تنظيم الحياة الطبيعية بدلا من شلها كليا “فلا صوت يعلو فوق صوت الجوع”

0
152

قبل أسبوعين كتبت مقالا عن معادلة الجوع مقابل الإصابة بالوباء ،  وطرحت سؤالا حول مدى صمود مجتمعات عربية في دولنا الفقيرة أمام اطالة أمد إجراءات الحظر ومنع التجول والأغلاق . خاصة أن أغلب الحكومات العربية لم تقدم خطة اقتصادية ومعيشية بالتوازي مع قرارات الحظر والأغلاق و منع التجول .

كانت المقاربة حينها  تبدو مبكرة لدرجة أن ردودا كثيرة ورسائل  وصلتني حول عدم صحة هذه المقاربة لأن سلامة الإنسان حسب الآراء  وتفادي الإصابة بالوباء أولوية لا يتقدم عليها شيء . واليوم وبعد أسبوعين على تلك المقال بدأت صرخة الجوع داخل بعض المجتمعات تبدو أوضح . وبدأت حالة من التململ الشعبي تظهر من جراء الحظر الكامل وقرارات الإغلاق. وبدأنا نشاهد عودة للازدحام في بعض المدن . أو صدام بين باعة وأصحاب بسطات وعربات صغيرة  وبين رجال الشرطة رفضا لإغلاق مصادر رزقهم ، كما حدث في بعض المناطق في لبنان حسب فيديوهات انتشرت مؤخرا .

 وإذ لابد من الاعتراف بأن تلك الاجراءات تحد فعليا من انتشار الوباء وان الحكومات تقوم بجهد كبير ،  إلا أن نتائج هذه الإجراءات كانت كارثية على معيشة الناس وعلى لقمة عيشهم  .  وربما بدأنا نلمس بدايات حالة من التمرد أو الإلتفاف على تلك الإجراءات . وبالفعل بدأت الخيارات تجاه المعادلة الصعبة التالية ” احتمال الإصابة مقابل الجوع ” تميل فيها الكفة لصالح خيار “لا شيء يعلو فوق صوت الجوع ” .

غالبية المجتمعات العربية  في دول مثل العراق وسورية ولبنان والأردن ومصر وتونس وفلسطين  تعاني من الفقر . وهي اليوم تخضع للحجر وحظر التجول وقرارات اغلاق المطاعم والمقاهي والمتاجر والأسواق والمعامل والشركات  . الخوف من الإصابة بالمرض دفع الجميع إلى التعاون والالتزام . ولكن ما من حكومة حددت جدولا زمنيا  لهذا الوضع . وهكذا ترتفع معدلات الفقر بسرعة  ، وتفقد عائلات أرزاقها  وتتصاعد المخاوف تجاه الأمن الاجتماعي ، وما قد ينتج عن هذا الوضع من احتمالات زيادة نسبة الجريمة وحوادث السرقة والنهب والسلب . فضلا شل  العملية التعليمية لمئات الآلاف من الطلاب جراء إغلاق المدارس دون أي خطط أو رؤية لما هو البديل ، بالتالي سوف  تصاب المجتمعات  بأمراض ربما  ادهى وأمر من وباء كورونا .

 إن المعالجة الحكومية بالحظر والأغلاق لوقف انتشار المرض دون أي اعتبار للأزمات الأخرى التي سوف تنتج عن ذلك  هي معالجة قاصرة . فنسخ الخطوات الإجرائية للدول الأوربية وتطبيقها على المجتمعات العربية بدون أن يكون لديك ذات الاقتصاد لتلك الدول أو ذات انظمة الحماية الاجتماعية أو الحقوق المعيشية ، يعني ببساطة انك تنتحر قبل أن تصاب بالوباء .

حتى بعض  تلك الدول الغربية المتقدمة ، لم تتشدد في إجراءات الحظر على مجتمعاتها كما تفعل اليوم بعض الحكومات العربية . إذ بدأت حكومات بفرض غرامات باهظة  على المخالفين وأخرى فرضت اعتقال وسجن ، وشاهدنا رجال أمن في بعض الدول العربية يضربون ويهينون مواطنين لمخالفتهم إجراءات الحظر .

وهنا يبرز السؤال اذا ما العمل ؟ هل نترك الوباء ينتشر ويهدد حياة مئات الآلاف من البشر مقابل أن ينجو  الاقتصاد كما هي الدعوات اليوم في الولايات المتحدة ، أم نستسلم لنظرية بوريس جونسون ” مناعة القطيع ” ونخالف قيمنا وأخلاقنا وعقائدنا ونترك كبار السن و الضعفاء للموت بينما ينجو الأقوياء والإصحاء .

ليس مطلوبا أن نسلم برؤية الرأسمالية المتوحشة تلك ، وطمع الشركات الكبرى .  إيجاد توازن بين إجراءات مكافحة انتشار الوباء وبين حاجة الناس لكسب العيش واستمرار الحياة الطبيعية هو الشكل المثالي لعلاج هذه الأزمة ، خاصة إذا ما طال أمدها.

 فرض ومراقبة  القيام بالتعقيم والنظافة على كافة الأماكن العامة  ومنع الازدحام وإجراءات الوقاية الشخصية قد تكون ناجعة وكافية .  رأينا أمس كيف نظم أحد مساجد إندونيسيا صلاة الجمعة عبر إجراءات وخطوات مثيرة للإعجاب يقف فيها المصلون بعد عملية تعقيم وفحص للوافدين إلى المسجد على مسافة متر من بعضهم وفق  إشارات وضعت على الأرض لهم للصلاة ، هذا قد يكون نموذجا لتنظيم الحياة الطبيعية بدلا من شلها كليا دون أي افق أو تصور للنهاية .

 الاهم توقف الإعلام العربي عن وظيفته الحالية كعداد للموت وصفحة وفيات وناشر للرعب، والدعاية السياسية على ظهر الوباء .   وبدل من ذلك الالتفات للتوعية والتعريف بالوقاية الذاتية هذا أفضل . قد لا يتقبل الكثيرون هذا الكلام أو لا يقنع الكثيرين الآن ، ولكن أكاد أجزم أن هذا هو بالضبط الخيار الوحيد أمامنا اذا ما طالت الأزمة وامتد عمر الوباء . وإلا ستكون النتائج كارثية والله أعلم .

رأي اليوم – كمال خلف