رفع الراية الهاشمية و”قلب الشماغ”.. تمهيد لحراك عسكري أردني في العراق وسوريا

0
42

عمان| إسلام صوالحه

دغدغ استدعاء الراية الهاشمية في مراسم عسكرية مهيبة مشاعر الكثير من الاردنيين، واسهب الكثير من المحللين والمراقبين في تفسير دلالات واسباب ودوافع استدعاء الراية بعد 500 عام على اول مرة استخدمت فيه.

ورغم تقليل مستشار الملك للشؤون العسكرية رئيس هيئة الاركان المشتركة الفريق اول الركن مشعل الزبن من دلالات الراية ومحاولته لجم خيال المحللين في تفسير دلالات توقيت تسليم الراية للقوات المسلحة الا ان الجدل ظل حاضرا وما يزال سيل الاقلام في هذا السياق متواصل ، ويعزو المحلل الاستراتيجي د.عامر السبايلة ذلك الافراط في التفسير والتحليل الى ان الاردنيين لم يعتادوا المكاشفة والمصارحة والحديث معهم مباشرة في الخطوات والقرارات المستقبلية.

ولذلك ، تباينت التفسيرات والتحليلات بين من رأى في الراية رسالة الى تنظيم داعش نظرا للتشابه بين راية التنظيم والراية الهاشمية، اذ ان كلا الرايتين تحملان شعار ” لا اله الا الله محمد رسول الله” ، وهو شعار يحمل دلالة دينية وشرعية ما يشي بأنها محاولة لنزع الشرعية الدينية عن تنظيم الدولة ، وهذا التفسير قد يدعمه حديث الزبن حين اكد ان “الراية لا يوجد اولى من الاردنيين لحملها، وهي ليست راية حرب بل هي رايتنا وراية شعار الاسلام”.

بالمقابل ، ربط اخرون بين اعادة احياء الراية الهاشمية وما تشهده العلاقة الاردنية السعودية من فتور واختلاف حول اولويات المرحلة وطريقة معالجة الازمات التي تشهدها المنطقة ، ففي حين ترى السعودية في محاربة المد الايراني في اليمن وسوريا اولية لها، يصر الاردن على ان الحرب على الارهاب وتنظيم داعش تحديدا اولوية ملحة وان انزلاق السعودية في المستنقع اليمني يعرقل الجهود الرامية للقضاء على داعش في العراق وسوريا.

ولو عدنا الى تصريحات الزبن في سياق كشفه عن مغزى ارتداء الجنود الذين استلموا الراية “الشماغ ” مقلوبا ، حيث أكد ان قلب الشماغ رسالة للاخرين – دون ان يحددهم – بأن صبر الاردن قد نفذ، الا ان اللافت اتهامه لدول صديقة – دون ان يسمها – بخذلان الاردن.

وعلى سبيل المقاربة، نشير الى ان الملك الحسين بن طلال كان يطلق لحيته ويوجه بمناداته بالشريف الحسين كلما اختلف مع السعودية في سياق المناكفة من خلال استدعاء الارث التاريخي للهاشميين في الحجاز.

ولكن، تبقى الدلالة المحتملة الاكثر تداولا هي ما ذهب اليه البعض من ان استدعاء الراية الهاشمية وإرث الثورة العربية الكبرى يمهد لتحرك عسكري اردني توسعي شرقا باتجاه العراق وشمالا باتجاه سوريا.

وفي هذا السياق، جدد الكاتب ماهر ابو طير طرحه حول توسع المملكة وتمددها ، ورأى ان من حق اي دولة التفكير في توسيع حدودها وملكها سيما في ظل ما قد تشكله ازمات دول الجوار من مخاطر وجودية بالنسبة للأردن، وهذا يستدعي تحركا استباقيا للسيطرة على مناطق حدودية شرقا وشمالا .

وقد تكون تصريحات الزبن حول التحول الخطير في عقيدة المؤسسة العسكرية من الدفاع الى الردع وكذلك الحديث عن تحول دراماتيكي في الصراع في سوريا يسرع في اسقاط النظام وسيطرة المعارضة المسلحة التي تحظى بقبول ودعم اردني على العاصمة دمشق ، فتحت المجال لخيال البعض في رسم سيناريوها مستقبلية للملكة ومن بينها تحول المملكة الاردنية الهاشمية الى مملكة عربية عاصمتها عمان .

ولكن، غفل الحالمون بتوسع وتمدد الدولة الاردنية عن معطيات قد تعرقل حلمهم ان كان له نصيب في عقل وتفكير صناع القرار، اذ ان من يسعى للتوسع او يطمح باستنساخ تجربة الشريف الحسين بن عون واحياء مشروع النهضة العربية عليه بداية ان ينطلق من الداخل بنموذج نهضوي يصلح للتصدير والاستنساخ.

ويرى مراقبون انه قبل التفكير بالتوسع شمالا وشرقا لابد من التوسع جنوبا ، باتجاه معان تحديدا ، تلك المدينة التي احتضنت الشرارة الاولى للثورة العربية الكبرى، ومنذ ذلك التاريخ قدر لها ان تظل خارج فكر الدولة، فلم تنجح الحكومات المتعاقبة في تنمية المدينة واحداث نهضة اقتصادية وفكرية واجتماعية فيها، بل تحولت بفعل السياسات العشوائية الى بؤرة للفكر المتشدد والمعادي للدولة .

وقبل ان تفكر الدولة بالتوسع ، لابد من النظر الى الزرقاء واربد وعجلون والبادية والطفيلة وباقي المحافظات ، والنهوض بواقع الخدمات والتنمية فيها .

قبل التوسع، لابد من أردنة الخطاب السياسي ، وتطوير الادوات الاعلامية لبناء رأي عام ومخاطبته ، ولابد من النهوض بالنظام التعليمي والثقافي والصحي وترسيخ قيم العدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان وصون الحريات والكرامة الانسانية.

باختصار ، حين تتخلى الدولة الاردنية عن العقلية القبلية وفكر الثأر والفزعة ، وحين يصبح المواطن شريكا في صنع القرار او على اقل تقدير يمنح الحق في الاطلاع على القرارات المستقبلية المصيرية ، وحين تصنع نموذجا عصريا وتحقق انجازات تستمد منها الشرعية السياسية والفكرية ، بدلا من استدعاء مخلفات الماضي والتمسك بإرث زالت ظروفه واسبابه ، حينها فقط يمكن للدولة ان تكبر.