خروج العربيّة من التفكير الى التعبير

0
53

يجتاح الفايسبوك والتويتر والواتس أب والإنستغرام ومواقع التواصل الإجتماعي سبابات العرب وميادين واسعة تهدّد بالخروج الخطير للضاد من الفصحى والعميّات بل منظومات القواعدالى تشويهاتهائلةتكاد تقتصر على الإيصال.ينتقل الكلام والتعبيربعربيّة مكسّرة، محطّمة، مختلطة بلغاتٍ أخرى، وشكلاً يكتبها الأولاد من اليسار الى اليمين عندما يتهافتون. هذا الخروج من الحضارة والتراث والماضي الى المشاعية تعززه وسائل الثقافة السريعة كما “الفاست فود” والخطوط المستقيمة العمرانية بدلاً من الحفر في الحجر والخشب. وتشيعالرطانة في الألسن،لتقع اللغات في مأزم حضاري كبير وكأنها صارت أدوات تعبير لا أدوات خلق وتفكيربما يجعلنا منصاعينلحاجات إعلامية وتواصلية وثقافيةجديدة تتمايز وتنقطع تماماً عن الثقافة العربية.

كانت الحاجات أربع في قواميس البيولوجيا تكاد تنحصر في المأكل والمشرب والنوم والجنس، مع أن الحاجة الأخيرة يستعاض عنها في كثيرٍ من الأديان والأحيان والظروف. تنشب اليوم حاجةً جديدة هي الإتّصال والتواصل بعدما كانت هذه الحاجة رغبة أكثر منها حاجة. نعم هي حاجة تملأ الزمان والمكان والإنسان في المعمورة.

ولقد أوصلتنا تقنيات الاتصال/الحاجةالى مأزم اختصار عدد اللغات في العالم وتهديد منظوماتها الى حدود الإنقراض، خصوصاً تلك التي لم يتم تطويعها بشكل كامل لأساليب هذه التقنيات. وكان من الطبيعي اعطاء الأولوية للّغات التي تستخدم الحروف والرموز بهدف تطويع لغات مثل اليابانية والصينية والعربية لمقتضيات العصر، ومحاولة ادخالها في منظومة النصوص المتفوقة، الامر الذي يورثنا تداعيات لغوية وثقافية كبرى ونصوصاً مشوهة في اللغة العربية أو في غيرها.

صار عمر التويتر عقداً كاملاً وتفشّى الفتون العربي النخبوي به منذ العام 2006 ووصل عهده الذهبي في إبّان الثورات العربية الهجينة. ما التويتر سوى إختزال القول وتكثيفه في عدد محدّد من الأحرف الهجائية؟

أنا أحاول من هذا النفاذ إلى فلسفة لب المجتمع الافتراضي المملّ والمجوّف، لا الاكتفاء بالنظر إليه من بعيد، أوانتقاده من دون من فهمه، من خلال تعريف المفاهيم المستجدة من قبيل المجتمعات الافتراضية والعلاقات الاجتماعية الالكترونية، وتحديد تأثير الاتصال عبر الشبكات الاجتماعية، كنمط جديد من أنماط الاتصال الحديث في المجتمعات المعاصرة، وذلك عبر قراءة الكثير من نصوص التواصل اليومية بين الافراد والمجموعات على الشبكة العنكبوتية وتحديداً على “الفايسبوك” و”التويتر” خصوصاً لجهة التعابير والمفردات المستعملة والتي تؤشر حكماً الى عولمة اللغة وتحوّلهاوإنقراضاتها وقضم جمالياتها على أكثر من مستوى.

تأثرت اللغات من جراء التطور العلمي الحديث، وزادت حدّة الصراع اللغوي بين لغة مؤثرة تملك مقومات القوة وأخرى متأثرة تفتقد كثيرًا من عناصر القوة. هذا صحيح وواقع . ويمكن اعتبار اللغة العربية إحدى اللغات الحيّة التي تعيش صراعًا لغويًّا مع عدة لغات ، ساعدت على وجوده عوامل كثيرة ؛ خارجية فرضها الواقع المعاصر الذي تعيشه ، وأخرى داخلية من صنع أهلها ، يقومون بتغذيتها – شعروا أو لم يشعروا-  من خلال وسائل أخرى متعددة وسلسلة من الإنحدارات التربوية والتعبيرية والإجتماعية.

