حلب: منازلة إقليمية أكبر من معركة خلصة

0
147

واحد وثلاثون شهيداً من المقاومة في خلصة السورية. العدد الكبير من الشهداء في معركة واحدة، لم تتعوّدها المقاومة في معاركها السابقة، وتتجاوز الـ28 شهيداً في بداية معركة القصير في العام 2013، لا يشير إلى ضراوة القتال فحسب، أو استبسال المدافعين عن التلة الإستراتيجية، التي باتت تتحكم مع تلة العيس، في جزء كبير من مستقبل ريف حلب الجنوبي، وإنما أيضاً إلى تحول حلب إلى الجبهة الأولى في معارك مقاتلي «حزب الله»، وارتفاع ثمن القتال من أجل بقاء سوريا في خندق المقاومة، وهو الهدف الأول الذي انخرط من أجله «حزب الله» في الميادين السورية.

ويبين اتساع انخراط المقاومة في سوريا، أن «حزب الله» بات يرجح أكثر من أي وقت مضى في حساباته الميدانية، أنه يخوض معركة جيواستراتيجية في سوريا، طويلة ومن أجل سوريا ولبنان، تتجاوز بكثير الأهداف الأولى التي أعلنها، عندما أعلن رسمياً في تموز من العام 2012 عن وصول طليعة مقاتليه إلى «السيدة زينب» في دمشق.

إذ إن المقاومة ترى أن المعركة من أجل منع إسقاط الدولة السورية مستمرة، وهي لا تزال تخوض معركة منع انكسار المحور، والتصدي للهيمنة الخارجية على المشرق العربي، في مواجهة قوى تملك إمكانيات دول كبيرة، ليست أقلها الولايات المتحدة والسعودية وتركيا، فضلاً عن عشرات القوى الإقليمية والدول التي تمد المجموعات المسلحة بالدعم التسليحي والمادي.

وبعد خلصة تبدو المقاومة على المسافة نفسها، من قرار البقاء في الخندق السوري أو الخروج منه، مع القناعة بأنه لا انتصار كاملاً في سوريا. ولكن الانتصار الذي من دونه لا تغيير في الموقف، يتجلى في التمسك بحل سياسي، يحفظ الدولة السورية، وسوريا ظهيراً للمقاومة في لبنان، ما يستبعد جزءاً كبيراً من أجسام المعارضات السورية الحالية التي ذهبت بعيداً في المساومة على الموقع السوري مع حلفائها الإقليميين. ويرفض «حزب الله» أي معادلة داخلية عدائية، مع هوامش واسعة لتركيبة سياسية لا تمس بمعادلة المقاومة، فضلا عن أن أي قرار بالبقاء أو الخروج من سوريا، ليس مطروحاً حالياً، ولكنه بأي حال لا يؤخذ إلا بالتنسيق مع دمشق وطهران.

خمسة أيام متواصلة، خاضت المقاومة خلالها، والحرس الثوري الإيراني، ووحدات الدعم من الفرقة الخامسة عشرة في الجيش السوري، واحدة من أشرس معارك الدفاع عن تخوم حلب الجنوبية، وهي الجبهة الأولى التي يقاتل فيها سعوديون إيرانيين وجهاً لوجه. إذ يشارك في معارك ريف حلب الجنوبي ضباط سعوديون وأتراك، وغرف عمليات دولية وإقليمية. وقد سبقتها عمليات تسليح نوعي وكمّي واسعة تولّتها السعودية والولايات المتحدة. المعركة تعكس من الآن فصاعداً اتساع الاشتباك الإقليمي والدولي وتحوّله تدريجياً من حرب بالوكالة تقوم بها المجموعات المسلحة، التابعة لقطر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة، إلى حرب مباشرة، كان أول نذرها اتساع نزول القوات الخاصة الأميركية البر السوري.

وجلي أن ما ينتظر المقاتلين حرب ضروس، وكسر عظم أكثر من أي وقت مضى، يحفل بالمعارك بعدما رفعت التعبئة لدى جميع الأطراف إلى مستوى غير مسبوق، ووصلت الجهوزية سلاحاً وعتاداً وعديداً، مع تدفق المقاتلين إلى حلب وحولها لاستعادة المواقع المفقودة، واستعداد المجموعات المسلحة لخوض معركة الحاضر الإستراتيجية، وحسم الموقف جنوب حلب.

