دراما رمضان 2015 بعد أربعة أعوام على الأزمة…عزف على وتر الأزمة لاستقطاب المشاهدين ومبالغة في المشاهد الساخنة

0
37

 

خالد حامد الشماط :

 

فاجأت الدراما السورية عشاقها ومتابعيها بمستوى الجرأة التي قدمتها لموسم رمضان 2015، في وقت كثرت فيه الرهانات حول مدى مقاربة صناع الدراما السورية لما يمثله الواقع من صور قاتمة فرضتها طبيعة الحرب القاسية طوال ما يزيد على السنوات الأربع حيث تداعيات فرضت ظلالها على مستوى العلاقات الاجتماعية وعلى التفاصيل الصغيرة في حياتنا اليومية، أما المفاجآت فتمثلت بالإنتاجات الكبرى التي حشدت العديد من الأسماء البارزة كنجوم الصف الأول في الدراما، أو بمعنى أكثر دقة؛ النجوم الذين اختاروا الانحياز لوطنهم ومعاناة شعبهم وعدالة قضيتهم التي يحملونها إلى جانب الملايين من أبناء الشعب، الأمر الذي فسر تكرار العديد من الوجوه والأسماء حتى للشركة الواحدة، في أداء عكس قدرة النجوم السوريين، وتفوقهم على أنفسهم، وعلى الصعوبات، المتمثلة في اختيار مواقع التصوير، وصعوبة التنقل، والتغلب على المشاكل الإنتاجية، وخاصة عندما يجد الممثل النجم نفسه أمام «أوردرات» لأعمال في مواقع مختلفة، وعلى الأغلب في أوقات متقاربة حيث الانتقال من حال إلى حال مختلف تماماً تفرضه طبيعة الشخصية، وهنا كان المشاهد لهذه الأعمال يقف على مسافات متباينة في إطلاق الحكم على الشخصيات المختلفة والمتناقضة التي يقدمها الممثل ذاته في أكثر من عمل درامي.

 

حضور الممثلين وتعدد الأخطاء

 

وللحقيقة ننوه بأداء نجوم الصف الأول والثاني الذين قدموا أداء مميزاً في تجسيدهم الشخصيات في الأعمال الرمضانية لهذا العام وبشيء من التفصيل لابد من التوقف مع حضور عباس النوري في أدواره اللافتة والصعبة في مسلسلات «عناية مشددة» حيث قدم دور «ابو المعتصم» الموظف الانتهازي الذي عاقبته الأزمة بأقرب الناس إليه لتقع ابنته الوحيدة فريسة تارة للقدر الذي حرمها زوجها المقاتل في صفوف الجيش ومصيره الغامض حتى الحلقات الأخيرة وبين أنياب عصابات مجرمة استفادت من ظروف الأزمة وتداعياتها فقتلت وسرقت ونهبت ومارست كل أنواع القتل والظلم على أبناء الوطن الأبرياء وقد نالوا مساحات من دعم أبو المعتصم وابنه لزوجته فكانت هذه العقوبة كصاعق كهربائي ضرب رأس أبي المعتصم ليوقظ فيه ضميراً طال انتظار صحوته وكأنه يمثل شريحة كبيرة من تجار الحروب ومتسلقي الأزمة ليبنوا مجداً على مساحة من تراب بحري.

الفنان عباس النوري الطبيب الأخطبوط في «شهر زمان» نراه حاضراً في دهاليز الأزمة، فاعلاً ومحركاً في أحداث المسلسل، تدور في فلكه معظم الأحداث، حيث أدى الشخصية ببراعة، لم تشفع له بتكرار ذاته في الحركة والأداء، رغم اجتهاد المخرج على تقديم الشخصية بقالب خاص مستخدماً أصابع الماكيير التي غيرت في الشكل وفشلت في التأثير في نبرة الصوت مثلاً.

النوري «أبو عصام» في باب الحارة شخصية ألفها المشاهد رغم ما تردد حولها من انتقادات طالت الممثل وعلاقته مع الجهة المنتجة فعادت لتحضر في الجزأين السابع والثامن من مسلسل حشرت فيه الأحداث لتملأ زمناً ساقته الجهة المنتجة على عجل خلقت بينه وبين المشاهدين الذين استمعوا لحشد كبير من الترويج لعمل مختلف في درجة القوة والأداء حتى في طبيعة التناول الدرامي ليصدم المشاهد بصورة عكسية أوقعت الأحداث في مطب الاستسهال وسرد الأحداث بما يناسب وجهة نظر الجهة المنتجة من دون أن تقدم إضافة مقنعة لعشاق هذا المسلسل ومتابعيه.

