تكويعة” دولية تجاه سوريا: المتغيّرات سريعة وطريق دمشق ستزدحم…

0
25

 

عباس ضاهر

لم تكن سوريا لتسلّم سلاحها الكيميائي، لولا الضمانة الروسية آنذاك بأن “الدولة السورية خط أحمر”. التزمت موسكو بدمشق ودافعت عنها منذ بداية الازمة، لكن تصريحات المسؤولين الروس كانت تتجنب تسمية الرئيس السوري بشار الأسد بالإسم. كانوا يشددون على الحل السلمي وحق السوريين بأن يقرروا مصيرهم ويحددوا سياساتهم وقيادتهم.

في اول هجوم دولي عنيف على سوريا وتحضير مشروع غربي-عربي لادانتها في مجلس الأمن عام 2012، لم تكن دمشق واثقة بشكل قاطع ان الروس سيفرضون “الفيتو” لإجهاض اي مشروع يستهدف “سوريا الدولة”. كانت الخشية من تكرار ما حصل إزاء ليبيا. كان التنسيق قائما بين دمشق وموسكو، لكن السوريين استعدوا لكل الاحتمالات بعدما لمسوا حجم الرشوة المالية التي تقدمها دول خليجية لقاء ضرب “النظام السوري”.

جهوزية سياسية وعسكرية سورية رُصدت بأعلى درجاتها ما بين شهري آب وايلول عام 2013 نتيجة تهديد بضرب أميركي لسوريا. كانت دمشق تعتمد على نفسها بالدرجة الاولى لا على الحليف الروسي.

تلك المحطات تشير الى ان الاندفاعة الروسية نحو سوريا حصلت في الأشهر الماضية فقط، رغم الالتزام الروسي بالحلف التاريخي مع دمشق. لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مدافعا شرسا عن الرئيس السوري بشار الاسد الا منذ اشهر قليلة مضت.

فما هو سبب الاندفاع؟

لعب الصمود السوري دوره الاساسي. رغم طبيعة الحرب على سوريا ودور الداعمين والممولين والتحالفات ضدها وشن الحرب النفسية والإغراءات المادية والعناوين الطائفية، لم يتراجع الأسد قيد أنملة. هذه حقيقة يرويها أعداء الاسد قبل حلفائه. طبيعة شخصه وميزاته أبقت التماسك موجودا لدى نظامه. توالت الانشقاقات في فترة 2012-2013 لكن الاسد بقي متماسكًا الى أبعد الحدود.

مسؤولون روس قالوا في جلسات سياسية: لو كانت شخصية الرئيس في أوكرانيا تشبه نسبياً شخصية الاسد، لما حقق الغرب أهدافه في تلك الدولة على حساب الروس. هنا يعترف الروس بقوة الاسد كقائد وسياسي محنّك لم تتعبه المحن.

عندما تأكد الروس ان الارهاب “الداعشي” يوسع نشاطاته وعلى وشك تهديد القوقاز، تم اتخاذ القرار بضرب الارهاب في سوريا قبل ان يمتد ويوطّن مجموعاته.

عامل إضافي فرض على الروس التدخل عمليا لدعم دمشق، هو المراوحة السورية بدوامة الحرب والدفاع. كان من المفترض ان يتم الحسم العسكري بمناطق عدة بما فيها الزبداني. لكن طال الانتظار. لا يعني الامر تقصيرا او ضعفا عند السوريين او “المقاومة”، لكن طبيعة الصراع ونوعية السلاح المستخدم والظروف التي تحيط بسوريا جميعها فرضت التدخل الروسي للبت.

حصل توافق عند الفريقين الأساسيين حلفاء دمشق: طهران وموسكو. تم التعاون والتنسيق وتوزيع الأدوار العسكرية والسياسية بينهما وتوسيع التحالف ليضم بغداد. دمشق تلعب دور الربط بين الأطراف المذكورة.

لكن أسئلة برزت عن حدود هذا “التحالف الرباعي”؟ الى اي مدى يتقدم الروس؟ هل سياسة سوريا ستتأثر لاحقا بالروس او الإيرانيين او تتكامل بينهما من دون اي تعارض؟

صحيح ان ما تم طرحه إيرانيا عن “دستور سوريا” المستقبلي طُويت صفحاته بفعل انحياز سوريا للدولة المدنية وليس الصيغة الطائفية. لكن أسئلة  تدور بشكل أساسي حول الجولان. يسوّق الإسرائيليون في صحافتهم كلاما عن ضمانة روسية أعطاها بوتين لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو خلال زيارته الاخيرة بأن يحصل اتفاق حول تلك المنطقة. من هنا جاءت “التكويعة” الدولية تجاه سوريا. صار الاسد مطلبا ووسيلة ضرورية لمحاربة الارهاب.

تتحدث صحافة اسرائيلية عن تضارب حاصل بين حسابات الروس والإيرانيين حول الجولان: “ايران تريد الجبهة ساخنة ضد الاحتلال وروسيا تسعى لرعاية تسوية سلمية بين السوريين والإسرائيليين”.

بالطبع لن يمضي الرئيس السوري بأي تسوية من دون تحقيق مكاسب داخلية وإقليمية اولا، وموافقة شعبية ومباركة حلفائه وفي طليعتهم طهران، ما يعني ان الإسرائيليين قد يلجأون للانسحاب الأحادي كما حصل في جنوب لبنان عام 2000.

الجبهة الجنوبية السورية تبدو محور اهتمام دولي وعنوان المرحلة المقبلة. إسرائيل رغم عدوانيتها ستكون محكومة بقواعد لعبة روسية. والأردن بدأ يرسم معالم المرحلة الجديدة. رئيس هيئة الأركان في الجيش الأردني ارسل برقية معايدة لنظيره السوري. الخطوة لم تحصل منذ عام 2010. لا تتم تلك الخطوة من دون علم الملك عبدالله بالتأكيد، ما يعني أيضاً التوجه في عمان لطي صفحة التوتر و”التآمر” الاردني على دمشق.

التطورات السورية لن تقف عند حدود الشام. المنطقة برمتها مهيأة للمتغيرات. من هنا يأتي الاهتمام الدولي برئيس “تيار المردة” في لبنان سليمان فرنجية. حظوظه ارتفعت في شأن ترشحه للرئاسة.

المتغيّرات سريعة جداً. وطريق دمشق ستزدحم. هذا ما يبدو. هي العاصمة المركزية لمحاربة الارهاب. شركات بدأت تضغط على عواصمها لفرض استثمارات ما بعد الحرب في سوريا.

كل المؤشرات توحي بالسرعة في التنفيذ. لن ننتظر كثيرا.