ونقلت وكالة «فارس» أن قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني وصل الى المنطقة للإشراف على العمليات، فيما استعاد الروس وتيرة طلعات جوية متزايدة في المنطقة بعد تردد لأيام، وإعلان رئيس الأركان الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف، رداً على نفاد صبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بأن من «نفد صبره في سوريا هم الروس». وتقول معلومات إن سرب قاذفات «سوخوي 24»، والمؤلف من 12 طائرة، الذي سحبه الروس مطلع آذار الماضي بعد هدنة 27 شباط قد عاد في الساعات الأخيرة إلى مطار حميميم.

المعركة بدأت فجر الاثنين الماضي، وامتد الاشتباك الأخير 70 ساعة متواصلة، قبل اتخاذ القرار بالانسحاب ظهر الجمعة، من التلة باتجاه الحاضر.

ماذا حدث ميدانياً وسياسياً، وما هي العناصر التي أدت إلى الخروج من خلصة واستشهاد عدد كبير من مقاتلي المقاومة؟

تعرضت تحصينات المدافعين عن التلة إلى هجوم 14 عربة مفخخة، و40 انتحارياً وانغماسياً. الاشتباكات المباشرة لم تحصد الحصيلة الكبيرة من الشهداء، أو هي الحصيلة الأقل في قتال الأيام الخمسة. الكوكبة الأكبر من الشهداء، سقطت الثلاثاء، عندما أصاب صاروخ «تاو» تجمعاً للمقاتلين عند سفح التلة، كان عائداً من تثبيت خطوط الإسناد بعد صد الموجة الثانية من الهجوم. وتعرضت عربتا مؤازرة انطلقت من محور «الحاج ذو الفقار» إلى نيران موقع معاد، بعدما ضلّت طريقها نحو التلة، ما أدى إلى استشهاد ستة مقاتلين في الحصيلة الأولى، فيما تمكن أربعة من قوة المؤازرة من الانسحاب والعودة ليلاً إلى الخطوط الخلفية. المفخخات حصدت أيضاً المقاتلين عند الساتر الترابي للتلة، عندما انفجرت عربة «بي ام بي» مفخخة، فأدت إلى استشهاد مقاتلين فوراً، وآخرين في غرفة التحكم فوق التلة.

الهجوم تركي – سعودي. «جبهة النصرة»، و «حركة أحرار الشام»، و «الحزب الإسلامي التركستاني»، «الفرقة 13»، «جند الأقصى»، «فيلق الشام». أكثر من 2500 مهاجم، تركوا على أرض المعركة 167 قتيلاً على الأقل. الخسائر كبيرة لدى المهاجمين، رغم مؤشرات متقاطعة كان ينبغي أن تقلل من الخسائر، وتدل على تغيير نوعي في تسليح هذه المجموعات وتجهيزها، وحتى إلى انخراط مباشر سعودي في المعارك، بالإضافة إلى الأتراك ومخابراتهم، وغرف عمليات أنطاكيا، وجبل الاقرع في الاسكندرون السليب.

وبحسب مصادر ميدانية، انتقل الانخراط السعودي في الحرب من التسليح والتمويل إلى مشاركة ضباط سعوديين في المعارك، لا سيما في الشمال السوري. ويشارك هؤلاء في إدارة غرف العمليات في المنطقة، منذ تثبيت هدنة 27 شباط الماضي، وتوسيع الهجوم السعودي المضاد والمباشر للانخراط الإيراني المتزايد في سوريا. وتتزايد المؤشرات على وجود ضباط أتراك وسعوديين مباشرة على الأرض بناءً على معلومات ميدانية سورية والاستماع إلى الاتصالات في الشمال السوري. وينعكس هذا الوجود من خلال تحسن تكتيكات المقاتلين ونظم اتصالاتهم وتشفيرها وفق قواعد الجيوش الكلاسيكية. كما تدل على ذلك كثافة اللجوء إلى استخدام طائرات الاستطلاع في تحديد الأهداف وإدارة المعارك، وارتقاء مستوى تجهيز المقاتلين، وتنسيق الهجمات، الذي يحتاج إلى غرف عمليات وسلسلة أركان متقدمة.

