سامي كليب: من جسر الشغور الى جنيف….السباق محموم

0
54

تفترض الصراحة القول أن الجيش السوري اصيب بنكسة عسكرية جدية في ادلب وجسر الشغور، وان هذه النكسة ما كانت لتحصل لولا امور ثلاثة:  اولها خلل ما بالتخطيط والتنفيذ ، وثانيها دعم عسكري خارجي واضح من تركيا والسعودية مقرون باسلحة حديثة ودقيقة مضادة للدبابات والدروع ، وثالثها محاولة لتعويم “جبهة النصرة” على أنها الوحيدة القادرة على اصابة عصافير عديدة بحجر واحد، اي قيادة الفصائل المسلحة، واعادة بعض التوازن للمعركة، واعاقة المفاوضات في جنيف وبعث رسالة لايران وروسيا.

ماذا بعد؟

عسكريا: من المفترض ان يسعى الجيش السوري وحليفه حزب الله الى استعادة زمام المبادرة ورفع المعنويات. هذا يمكن ان يتم قريبا في جسر الشغور نفسها وفق بعض المعلومات، او في جبهة القلمون المحاذية للبنان والتي بدات نذر معركتها تقترب اكثر من المتوقع . في الحالتين المعركة ليست سهلة ذلك ان الطرفين يوظفان كامل قوتهما لربحها. ثم ان اسرائيل موجودة على خط الجبهة ومن المفترض انها تستفيد من كل ما يحصل لزرع أسافين عديدة، وهي تعتمد مقولة ” ليس علينا سوى التمنى للطرفين بالتوفيق” على اساس ان كل اقتتال يخدمها. ولا يستبعد البعض حدود تطورات عن الحدود السورية الاسرائيلية او الاسرائيلية اللبنانية.

سياسيا: من الواضح ان ” عاصفة الحزم ” في اليمن كانت ” بروفا ” جدية لعاصفة ادلب وجسر الشغور. الرسالة السعودية والتركية جلية : ممنوع على ايران وحلفائها من سورية الى حزب الله ان يرتاحوا او يستفيدوا من الضربات الغربية ضد داعش…

يعتقد خصوم ايران والرئيس بشار الاسد وحزب الله، ان الظرف مؤات الآن لتكثيف الضغوط العسكرية على الأرض. فهذه في افضل الاحوال تحقق مكاسب مهمة ضد ادارة الاسد وحلفائه، وفي أسوأها تفرض شروطا تفاوضية افضل اذا ما كان القرار الاميركي الروسي هو التوجه فعلا نحو حل سياسي .

ويعتقد قادة هذا المحور ايضا والمدعوم خصوصا من فرنسا واطراف اميركية، ان ايران مضطرة لعدم الرد لادراكها بأن أي خطوة ناقصة من طرفها قد تطيح الاتفاق النووي الضروري لها بغية تحسين اوضاعها الاقتصادية واواضع حلفائها. ومثالهم على ذلك ما حصل في اليمن .

ويعتقدون كذلك ان استمرار الجيش السوري وحلفائه بالقتال لاربع سنوات متتالية، سمح لادارة الاسد بان تقول للغرب ان هذا الجيش هو الوحيد القادر على ضرب الارهاب بريا، الأمر الذي جعل الاستخبارات الغربية تتقاطر على دمشق. كشف الاسد نفسه مؤخرا في حديث للتلفزة الفرنسية عن قدوم وفد من المخابرات الفرنسية الى العاصمة السورية. ما لم يكشفه قد يكون اكثر اهمية.

ماذا سيفعل محور سورية-ايران-حزب الله-روسيا؟

عسكريا: من المنتظر كما أسلفنا ردا في جسر الشغور وادلب ولكن على الارجح في القلمون وجبهات اخرى. هذه معارك فيها كر وفر، وليس فيها منتصر دائم.لكن الاسد وحلفاءه بحاجة لنصر سريع بغية اعادة رفع المعنويات.

