حين يهدّد أوباما إسرائيل بـ”حزب الله”!

0
25

حسين عاصي

إذا لم يتمّ تمرير الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران، ستكون تلّ أبيب عُرضة لهجومٍ صاروخي من قبل “حزب الله”…

بطبيعة الحال، ليس الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله هو من أطلق هذه “المعادلة” في سياق “الحرب النفسية” القائمة دومًا بين الحزب وإسرائيل، ولا أحد قادة المقاومة، وليس كذلك أحد قادة “الحرس الثوري الإيراني”، الذين يُتّهَمون أحيانًا بـ”المزايدة” على الحزب وإطلاق المواقف نيابة عن مسؤوليه..

ببساطةٍ شديدة، فإنّ قائل هذه العبارات ليس سوى الرئيس الأميركي باراك أوباما شخصيًا(1)، وذلك في سياق “حربٍ نفسيّة” من نوع آخر، تلك التي تجمع “الحليفين اللدودين”، أميركا وإسرائيل، على خلفية الاتفاق النووي!

مونة على “حزب الله”؟!

طبعاً، من غير المنطقي ولا الواقعي تفسير خطاب الرئيس الأميركي بالقول أنّه على علمٍ ودرايةٍ  بمخططات “حزب الله” العسكريّة، ولا يمكن الخروج منه بخلاصةٍ دونكيشوتيّة تقضي بأنّ للرجل “مونة” على الحزب بشكلٍ أو بآخر، خصوصًا أنّ العلاقة بين كلّ من واشنطن والحزب لا تزال هي هي، فالحزب لا يزال مصنّفاً على قائمة المنظمات الإرهابية في قاموس الولايات المتحدة، والأخيرة كانت ولا تزال وستبقى “الشيطان الأكبر” بالنسبة للحزب، وهو ما أكّده أمينه العام مؤخرًا.

من هنا، تنطلق مصادر سياسية في قراءة كلام أوباما، داعية للتوقف مليًا عند ملابساته وحيثيّاته، وقبل هذا وذاك، عند ظروفه سواء الزمانيّة أو المكانيّة، فتصريحات الرئيس الأميركي أتت خلال لقائه مع عدد من زعماء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، وفي عزّ الحملة الدعائية التي أطلقها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية “أيباك” ضد الاتفاق النووي مع إيران، والتي دخل على خطها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو شخصياً، إذ طالب اليهود الأميركيين بمعارضة الاتفاق، بذريعة أنّه يهدد بتفجير حرب كارثية في الشرق الأوسط.

إسرائيل تدفع الثمن؟!

ولذلك، ترى المصادر أنّ حديث أوباما لا يمكن أن يوضَع إلا في سياق محاولته تفادي “السيناريو” الذي يسعى “أصدقاؤه” الإسرائيليّون لفرضه، سواء عبر إلغاء الاتفاق النووي، أو أقلّه التخفيف من وهجه، في حين يسوّق له الرئيس الأميركي بوصفه “انتصاراً” و”إنجازاً” غير مسبوقَين استطاعت إدارته تحقيقهما، وذلك من خلال القول أنّ هذا الاتفاق عمليًا هو الذي جنّب المنطقة حرباً بلا هوادة، محقّقًا في الوقت نفسه هدف الإسرائيليّين وغيرهم بمنع إيران من صنع قنبلةٍ نوويّة، وهو ما وضعه أوباما نصب عينيه منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة، علمًا أنّ الإعلام الإسرائيلي بدأ في الأيام الأخيرة يفرز مساحة واسعة لتغطية المواقف الأميركية، الأمر الذي يمكن أن يكون له معانيه ودلالاته من دون شكّ.

وإذا كان هذا الخطاب لم يفعل فعله في الأوساط الإسرائيليّة التي بقيت تتبنّى الخطاب المعاكس تمامًا، فإنّ أوباما لجأ إلى “استراتيجيةٍ إقناعيّةٍ” من نوع آخر، تستند إلى “التكتيك” القائل بأنّ البديل عن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون سوى “الحرب” مع إيران، خصوصًا بعدما أثبتت كلّ البدائل الأخرى، من الحصار والعزلة والعقوبات وما شابه، عجزها، وفشلت في أن تكون حجر عثرة أمام تقدّم إيران وتفوّقها، وإسرائيل لن تكون بطبيعة الحال “بمنأى” عن هذه الحرب، لأنّ “حزب الله” سيردّ عندها عبر إرسال الصواريخ إلى تل أبيب لا نيويورك، وستدفع إسرائيل الثمن الباهظ لذلك، وهي التي تصنّف الحزب بالعدو الأول لها، والذي باتت تحسب له ألف حسابٍ وتتفادى الاصطدام معه، بدليل مسارعتها إلى “تبرئته” من كلّ هجومٍ تتعرّض له عبر الحدود اللبنانيّة، لعدم توريط نفسها في أيّ حربٍ هي تدرك أنّها ستكون مغامرة غير محسوبة بالنسبة لها.