ونقل السعوديون المزيد من صواريخ «تاو» إلى ريف حلب الجنوبي. وبحسب متابعات ميدانية موثقة، استخدمت «النصرة»، و «الفرقة 13»، و «أحرار الشام»، ما يقارب الأربعين صاروخاً، خلال أسبوعين من القتال. وهو رقم قياسي لم تتجاوزه سوى معارك ريف حماه الشمالي الغربي في تشرين الثاني، عندما وصل عدد ما أطلقته المجموعة المسلحة آنذاك إلى 140 صاروخاً. وتقدر أعداد الـ «تاو» التي نقلها السعوديون، بعشرة في المئة من أصل صفقة كلفتهم 960 مليون دولار، لشراء 13 ألف صاروخ من الولايات المتحدة، فضلاً عن امتلاكها 20 ألفاً منها في مخازنها.

وظهرت في معارك خلصة النماذج الجديدة من صواريخ «فاغوت» (فاكتوري) التي أصبح مداها يصل إلى 2500 متر. وكانت الولايات المتحدة قد سلّمت المجموعات المسلحة، مطلع كانون الأول الماضي، المئات من هذه الصواريخ، التي اشترتها من بلغاريا في تشرين الأول، مع بداية الهجوم الروسي في سوريا وللتصدي له. وخلال المعارك الماضية، لجأ المسلحون إلى استخدام كثيف ضد أهداف غير تقليدية لهذا النوع من الصواريخ المضاد للمدرعات. وتم استخدام «فاغوت» الذي يبلغ ثمن الصاروخ الواحد منه 30 ألف دولار، ضد أهداف بشرية أو مواقع محصنة. وحصل «جند الأقصى»، وهو التنظيم الأقرب إلى «داعش»، في غرف عمليات المخابرات التركية، على مدافع 152 ملليمتراً، كانت تركيا قد اشترتها في الخمسينيات من روسيا، ظهرت في ريف حلب الجنوبي.

وينبغي العودة إلى ما قبل معركة خلصة لفهم التراجع المفاجئ فيها، بعد انتشار واسع على جبهات تتعدى العديد المتوفر، خصوصاً بعد تراجع الإسناد الجوي الروسي، واتجاه الروس نحو ترجيح الحل السياسي تدريجياً منذ تفاهمات فيينا في 14 تشرين الثاني الماضي، التي توقف التوسع الميداني السوري، بعدها بعشرة أيام. ففي ذروة «عاصفة السوخوي»، والإسناد الجوي الروسي، استطاعت المقاومة والجيش السوري والحرس الثوري الإيراني، استعادة مناطق واسعة تتجاوز قدرتها على نشر العديد في هذه المنطقة. ففي الثاني والعشرين من تشرين الثاني الماضي، وصل هجوم الجيش السوري وحلفائه إلى أبعد نقطة يمكن الوصول إليها في ريف حلب الجنوبي، عندما عبرت قواته طريق حلب دمشق الدولي إلى موقع الايكاردا، قبل أن تنسحب منه، وتتحصن في تلة العيس للسيطرة بالنيران على الطريق. وتعرضت التلة نفسها لأربع عمليات كر وفر، مع المجموعات المسلحة في نيسان وأيار، قبل أن ينسحب منها الجيش السوري والمقاومة في منتصف أيار الماضي نهائياً. واستنزفت المقاومة وحلفاؤها قواها في الحفاظ على جبهة طولها مئة كيلومتر من خطوط التماس المتعرجة. وبعد خسارة خان طومان، وتل العيس، وخلصة، وبرنة، وزيتان، وتل باجر، ومعرتا، تقلصت الجبهة إلى 40 كيلومتراً.

وتبرز ثغرة مهمة في عمليات الدفاع التي خاضتها المقاومة والجيش السوري، إذ إن التكتيكات الاقتحامية للمجموعات المسلحة في ريف حلب الجنوبي لم تؤدِّ إلى التكيف معها، رغم أنها كانت تتكرر في كل عمليات الخرق التي تبدأ بالأسلحة نفسها، بالمفخخات، ثم هجوم المدرعات والدبابات، والمشاة، وتدفق صواريخ الـ «تاو» و «الفاغوت» من دون تمييز بين الأفراد والعربات، وهي ثغرة قد تواجهها المقاومة في معركة الحاضر المقبلة.