 

تكرار وأحداث تنافست لاستقطاب المشاهدين

أما القول عن مطبات التكرار والتماثل بالشخصيات فجسده التقارب الفاضح لمسرح الأحداث الذي تطابق في اختيار الحديقة العامة في «بانتظار الياسمين» و«عناية مشددة» ومسلسل «بقعة ضوء» ليعيد للذهن مرحلة ما قبل الحرب حيث تكررت الموضوعات ومواقع التصوير والشخصيات في أعمال كثيرة ليس أولها «الخبز الحرام» و«سكر وسط» وحتى «الولادة من الخاصرة» في أجزائه الثلاثة..

وصولاً للأعمال التي تناولت المناطق الفقيرة والعشوائيات بتكرار ممل وأحداث تنافست فيما بينها لاستقطاب المشاهدين باستثمار الوجع ذاته ومعزوفة الفقير الذي يشكل خزاناً ومستوعباً للجاهزية للانحراف. كل ذلك يفسر نهم الجهات المنتجة بتمويلها لأعمال تحقق مبيعات ومشاهدة ولو على حساب الرسالة الدرامية في أغلب الأحيان. ومع هذا التكرار في ساحات الأعمال الدرامية والنصوص التي تشابهت في مضامينها وشخصياتها ومواقع الأحداث ظهر من يدافع عن هذه الحالة ليقول: هذا ما جلبته الأزمة لبلد كان قبلها واحة للأمان والسلام.

ففي عناية مشددة نكون مع لوكيشن «الحديقة العامة» التي تحولت مركزاً لاستقطاب شخوص العمل الدرامي لنعيش مع صور الوجع والهم ونبكي ونتألم من دون أن نلمس بصيصاً من الضوء في نهاية النفق.

هذه الحديقة قدمها مسلسل «بانتظار الياسمين» بزخم أوسع من الوجع والألم وأحداث ساقها كاتب المسلسل وسعت معدلات القهر والغضب ورفض الواقع.

 

العزف على الوتر الساخن

بالمقابل ثمة حديث عن الحضور الساخن غير المألوف للمشاهد السوري والعربي في الدراما الرمضانية هذا العام حيث تساهل مقص الرقيب كثيراً لدرجة الغياب في عرض المشاهد غير المبررة أو لنقل غير المألوفة وتحديداً في مسلسل «امرأة من رماد» لنجدة أنزور الذي قدم للمشاهد وجبات من العيار الثقيل في مشاهد لسوزان نجم الدين لم تكن ضرورية لاستكمال الحدث الدرامي وخاصة عندما تقدم هذه السخونة عبر علاقة غير شرعية بين زوجة مخدوعة ومأزومة عاطفياً وعشيق فصلت بعناية أسباب اللقاء بينهما في مشفى عام حيث تبدأ القصة بفنتازيا لا يتقنها سوى المخرج المميز نجدة أنزور لتتطور العلاقة للعشق الممنوع اجتماعياً المحبب والممهد له في «امرأة من رماد».

اللافت أن السخونة لم تكن بالمشاهد فقط بقدر ما كانت في تقديم نماذج نسائية حضرت من الطبقة المخملية لتعكس الفراغ الأخلاقي لأبنائها مع غوص أكثر في تفاصيل موجعة عندما يمارس ضابط فاسد استخدام الجنس الرخيص بهذا الكم وبهذا الأسلوب لاستجرار مطلوب سرعان ما يعقد معه صفقة مالية لخروجه الآمن.

تلك النماذج المؤلمة التي جسدتها نجمات سوريات مثل مديحة كنيفاتي وليلى كرم- في أكثر من دور، ورنا أبيض «في صرخة روح» لم تقدم صورة سوداء عن حال المرأة في ظروف الحرب بقدر ما قدمت تمهيداً مريباً لمثل هذه النماذج ا لتي كثر حضورها في دراما رمضان 2015.

