جميل م. شاهين : جدار برلين في… حلب

0
34

 

لن أخوض في تحليلات عسكرية لما جرى ويجري في الميدان، لا يعرف أحدٌ خباياها إلا “عباقرة الفيس بوك”، فالذي يجري على أرض المعركة لن يعرفه ويفهمه سوى الذين يدافعون عن الوطن، والباقي “آكلو الفاصولياء” الذين يجلسون في المقاهي، يمكنهم  تحرير القدس مع كل سحبة أركيلة، وعندما يحقق الجيش السوري انتصاراً ما، يتجاهلون ذلك، ومع إخفاق الجيش بمكان، يكثر اللطم والنوح ومعها العنتريات “الأركيلية”.  

سأبحث في نقاط عشر  رئيسية ما يجري في سوريا وحلب تحديداً:

اسمها جبهة النصرة، وجبهة النصرة فقط، وتغيير اسمها لا يعني أن يفرض عليكم الغرب التسميات، فترددونها كالببغاوات، كما رددتم تسميتهم لمدينة عين العرب من قبل. أكرر “جبهة النصرة” الإرهابية، هي المشارك الرئيسي في معارك حلب، وأحد أوجه الاختلاف بين موسكو التي تعتبرها إرهابية، وواشنطن ووراءها السعودية اللتان تريدان تصنيفها كمنظمة معتدلة، على فرض أن هناك منظمة معتدلة.

وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر حرف الانتباه عما تمّ التحضير له في حلب عندما وجّهَ الأنظار نحو الجنوب السوري، فأكد أنّ التحالف بقيادة الولايات المتحدة، سيبحث فرص مهاجمة تنظيم داعش في الجنوب، من أجل أمن أصدقائه الأردنيين ولفصل تنظيم داعش في سوريا عن العراق. هذا ليس معناه أنّ استعدادات غرفة موك لحرب درعا والسويداء وضعت على الرفّ، هم ينتظرون ما ستؤول إليه نتائج معركة حلب كي يبدؤوا في الجنوب.

بناء على المعلومات التي حصل عليها مركز فيريل للدراسات في برلين، يقول الدكتور Schön M. Peregrine من المركز: “معركة حلب هي أقوى معركة يخوضها الجيش السوري وحلفاؤه منذ بداية الأحداث 2011، وهي معركة بين جيشين نظاميين.” بالأرقام وحسب مركز فريل للدراسات في برلين: “يُشارك في معركة حلب العالمية 30 ألف جندي نظامي، 85% منهم من الجيش السوري، بالإضافة لإيرانيين وعراقيين ولبنانيين وروس، ويمتلكون كافة أنواع الأسلحة، بالمقابل يشارك في “جيش الإرهاب العالمي” 35 ألف مقاتل مدربين تدريباً جيداً، يرافقهم أكثر من 50 ألف مسلح بتدريب مقبول، يمتلك كافة أنواع الأسلحة باستثناء الطيران، بالإضافة لسلاح الانتحاريين الخطير. ويشارك في هذا الجيش 43% سوريين والباقي من 18 دولة: تركيا، السعودية، الشيشان، تركمنستان، تركستان، اليمن، ليبيا، تونس، الباكستان، أفغانستان، كازخستان، فلسطين، لبنان، الكويت، الإمارات، الأردن، المغرب، ألبانيا. ويتلقى الدعم المباشر من المخابرات العسكرية في دول: الولايات المتحدة، تركيا، السعودية، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا. قطر. الدعم؛ عسكري لوجستي ومادي، مع التزويد بمعلومات حول تجمعات الجيش السوري وتحركاته التي يتم رصدها عبر الأقمار الصناعية، وحركة الطيران الحربي. يشترك في المعارك 23 فصيل وكتيبة وتنظيم جميعها إسلامية طائفية متشددة. كما يشارك جنود وضباط أتراك ومقاتلون من منظمة الذئاب الرمادية التركية، وضباط اتصالات وتوجيه فرنسيون وأميركيون وسعوديون، وتتم قيادتهم من غرفة أنطاكيا مباشرة.