اما سياسيا: فقد رفعت موسكو السقف عاليا مؤخرا عبر تصريح لوزير خارجيتها. قال سرغي لافروف ان بلاده تكثف دعمها العسكري لسورية والعراق لمحاربة داعش ولم تسمح باي عمل عسكري خارجي في سورية خلافا لما حصل في ليبيا. كانت الرسالة واضحة ومفادها: لن نسمح باي تدخل خارجي في المستقبل . مع ذلك فان موسكو رحب بوقف عاصفة الحزم في اليمن ودعت الملك سلمان لزيارتها .

وايران التي استقبلت وزير الدفاع السوري اليوم، رفعت مستوى الاتهام الى السعودية لتصل الى الحديث عن “خيانة ” وفق تعبير قائد الحرس الثوري اللواء محمد علي جعفري .كذلك قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني ان السعودية والامارات جندتا ارهابيين ضد ايران. هذا بالمنطق السياسي يُعتبر تحذيرا خطيرا ومبطنا يتقاطع مع تحذير سابق للسيد حسن نصرالله حين قال للسعودية: “كفى”.

نصرالله نفسه كان قد قال ان الحرب على سورية فشلت وان معركة القلمون حاجة لبنانية سورية مشتركة.

وفي الحديث عن ايران، لا بد من الاشارة الى ان اميركا نفسها التي تكثف حاليا غاراتها ضد داعش فوق العراق وسورية، ترسل مبعوثا لها الى جنيف، وثمة معلومات دقيقة تؤكد وجود تنسيق بينها وبين ايران حول مستقبل الحوار السوري حتى ولو ان الطرفين يقولان علانية ان لا مفاوضات على اي ملف قبل الانتهاء من الملف النووي . تدرك واشنطن ان ما كان ممكنا توفيره كبديل عن النظام السوري الحالي مع بداية الحرب في سورية، انعدم حاليا، حيث صارت التنظيمات الارهابية والتكفيرية هي المسيطرة على الساحة.

باختصار فان المشهد السوري الآن يسير على خطين، اولهما احتدام الحرب على الارض حيث سيسعى كل طرف في الربيع والصيف المقبلين الى تحقيق اكبر نصر ممكن قبل الاتفاق الغربي الايراني ( اذا حصل ) ، وثانيهما الاستمرار في المفاوضات الايرانية الغربية بغية توقيع اتفاق في آخر حزيران ( رغم تشاؤم البعض ) وتسهيل الحوار السوري في جنيف خصوصا بعدما بدا ان روسيا واميركا متفقتان على اشراك ايران في هذه المفاوضات .

يبقى السؤال الاهم: هل ستكتفي سورية وايران بتوجيه الاتهامات واللوم الى السعودية وتركيا واسرائيل، ام اننا سنشهد شيئا آخر في الاسابيع المقبلة ؟

ربما يجب مراقبة الحدود السورية الاسرائيلية اكثر من غيرها. ذلك ان لا قرار ولا مصلحة في فتح معركة اقليمية مع تركيا او السعودية، على الاقل في الوقت الراهن؟ وان ايران والاسد وحزب الله يعتقدون ان ثمة من يريد جرهم الى معركة اقليمية اوسع .

اما الامر الاكثر مدعاة للدراسة حاليا، فهي السياسة السعودية بقيادة الملك سلمان والتي تقول انه حان الوقت لكبح الجماح الايراني في المنطقة العربية. هذا قرار يعني العزم على تخطي الخطوط الحمراء السابقة مع ما يحمله من مخاطر ، ولكنه يعني أيضا ان الساحة السورية ستكون الأكثر ترجيحا لرد ايران وحزب الله وسورية على السعودية وتركيا……

نحن اذا امام ربيع وصيف ساخنين سيشهدان الكثير من الكر والفر، وما حصل في جسر الشغور وادلب قد يحصل عكسه او مثله في مناطق اخرى ذلك ان كل طرف بات يملك وسائل القوة في واحدة من اسوا حروب القرن حيث تتقاطع فيها الحروب الداخلية مع المصالح الاقليمية والدولية . ولا شك انه في هكذا حروب، فان دماء الشعب السوري هي الثمن، واننا امام معركة لم يعد بالامكان لاي طرف حسمها بالقوة الا اذا اتخذ قرار دولي بوقف الدعم الخارجي. وهذا لم يحن وقته بعد لكي لا تستفيد ايران وسورية وحزب الله من اي حل قريب .