دمشق تسعى لعرض متكامل.. لم يأتِ بعد!

0
39

محمد بلوط

دمشق تريد عرضاً. العرض الذي يبحث عنه السوريون للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لم يأت بعد.

المسؤول السوري البارز، الذي يراقب بازار المبادرات الديبلوماسية ويقف في موقع القرار، ليس مقتنعاً بأن ما يقدم إليه يمكن أن يشكل أرضية للحل في سوريا، ذلك أن ما عُرض حتى الآن على السوريين في اللقاءات، منذ فشل «جنيف 2» قبل عام ونصف العام، لا يعدو كونه حلولاً مجتزأة.

ويقول المسؤول السوري إن المندوبين، والمفاوضين، والمتصلين في العملية السياسية يتعاملون مع إشكالية الحل «بالقطعة». يشكو المسؤول السوري من تجزئة العروض، وبالتالي الحل: «ما يُطلب منا حتى الآن يتوقف عند استطلاع رأينا، ولكن بعناوين منفصلة، وليس بسلة متكاملة».

من المبعوث الدولي استيفان دي ميستورا، إلى المبادرات المختلفة، وحتى الصديقة، كانت الأسئلة التي تطرح على الرئيس السوري بشار الأسد، وعلى المسؤولين السوريين، جزئية، ولم يجر البحث في العمق، وبشمولية بأي عرض متكامل.

يقول المسؤول البارز إن الأسد ووجه بأسئلة عن موقفه من تعديل الدستور، ثم عن رأيه في المرحلة الانتقالية وبقائه رئيساً إلى حين إنجاز كل الإصلاحات، وحقه في الترشح مجدداً، أو في الانتخابات المبكرة تحت رقابة دولية، وغيرها من العناوين المتداولة. ولكن عرضاً شاملاً متكاملاً، لم يقدم إلى دمشق. ويمكن تلمس نقلة نوعية في الموقف السوري من العروض، في ما يقوله مسؤول بارز من أننا مستعدون ومنفتحون للبحث بأي حل، ولكن عندما تقدم إلينا سلة متكاملة وليس قبلها، بشرط أن تقدم أيضاً تحت مظلة تفاهم روسي ـ أميركي واضح. ويقول المسؤول السوري إن عربة الحل لن تمشي من دون عراب روسي ـ أميركي، كما أنها لن تقلع قبل التصديق على اتفاق فيينا النووي.

ورغم أن الروس حصلوا على تفويض لفتح العملية السياسية، إلا أن الروس يطمحون إلى تطويره، ودمج الأسد في التحالف ضد الإرهاب، بالتوازي وكجزء من العملية السياسية، على غرار الصفقة التي جرت مع الإيرانيين في العراق. إذ جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إصرار موسكو على ضرورة «التخلي عن ازدواجية المعايير من أجل المكافحة الفعالة لتنظيم داعش الإرهابي، واعتبار الرئيس بشار الأسد شريكا فيها.. إن الحكومة السورية مستعدة للمشاركة في الجهود الدولية لمكافحة داعش»، لافتاً إلى أن روسيا اقترحت على واشنطن وغيرها من الشركاء مكافحة «داعش» بإنشاء تحالف ودعم الحل السياسي في سوريا في آن واحد.

ومنطقي ألا يكشف السوريون أوراقهم قبل أن تتبلور صيغة النظام الإقليمي الجديد، واستقرار «الصفقات» في اليمن والعراق، على أن تتبعها سوريا ولبنان، وان يتزامن ذلك مع تمرير اتفاق فيينا النووي الإيراني، في الكونغرس الأميركي. وتضع هذه المرحلة جميع المبادرات بين قوسين، بانتظار أن يعبر الاتفاق بسلام اختبار الكونغرس، وهو ما أظهره تراجع الإيرانيين عن بلورة مبادرتهم كما كان مقررا، وإخراجها من التداول الإعلامي، ريثما يتم تسليمها رسميا إلى الأمين العام للأمم المتحدة. ويميل الإيرانيون إلى تكليف الروس مواصلة العمل على مبادئها المعلنة، من وقف إطلاق النار، فحكومة موسعة، فتعديل دستوري، فانتخابات تحت رقابة دولية.

ويسلم الإيرانيون بالأولوية الروسية لافتقارهم إلى جسر للتواصل مع أجنحة المعارضة السورية، وخروجهم منذ أعوام من دائرة الاتصالات مع أقطابها، فضلاً عن استبعاد أن تقبل كل الأطراف بحل في سوريا، بمبادرة إيرانية.