العقدة عند نتانياهو..

عمومًا، تشدّد المصادر على أنّ العقدة تبقى عند رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي يرفض أيّ مسعىً حواري ويصرّ على التصعيد مع أوباما والوقوف بوجهه، رغم كلّ المحاولات التي يقوم بها الأخير، ورسائل الطمأنة التي يوجّهها بكلّ الاتجاهات، وهو ما تجلّى من خلال إعلان أوباما بكلّ وضوح استعداده للقاء مع نتانياهو، إلا أنّ الأخير هو من لا يزال يرفض، علمًا أنّ الأوساط الإسرائيليّة ترجّح حصول لقاءٍ من هذا النوع خلال شهرَين، ولكن ليس قبل خطاب نتانياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في شهر أيلول.

وفي حين تذكّر المصادر بأنّ أوباما أرسل وزير دفاعه آشتون كارتر إلى تل أبيب من أجل طمأنته بعد أيام قليلة على توقيع الإتفاق (2)، والذي حرص على التأكيد على أنّ أمن تل ابيب هو أهمّ أولوية لواشنطن في المنطقة، وأعلن أنّ الإدارة الأميركية ستواصل تعميق تعاونها العسكري مع حلفائها التقليديين في المنطقة وفي مقدّمهم إسرائيل، تلفت في المقابل إلى خطوة جديدة مرتقبة في مطلع شهر أيلول، حيث يتوجه وفد أميركي رفيع المستوى إلى تل أبيب بهدفٍ مُعلَن هو تعزيز التعاون “الاستخباري المالي” بين الجانبين لمنع نقل أموال من إيران إلى فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين(3)، كجزء من جهد تبذله الإدارة للحيلولة دون وقوع أضرار على إسرائيل جراء الاتفاق النووي وتسييل الأموال الإيرانية المجمدة بموجب العقوبات الدولية

الثوابت واحدة..

في المحصّلة، يبقى الأكيد أنّ الاتفاق النووي لم يؤثر على ما يبدو على المواقف الاستراتيجية والتكتيكية، فعلى الرغم من “الاختلاف الظاهري”، لا يزال أمن إسرائيل أولوية بالنسبة لبلاد العمّ سام، بل إنّ التعاون بينهما سيتعزّز ويتكثّف أكثر فأكثر خلال المرحلة المقبلة. وبالتالي، فإنّ أوباما لم ولن يصبح ناطقاً باسم “حزب الله”، ولن يكون الأخير أداةً يحرّكها كيفما يشاء في المنطقة لتخدم أغراضه وأجندته..

أما “الحرب الإعلامية” التي يقودها الإسرائيليّون هذه الأيام، فلا تعدو كونها جزءًا من “المسرحيّات” التي يتقن قادة الدولة العبريّة إخراجها، ولن يطول الوقت قبل أن تنتهي، بعد أن تكون قد أدّت الغرض منها، بكلّ بساطةٍ…

(1) في كلمةٍ له أمام حوالي 22 من زعماء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، حذر أوباما من أنّه “اذا لم يتم تمرير الاتفاق النووي في الكونغرس، فإن الولايات المتحدة سوف تهاجم ايران وبالتالي فإن حزب الله سوف يرد بهجوم صاروخي على تل ابيب، وان اسرائيل هي التي ستدفع ثمن ذلك”.

(2) زار وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر تل أبيب في شهر تموز الماضي، حيث التقى عدداً من المسؤولين الإسرائيليين من بينهم رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، وذلك في محاولة لتهدئة قلق إسرائيل حيال الاتفاق النووي المبرم بين إيران والقوى الكبرى.

(3) سيرأس الوفد الأميركي نائب وزير المالية لشؤون الاستخبارات والإرهاب آدم زوبين. وسيلتقي الوفد بكبار المسؤولين الإسرائيليين في وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي وشعبة الاستخبارات العسكرية، وذلك للبحث في زيادة التعاون بين أجهزة الاستخبارات في الدولتين.