوريا. نستطيع أن نعتبر زيارة الوزير شويغو إلى حميميم وتصريحات رئيس الأركان الروسي التي اعترف فيها أن “صبر روسيا يكاد ينفذ أيضاً وأن الإرهابيين قاموا بإعادة بناء قواتهم من جديد والوضع إلى اشتعال مرة أخرى” مؤشراً مهماً على أن فهماً روسياً وسورياً جيداً لدروس الشهور الماضية وأخطاء الميدان. ولعل التصريحات الأخيرة لأمين عام حزب الله اللبناني التي شدد فيها على أنه يجب “على الجميع” زيادة حضوره القتالي في حلب، وما تبع هذه التصريحات من تمهيد نيراني ضخم الذي بدأته مدفعية الجيش السوري وقاذفات سلاحي الجو الروسي والسوري.

وقت كتابة هذه السطور على حي بني زيد وطريق الكاستيلو وتلة العلم ومناطق أخرى بريف حلب الشمالي قد يمثل بداية لإطلاق معركة حلب الكبرى وتصحيح الأخطاء السابقة. هذا سيكون رهناً بإطلاق الهجوم البري الذي يجب أن يشمل الريف الجنوبي أيضاً ويتوقع أن يستهدف الهجوم في بداياته نطاق الملاح – الليرمون في الريف الشمالي وتحديداً حي بني زيد الذي قد يتحرك الأكراد من حي الشيخ مقصود للسيطرة عليه وحينها يكون هذا الوضع نسخة طبق الأصل مما فعله الأكراد حين انطلقوا من عفرين للسيطرة على مطار منغ فى الريف الشمالي لحلب وأغلقوا الطريق على الهجوم السوري الواعد حينها والذي استهدف الوصول الى أعزاز ومعبر باب الهوى.