أما ما يبدو من ازدحام ديبلوماسي، فمصيره الانتظار، وتقطيع الوقت، تحت عنوان التمهيد للحل، وليس الدخول في الحل، إلى أن تبدأ المناقشات الجدية، مع انبعاث الدخان الأبيض من الكابيتول في واشنطن.

والأرجح أن يبقى الروس محرك العمل الديبلوماسي إلى حين اتضاح مصير اتفاق فيينا، ونضوج إعادة توزيع النفوذ في الإقليم، وإدارة عملية التمهيد للتسويات عبر مبادرة «موسكو 3». وتواصل موسكو الاستفادة من الوقت الضائع لتعزيز موقعها، واستيفاء العائدات السياسية والاقتصادية لهذا التقارب، الذي بدأ بتقديم مظلة للحرب السعودية على اليمن، وعدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضدها. فمن دون غض النظر الروسي على تكوين التحالف ضد اليمن، ما كان لـ «عملية الحزم» أن ترى النور، ولا للهجوم على اليمن أن يتطور تحت غطاء الشرعية الدولية، بل كان من المرجح أن يمثل الكثير ممن شاركوا فيه أمام محكمة العدل الدولية، بسبب المجازر التي ارتكبها السعوديون بحق المدنيين.

وهكذا تتبلور مع تقدم المبادرات ملامح الصفقات المعقودة حول حروب اليمن وسوريا. إذ يضع الروس أمام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ملف الاستثمارات والتعاون الاقتصادي، على ما قالته الخارجية الروسية، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول موضوع المبادرة الروسية الخاصة بإقامة تحالف دولي واسع لمكافحة مسلحي «داعش» مع إيلاء اهتمام كبير لمناقشة طرق الخروج بأسرع ما يمكن من الوضع المأساوي في اليمن. وقُيض للروس أن يختبروا تعاون السعوديين معهم من خلال موافقتهم على لقاء اللواء علي المملوك بولي ولي العهد محمد بن سلمان. ويذهب وفد «ائتلافي» إلى موسكو يقوده خالد خوجة، وعلى العكس مما قاله «الائتلافيون» وتعودوا عليه من وحدانية القول وتمثيل المعارضة السورية. كما يصل إلى موسكو وفد كبير من لجنة مؤتمر القاهرة، يضم تسعة من أعضائها، مثل هيثم مناع، وفايز سارة، وصالح النبواني، وجهاد مقدسي، ومحمد حجازي، وجمال سليمان، وخالد المحاميد.

وتلقى السوريون، في اليومين الماضيين، مزيداً من الإشارات التي تشير إلى رجحان كفة ميزان القوى السياسي الإقليمي لمصلحتهم، رغم النكسات العسكرية التي أصيب بها الجيش السوري في محافظة ادلب وسهل الغاب، إذ بات واضحاً أن الأتراك الذين يدعمون تلك العمليات ويموّلونها ويقودونها عبر «جبهة النصرة» و «جيش الفتح»، لن يكونوا قادرين على تصريف تلك الانتصارات في أي عملية سياسية، بسبب طبيعة القوى «الجهادية» نفسها التي تقاتل، والتي أصبح معظمها مصنفاً إرهابياً، فضلا عن أنها لا تملك مشروعاً سياسيا قابلا للتصريف أو الترجمة باستثناء مشاريع أمراء الحرب، وإخوة «الجهاد». وجلي أن الهدف من العمليات هو إضعاف الجيش السوري في الشمال، لإخراجه من مشروع التحالف ضد الإرهاب، بحجة افتقاره إلى القوة الكافية لمواجهة «داعش»، ووضع الشمال تحت رعاية تركية، والجماعات الموالية لها وتنظيم الحرب على «داعش» بشروط أنقرة.

وقال مسؤول سوري إن لقاءات وزير الخارجية وليد المعلم، في مسقط الخميس الماضي، مع المسؤولين العمانيين فتحت آفاقاً جديدة لفك الحصار الديبلوماسي العربي عن سوريا. وبحسب مصدر عربي، عرض العُمانيون أفكاراً جديدة لتسهيل استعادة العلاقات الديبلوماسية مع دول عربية، وتشكيل مجموعة عربية قد تضم مصر والجزائر والعراق وعمان والكويت والإمارات، تعمل على إعادة فتح سفاراتها في دمشق، وفتح قنوات الحوار مع الأطراف الأخرى.

وكان الإيرانيون قد لعبوا دوراً أساسياً في فتح أبواب مسقط أمام الوفد السوري. وبحسب مصادر إيرانية قالت لـ «السفير» فإن طهران تنسق مع مسقط، لأنها تعتبر ان «التعاون الإقليمي هو الأفضل، وان المنطقة لا تحتاج إلى تدخلات من الولايات المتحدة، لمساعدتها في حل خلافاتها».