«داعش» ومرحلة الذئاب المنفردة الجوّالة

0
94

 

عمر معربوني – بيروت برس

 

سبعون جلدة هي العقوبة التي قرّرها تنظيم “داعش” لمن يستخدم هذا اللفظ بعد وصوله الى مرحلة بناء الدولة، وهي بنظره مرحلة التمكين التي يعتبر انه وصل اليها ما يؤهله على اعلان الدولة بعد قطع مرحلتي شوكة النكاية والإنهاك وادارة التوحش.

وفي تعريف سريع للمراحل الثلاث لمساعدة القارئ على فهم الظاهرة، فإنّ المراحل هي:

1-    شوكة النكاية والإنهاك، وهي مرحلة استنزافية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى تستهدف من خلال العمليات الصغيرة التي تتصاعد الى عمليات كبيرة وشاملة كل مقومات الدولة البشرية والمادية بهدف اسقاط سيطرة الدولة على الجغرافيا بعد تحقيق الإنهاك بالقوات المسلّحة ،وتحقيق اكبر نسبة من الخسائر في صفوفها توطئة لإخراجها بشكل كامل من الجغرافيا، على ان تتضمن هذه المرحلة عملية جذب منظمة للشباب بهدف توسيع قاعدة العديد البشري وترتكز عملية الجذب على الترويج للخلافة كعامل جذب وجداني اساسي اضافة الى المال والنساء كعناصر اساسية ايضًا لتحقيق عامل التوسع والإنتشار.

2-    مرحلة إدارة التوحش، وهي المرحلة التي تلي خروج القوات الحكومية من مناطق السيطرة الجديدة وتتمثل في ادارة الموارد سواء كانت بشرية او مادية عبر اصدار التعميمات والقوانين والعقوبات المتشددة وعدم التراخي في تنفيذها، مترافقة مع حملات إعلامية تستهدف اخضاع المناطق المسيطر عليها عبر تحقيق الصدمة والرعب في مناطق السيطرة وفي نفوس المواطنين الذين لا زالوا تحت سيطرة الدولة لتحقيق انهيارات سريعة في مراحل الإندفاع الى مناطق جديدة.

 

3-    مرحلة التمكين، وهي مرحلة اعلان الدولة والبدء باستقطاب المبايعات من المناطق والدول المؤهلة لتدخل في نطاق الدولة من خلال امكانية احداث التسلسل نفسه في المراحل التي قُطعت في جغرافيا الدولة الناشئة.

“داعش” الذي يمكن اعتباره احد مشتقات تنظيم القاعدة لم يُخفِ توجهاته ابدًا، حيث تم الإعلان في أكثر من مناسبة عن مناطق صنّفها بالرئيسية ستدخل ضمن نشاطه المستقبلي وهي:

–    الأردن وبلاد المغرب العربي وبلاد الحرمين ونيجيريا وباكستان مع إبقاء العمليات على زخمها في بلاد الشام ومصر، وهو ما يعتبر تعديلًا مرنًا على نظرية الذراعين المرتبطة أساسًا باليمن وبلاد الشام للإنقضاض الى القلب، وهو بلاد الحرمين، الهدف الرئيسي لـ”داعش” ومن يماثله من التنظيمات في الفكر والنهج.

وحتى لا نغرق كثيرًا في استعراض المراحل التي مرّ بها التنظيم من تراجعات وهزائم وبدء دخوله في مرحلة الإنكفاء العسكري والتمهيد من خلال تصريحات بعض قيادييه عن عدم أهمية الجغرافيا، وهو تبرير يتناقض مع طرحه الأساسي حول أهمية السيطرة على الجغرافيا، يشهد التنظيم وسيشهد انكفاءات واسعة في المستقبل على جبهتي العراق وسوريا ستؤدي الى تغيير جذري في اساليب وآليات عمل التنظيم والإنتقال مجدّدًا الى مرحلة العمليات الإنتحارية في انحاء مختلفة من العالم، خصوصًا أنّ التنظيم يمتلك امكانيات مالية وبشرية ضخمة يمكنه من خلالها ادارة العمليات بكل مراحلها من التخطيط الى الإختراق الى التنفيذ بمرونة عالية، وهو ما سيشكل ارباكًا كبيرًا وتحديدًا في الدول الغربية والمملكة السعودية لتعميم الرعب والصدمة.

في اوروبا ستتنامى حالة الرهاب من الإسلام (اسلاموفوبيا) بنتيجة تكثيف العمليات بشكلٍ متوازٍ مع تصاعد للأصوات العنصرية في اليمين الأوروبي، لكن هذا لن يُلغي الواقع الجديد الذي نعتبره نتاج الإستخدام المباشر وغير المباشر للحالة التكفيرية من قبل الإدارات الأوروبية التي لا تزال قاصرة عن التعاطي مع العمليات إلّا بالبعد الإجرائي، حيث تدل حالة الإختراق على هشاشة في النظام الأمني للدول الأوروبية لمجموعة من الأسباب أهمها عدم حسم النظرة واستمرار هذه الدول في الإستثمار بالفوضى السائدة في منطقتنا، وهي فوضى تمّت ادارتها من قبل اجهزة الإستخبارات الأميركية والأوروبية إلّا أنّها للأسف ادوات سترتد على مصنّعها ومديرها بشكل غير مسبوق وسيكون لهذا الإرتداد عواقب وخيمة.

في بلاد الحرمين، بحسب تسمية الجماعات التكفيرية، ستكون العمليات تصاعدية وبشكل كبير نظرًا لأن السعودية بشكل رئيسي شكّلت ولا تزال المنبع الفكري لهذه الجماعات، ما يعني أنّ المئات وربما الآلاف من الذئاب المنفردة ستكون حاضرة لإحداث اكبر قدر من الرعب والصدمة في الداخل السعودي، ولن يكون بمقدور السلطات السعودية السيطرة على نتائج هذه العمليات.

مناطق أخرى من العالم ستشهد العمليات نفسها وسيتم تفعيل هذه العمليات بالإعتماد على نمط الخلايا العنقودية ونمط الذئب المنفرد لضمان اعلى مستوى من السريّة والفاعلية.

وحتى لا يعتبر البعض اننا نبالغ في توصيف المرحلة القادمة، فإنّ تحديات جدية تنتظرنا في مجال الإمساك بالأمن والوقائي منه على وجه التحديد، من خلال توسيع نطاق الإستعلام مع ضرورة التنبيه الى ان عمل أجهزة الأمن على المستوى العالمي بشكل منفرد لن يكون مجديًا بالقدر المطلوب، ويبقى ان مؤتمرًا عالميًا موحدًا لمكافحة الإرهاب والخروج منه بتوصيات محددة هو الحل الأمثل لمواجهة فاعلة تمنع التكفيريين من التملص من الرقابة بسبب ثغرة عدم التنسيق، وهي ثغرة ستستمر طويلًا للأسف الى ان يقتنع الجميع بضرورة العمل الجماعي.

وحتى يحين وقت المواجهة الشاملة والتنسيق اللامحدود، فإنّ العالم سيكون أمام عمل متسلسل لا نمطي للجماعات التكفيرية ستكون نتائجه قاسية ومريعة على الجميع.