محاولة “جيش الإرهاب العالمي” فك الحصار عن حلب ليست من أجل ضباط مخابرات أتراك وسعوديين موجودون في شرقي حلب كما أشيع، فالمعركة تمّ التحضير لها منذ شهور طويلة. أما قضية وجود ضباط مخابرات، فنضيف هناك ضباط فرنسيون وأمريكيون أيضاً داخل حلب. والمعركة هي كسر عظم بين روسيا والولايات المتحدة، وهي معركة إيران والسعودية وتركيا وقطر وفرنسا وبريطانيا. باختصار هي معركة عالمية على حساب حلب وسوريا.

يشرف وزير دفاع السعودية محمد بن سلمان شخصياً على سير المعارك في حلب، وهو المسؤول المباشر عن نقل الكتيبة الباكستانية التي شاركت في المعارك عبر تركيا، وتمويل المعركة يتم بشكل أساسي من الرياض ثم الدوحة، وهذا يدل على أنّ المعركة بين السعودية وإيران تمّ نقلها من الخليج واليمن والعراق إلى حلب، وجاءت عقب قول مستشار مرشد الثورة الإيرانية على أكبر ولايتي: “لا فائدة من أي حوار أو وساطة  بيننا وبين السعودية”. 

معركة حلب هي معركة الأخوان المسلمين “الأتراك والسعوديين والسوريين” بدون شك، وتسمية المعارك والكتائب واضحة ولم تأتِ عن عبث. كتسمية إحدى المعارك باسم مرتكب مجزرة مدرسة المدفعية في حلب 16حزيران 1979 والتي قام بها عضو الأخوان المسلمين من تنظيم الطليعة المقاتلة، النقيب إبراهيم اليوسف، وبعد قتله. جاءه ابنه ياسر إبراهيم اليوسف وهو الآن عضو المكتب السياسي لتنظيم نور الدين الزنكي.  أما تنظيم نور الدين زنكي الإرهابي، فقد أسسهُ في تشرين الثاني 2011 في قرية قبتان الجبل غربي حلب، عضو الأخوان المسلمين الشيخ توفيق شهاب الدين. ونور الدين الزنكي هو أبو القاسم محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر، عدو الفاطميين وداعم المذهب السنّي، سلجوقي تركي حفيد آق سنقر بن إل ترغان، من قبيلة ساب يوب، مملوكي عند السلاجقة الأتراك. تسمية هكذا حركة بهذا الاسم يؤكد أنها طائفية تركية وليست سورية.

ليس هناك اتفاق روسي أميركي، وانتصار الإرهابيين في حلب، يعني ورقة قوية بيد أوباما قبل انتخابات الرئاسة تدعم هيلاري كلينتون، وكلينتون هذه تربطها بالسعوديين علاقة تجارية خاصّة وتلقى دعم أمراء النفط. كما أنّ اسقاط المروحية الروسية كان قراراً أميركياً حسب نيويورك تايمز، وجاء بصاروخ أميركي من مستودعات الجيش السعودي. أردوغان لم ينقلب كما ذكرنا، ومازالت تركيا تدعم الإرهابيين وحدودها مفتوحة، وكل هذا يأتي قبل يوم من لقاء بوتين بأردوغان.

معركة حلب هي معركة كرّ وفر، ولن يتم حسم الأمور باحتلال مدرسة عسكرية أو حي سكني، أو بفتح معبر بعرض كلم واحد يتم اصطياد العابرين بالسلاح الفردي. المعركة مستمرة ولا ضوء أخضر الآن لانتهائها. الذي قد يحصل، أن تطلب موسكو أو واشنطن هدنة ما، تتحول لوقف اطلاق النار، ويحافظ كل جانب على الأرض التي يقوم عليها، لتبدأ مفاوضات جنيف أو ما بعد جنيف، ونُحذّر هنا في مركز فيريل للدراسات من التالي: “جدار برلين في حلب”.

إذاً أسوأ ما قد يحدث في حلب هو وقف إطلاق النار، مع ميلان كفة الجيش السوري. والبدء ببناء جدار برلين في حلب، واقتسام المناطق بين روسيا والولايات المتحدة. أمّا انتصار الجيش السوري، وتحرير كامل حلب، فلا يعني نهاية الحرب على سوريا كما يتوقع كثيرون، ولن تكون نهاية السعودية أو تركيا… حتى حصول ذلك، سيتم اشعال عدة مناطق في سوريا كما ذكرنا سابقاً، بانتظار المعركة الأخيرة التي ستكون في الجنوب السوري.