رثاء ام نضال الجبلاوية

0
102

– عاشت على الرمزية فشكلت بنفسها رمزاً في مدينتها يخوّل كل من يعرفها أن يضعها في خانة أساطير المدينة.

– في الثامنة من عمرها، شاهدت بالعين المجردة رجل دين يموت حرقاً في حادث احتراق حافلة. ذلك الرجل المتدين كان والد الفيلسوف أدونيس “علي أحمد سعيد إسبر” صاحب مئات النظريات اللادينية فتشكلت لديها بذور حب الاطلاع والمعرفة والسؤال والتساؤل في أكبر المجالس وأكثرها حيوية.

– في الخامسة عشرة من عمرها، باتت أولى، أو من أوائل الفتيات في ريف جبلة تتزوج من شاب من المدينة، فشكلت مع زوجها ثنائية “علوية سنية” باتت حكاية يومية في المدينة لسنوات، حتى بات ذلك الزواج أمرا طبيعيا في مدينة لم تعرف يوما إلا الاختلاف والتنوع. كان ذلك ثمرة التمرد الذي انزرع في داخلها ووافقها في ذلك والدها الذي لا يذكر يوماً في ريف جبلة إلا مسبوقا بلقب الأسطورة عن يدين وعين وجزء من الجمجمة تركها في فلسطين في حرب 1948.

– لم تتعلم أكاديمياً، لكنها سبقت الدولة إلى مكافحة الأمية، فأسهمت منذ ستينات القرن الماضي في محو أمية عشرات النساء الجبلاويات في منزلها وعلى حسابها الخاص برغم فقرها المادي آنذاك.

– انضمت إلى الحزب الشيوعي رفيقة لزوجها المناضل متحملة أعباء الملاحقات والمضايقات الاجتماعية والأمنية لخمسة عقود، غير آبهة بمواجهات غير متكافئة مع الأجهزة الأمنية ومخبريها.

– حين لوحق زعيم الشيوعية في سورية خالد بكداش إثر الانفصال بين سورية ومصر، لم يجد بيتاً في سورية يلجأ إليه سوى بيتها في جبلة والمكون من غرفة واحدة آنذاك. ولأن بكداش خاطبها بلقب “أم النضال” فقد أطلقت على ولدها الوحيد عند ولادته بعد سنوات اسم “نضال”.

– التصقت روحياً بكل حركات التحرر الوطني في العالم، حتى بات العالم كله بالنسبة إليها ميدانا واحدا “لا فرق لديها بين غيفارا وجمال عبد الناصر، أو بين جميلة بوحيرد والسيد حسن نصر الله”.

– حين وضعت حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل أوزارها في 14 آب من ذلك العام، شاهدها كل الجبلاويين تطوف شوارع المدينة وتوقف السيارات وتفرض على الجميع تناول الحلوى احتفالا بالانتصار.

وحين ألقى السيد حسن نصر الله خطاب النصر في 22 تشرين أول من ذلك العام، رفضت مشاهدة الخطاب على شاشة التلفزيون، بل توجهت إلى الضاحية الجنوبية في بيروت وشاهدت نصر الله بالعين المجردة يصيح بالجماهير “يا أشرف الناس!!” وعادت إلى جبلة بعد منتصف الليل من ذلك اليوم حاصلة على تلك الشهادة من زعيم المقاومة.

– وفي خضم تلك الحرب، أفرغت جزءا من منزلها لعائلتين نزحتا من لبنان وتولت الصرف عليهما إطعاما وشرابا وأمنا وأمانا، لا تنتظر منهم جزاءً ولا شكورا.

– منذ نزولها من الريف إلى جبلة أواخر الخمسينات إثر الزواج، لم تفارقها يوما الصحف اليومية، تقرأ أخبار السياسة والمجتمع وتشغف بحل الكلمات المتقاطعة.

– قبل ضرب العراق بشهرين خرج الشيوعيون في اللاذقية بمظاهرة تم على إثرها توقيف زوجها، لعدم الحصول على ترخيص، فتوجهت إلى رئيس الفرع الأمني فأطلق سراحه على الفور قائلا:” العلقة مع أم نضال ليست بالسهلة!!”.

– ناضلت 50 عاما وانتصرت، إلى أن جار الزمن عليها في العقد الأخير، فمال ميزانها نحو الخسارة على الصعيد المهني والمالي، وتكالبت الظروف وطغت الأنواء، فخسرت الكثير من المال، لكنها حافظت على كل ما ورثته من أبيها وزوجها من عنفوان وعزيمة ومقدرة، متحديةً كل مصاعب الحياة بما في ذلك ظروف الحرب الحالية، رافضة رمي المنديل والاستسلام.

– وبعد كل هذه المسيرة الحافلة، تحالف الشر مع مصاعب الحياة عليها وتوّج ذلك التحالف نهار الخميس الماضي بحادث مروري مروع كسّر شوكتها، وكدّم مساحة من رئتها، فلم تقاوم أكثر من خمسة أيام، لتفارق الحياة الثلاثاء 14 شباط 2018 عن 75 عاما أمضتها في المقاومة والنضال.

هي شقيقة أمي، خالتي أم نضال، المدرسة التي تعلمنا فيها ومنها الكثير من مفردات الصمود والمواجهة لأكثر مواقف الحياة قسوة.

لا أرثيها اليوم كخالة، بل كأم لأنها كانت كأمي تماما، وأرثيها كجدّة لأنها كانت لأمي بمثابة أم، وأرثيها كمدرسة لأننا تعلمنا فيها ومنها ما عجزت المدارس والجامعات عن تزويدنا به.

وداعا أم نضال

وداعا أيتها الأسطورة

علاء محمد