هل تعلمون أن المجالس العليا للإعلام المرئي المسموع في أوروبا مثلاً، وتحديداً في فرنسا، التي دفعتني إلتزاماتي الأكاديمية هناك لأن أتدرّب في مجلسها بعد التخرّج من السربون، يقدّسون لغاتهم. نعم الى حدود التقديس من دون مبالغة. كيف؟ يقوم المجلس الأعلى الفرنسي بتنبيه خطي لأيّ مذيع إذاعي أو تلفزيوني يلحن أو يخلط لغته برطانة فاضحة مع لغة السوق الشعبية، وينشر الخطأ في المجلّة الشهرية الخاصة بالمجلس C.S.A..

بهذا المعنى، أنا المسكون بالعربية والمقيم فيها،يستفزّني رصد ظهور أشكال  لغوية تعبيرية جديدة طارئة تطمر مساحة العرب في الشاشات وكأنها تذبح اللغة العربية. هي مزيج من لغات متعددة مختلطة فرضتها التقنيات الجديدة، والسؤآل إن كانت هذه المظاهرتراكم بديلاً للغات المتداولة خصوصاً في ضوء النقص الحاصل في الدراسات المحلية التي تتناول العلاقة بين استعمال الموقع وتحولات اللغة وارتباط ذلك مع الواقع الاجتماعي والثقافي والحضاري.

تنحدر الظاهرة في تقصير المسافة السريع بين الكلام واللغة، بين الإرتجال ورمي الكتابات والنصوص السخيفة والصور والتعليقات على عواهنها، بما يجعل العلاقات الإلكترونية قنابل ثقافية تمزّق الهويات ومستقبل المجتمعات وتسخيف المباديء ونسق القيم الثقافية والبنى الموصومة من أهلها أكثر من الغرباء بالركود والتخلّف.

قد لا يتنبه الكثيرون الى أنّمستقبل اللغة العربية في خطر يعرض هويتنا وثقافتنا الى أخطار جمة تجعلنا نعاني الخوف والرهبة من ضياعنا وتحولنا الى موادٍ استهلاكية سريعة لا ثوابت لها ولا قيم ولا جذور. جلّ ما يهمها هو الانفتاح غير المدروس على الآخر واللحاق بعصر “التايك آواي”Take Awayأو بعصر اللايك. لكنّ المسألة التي تبقى أكثر تعقيداً أنّ مفرزات العولمة وأدواتها التي تملأ إنتباهاتنا وسلوكنا، وخصوصاً على مستوى اللغات تجعل الظاهرة مرادفة لتلبّد الغيوم في كبد السماء أو لإرتفاعات في الحرارة أو سقوط المطر الذي يستعصي بل يستحيل حجبه وتأثيراته ونتائجه وصعوبة التخلّص من الفتون به على مختلف المستويات.

من يتحمل المسؤولية؟ وما هي الأسباب الآيلة الى هذا الأمر؟ وما السبل الوقائية التي يمكن أن تساهم في الحد من هذه الآفة وعدم تفاقمها في المستقبل؟ وما هو دور وزارات التعليم العالي والتربية ووزارات الإعلاموالمؤسسات التعليمية والأهل في معالجة هذه التشكّلات الجديدة الموجودة؟ أسئلة عدةللتأمّل والتفكير منالسياسيين والتربويين واعلاميين في الدول العربية المتعددة، وأيضاً برسم أجيال “الفايسبوكيين” و”التويتريين”لربّما هم منجرفون في نهر الكلام ولا يعون خطورة الوضع الحالي عندما تتحلّل اللغات،فيجتهدون، في ما يتجاوز مت نحن فيه من معضلات،الى التفكيرللحفاظ على هويتهم في العروبة.نعم العروبة لأنّها، بالرغم من جراحاتهاأو تراجعها الحاصل، تبقى الحاضن المستمر لحفظ التنوع الثقافي واللغوي في عصر البحث عن التنوع البيئي والطبيعي الذي لولا التوازنات التي يولّدها لإنقرضت البشرية.

أهو الطموح الى إنقاذ اللغة التي ألهمت الشعراء والكتاب والتي تمثّل ينابيع الإبداع والتفكير والتعبير أم هو الرغبة اللاواعيةبإعادة نسجالشعور الوطني والقومي سعياً لنيل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية ولو أنّها مصطلحات تكاد تفرغ من مضامينها الكلاسيكية؟