 

حرائر باسل الخطيب

بالقدر الذي ظهر فيه مسلسل باب الحارة في جزئه السادس باهتاً من دون إضافات نوعية عما سبق من أجزاء رغم الدعاية والترويج اللذين سبقا العرض وعلى النقيض من كل الأعمال التي تحدثت عن المرأة السورية هذا العام برز عمل تكاملت فيه الصورة مع النص في توثيق درامي لفترة عالية الحساسية من تاريخ مجتمعنا السوري قدم المرأة السورية نموذجاً لنساء الشرق المتنور قدمته الكاتبة عنود الخالد «حرائر» مثلما أجاد المخرج باسل الخطيب في اختيار مناطق التصوير وحركة الكاميرا في تناسب وتناغم مع البعد التاريخي للمسلسل ليأتي العمل كله إضافة تستحق الاحترام للدراما السورية بشكل عام حيث الأداء المشهود للفنان أيمن زيدان في دور الحاج صبحي، الفنانة سلاف فواخرجي في دور بسيمة والفنان مصطفى الخاني في دور سعيد مع التنويه بالوجه القادم بقوة في أعمال هذا الموسم الفنانة حلا رجب في دور «ماري العجمي» في حرائر، ودور «نهلا» في عناية مشددة ودور الفتاة التي قاست مع أسرتها مرارة التشرد في «بانتظار الياسمين».

 

كوميديا رمضان الأقل مشاهدة

على الرغم من اجتهاد الجهات المنتجة لتقديم الأعمال الكوميدية في رمضان 2015 نجحت الحرب على سورية في اختطاف البسمة من وجوه المشاهدين رغم بحثهم عنها وتوقهم إليها فلا «بقعة ضوء» ج11 نجحت في إضحاك المشاهد رغم ما قدمت من لوحات امتازت بعمق تناولها للوجع السوري فأبكت المشاهد على ما وصل إليها لكنها فشلت في استدعاء بسماته المنتظرة، ولا غيرها من الأعمال التي تربع على عرشها مسلسل «دنيا 2015» للنجمة السورية أمل عرفة وشكران مرتجى وحشد كبير من نجوم الدراما ومثله وقعت أعمال مثل «وعدتني يا رفيقي» ومسلسل «يا جارتي» و«يوميات حدو» و«قياسي ع مقاسي» في مطب التهريج المجاني الذي جعل المشاهد يضحك من الاستسهال في تقديم هذه النماذج في أعمال هذا الموسم، أو يستهجن وجودها أصلاً في وقت شكل الوجع تفاصيل مشاهده القادسية.

 

الأعمال المشتركة ولعبة الأجزاء

قبل أن تسدل الستارة على الموسم الرمضاني الحالي كانت شركات الإنتاج تتسابق للفوز بإنتاج أجزاء إضافية من أعمال نجحت في استقطاب المشاهدين وقبلهم قنوات العرض، حيث وقعت الشركة المنتجة لمسلسل «طوق البنات» عقداً لإنتاج الجزأين الثالث والرابع للمسلسل وكذلك علمنا أن الشركة المنتجة لعناية مشددة تبحث في إنتاج أجزاء إضافية من المسلسل الذي نافس على صدارة الأعمال المشاهدة هذا الموسم. فهل بتنا أمام سباق مع الأجزاء فتح باب المنافسة فيه مسلسل باب الحارة وماذا عن المعايير في السير قدماً نحو هذه الخطوات مع الاحتفاظ بحق المشاهدين في الحكم.

بالمقابل ومنذ بداية الحرب على سورية وخروج الكثير من الفنانين إلى خارج البلاد لحقت بهم الشركات المنتجة لتقدم للمشاهد العربي أعمالاً تستحق الوقوف عندها منها ما قارب الوجع السوري وتداعيات الحرب ومنها ما نحا باتجاهات مختلفة كإنتاج أعمال مشتركة مأخوذة عن قصص وروايات عالمية مثل مسلسل «تشيللو» وهو عمل تلاقى فيه الفنان السوري واللبناني وكذلك مسلسل العراب بنسختيه وهو إنتاج سوري بمشاركة لبنانية وعربية، ومسلسل «بنت الشهبندر».

كما شارك سوريون من خارج الحدود في أعمال كبيرة لم تشاهد محلياً.

ختاماً نقول: مهما راهنوا على اختطاف الحياة من السوريين فلن يكون حصادهم سوى الخيبة والخذلان.. فالدراما الرمضانية لهذا العام حضرت بقوة بما يزيد على 25 عملاً مميزاً نال معظمها الرضا على الرغم من الملاحظات التي ذكرنا بعضها.