تفاصيل التدخلات الترکية من وراء الكواليس في سورية

0
42

أنقرة|

قام رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان منذ فترة باستدعاء حافظ أسراره وأسرار الدولة -ذلك الرجل المتواضع قليل الكلام – السيد “خاقان فيدان” رئيس جهاز الاستخبارات التركي (الصندوق الأسود لأردوغان)، وأصدر إليه أمراً بتوفير كافة أنواع الإمكانات اللازمة لنقل معارضي الحكومة السورية المسلحين (من يُسمون بالمسلحين “المعتدلين”) من النقاط الحدودية التركية إلى الأراضي السورية.

لقد سعت تركيا خلال العامين الماضيين إلى خلق منطقة آمنة شمال الدولة السورية، (تشبه ما حدث لمنطقة كردستان العراق منذ عام 1991 وحتى عام 2003)، وقد بذلت الكثير من الجهد لإنجاز هذه الخطوة بدعم من المتحدة والدول الأروبية، وقد أُرسل إلى محافظة “حلب” مئات الأشخاص من القوات التي تم تدريبها في معسكر يقع بالقرب من مدينة “غازي عنتاب” تحت إشراف مدربين أميركان وبنفقات هائلة من جانب المملكة العربية السعودية، وكان ذلك بتعليمات من أردوغان وبهدف إخراج هذه المحافظة من سيطرة الدولة السورية بشكل كامل. لقد دخلت هذه القوات إلى المدينة الحدودية “يايلاداغي” عن طريق محافظة “هاتاي”، ثم دخلت تدريجياً من هناك إلى محافظة “حلب” السورية.

كما نشرت كذلك وسائل الإعلام الغربية والتركية خلال الأسابيع الأخيرة الكثير من الأخبار حول نشر قوات عسكرية تركية على الحدود الجنوبية لهذا البلد وبالقرب من الحدود الشمالية لسوريا. الأن يمكن القول أن: مسار الأحداث في الأسابيع القليلة الماضية كانت على نحو عبرت معها كافة الأمور من مرحلة الاحتمالات ووصلت إلى مرحلة اليقين. ووفقاً لآخر الأخبار فإن تركيا في ظل الظروف الحالية للمنطقة تنوي شن هجوم على سوريا دون الحصول على تصريح شكلي من جانب القوى الدولية، وذلك حتى تستطيع من خلال خلق منطقة آمنة؛ تنظيم وتدريب أعداد أكبر من الإرهابيين في تلك المنطقة وقيادتهم لإسقاط بشار الأسد.

لقد بات واضحاً أن أي عمل عسكري لتركيا ضد سوريا يستلزم بالضرورة تعاوناً ودعماً واسع النطاق لأنقرة من جانب الجماعات المعارضة لدمشق. وفي هذا السياق يجب القول إن تركيا لا تستطيع التأكد من إخلاص المعارضة السورية لها من جانب، ومن جانب آخر فإنه في حالة دعم هذه الجماعات لتركيا، فسوف يتم تشويه وجه تركيا لدى الرأي العام العالمي إلى حد كبير، ففي حالة دعم أنقرة للإرهابيين في سوريا، سوف ينظر الرأي العام العالمي إلى تركيا على أنها دولة إرهابية. لقد أصدرت صحيفة “هافنغتون بست” الأميركية تقريراً بتاريخ 12 أبريل يفيد بأن الأتراك والسعوديين يجرون في الوقت الراهن مباحثات رفيعة المستوى من أجل الاتفاق على تشكيل تحالف عسكري يهدف إلى الإطاحة ببشار الأسد من السلطة.

من ناحية أخرى فإن “جورسيل تكين” الأمين العام لحزب الشعب الجمهوري؛ أكبر الأحزاب المعارضة في تركيا كان قد كشف في وقت سابق عن خطة الجيش التركي للقيام بعمليات عسكرية على الأراضي السورية ونقل ضريح السلطان سليمان، وذلك من خلال نشر تسجيل صوتي لـ “خاقان فيدان” رئيس جهاز الاستخبارات التركي (ميت).

وفي هذا السیاق أعلنت وكالة الأنباء “رويترز” منذ فترة عن نشر صحيفة “جمهوريت” فيلم يفيد بإرسال أسلحة إلى أجزاء من سوريا. يظهر هذا الفيلم قوات الدرك وضباط الشرطة وهم يفتحون صناديق تحتوي على أسلحة وذخيرة داخل ثلاث شاحنات تابعة لجهاز الإستخبارات التركي. وفي هذا السياق، صرح “رجب طيب أردوغان” رئيس الجمهورية التركية في حوار تلفزيوني له مع قناة (تي أر تي) الإخبارية، قائلاً: “إن الشخص الذي قام بنشر هذا الفيديو سوف يدفع ثمناً غالياً بكل تأكيد، ولن أدعه يفلت من العقاب”.

وكتب “جان دوندار” رئيس تحرير صحيفة “جمهوريت” على تويتر تعليقاً على تصريحات أردوغان، قائلاً: إننا صحفيون ولسنا خداماً للحكومة. وليس من واجبنا إخفاء الأسرار القذرة للحكومة والمخابرات التركية (ميت). في نفس الإطار، نشرت “دويتشه فيله” أيضاً خبر نشر وثائق حكومية سرية تفيد بتوقيف شاحنات تابعة لجهاز الاستخبارات والأمن التركي (ميت) تحمل أسلحة وذخيرة إلى الجماعات المتطرفة المعارضة للحكومة السورية، عن طريق “حسين عوني جوش” محافظ “أضنة”.

كما جاء أيضاً في تقرير قوات الدرك في محافظة أضنة أن “حسين عوني جوش” لم يكن يسمح بعملية التفتيش وقد بين أن الشاحنات المذكورة قد أرسلت بتعليمات من “رجب طيب أردوغان” رئيس الوزراء في ذلك الوقت، وأنه غير مسموح له بتفتيشها.

لم تنته الوثائق التي تفيد دعم تركيا للإرهابيين في سوريا وتدخلات هذا البلد في الشأن السوري عند ذلك الحد، حتى أن “داوود أوغلو” رئيس الوزراء التركي كان قد أعرب عن قلقه الشديد إزاء النتائج التي أسفرت عنها السياسات الخارجية لهذا البلد، وكان ذلك في إحدى اجتماعات اللجنة السياسية الأمنية التركية والتي كانت قد عقدت بمشاركة جميع الأعضاء، وفق ما صرح به أحد أعضاء هذه اللجنة. لقد أعرب “داوود أوغلو” في هذا الاجتماع عن حزنه لما آلت إليه الأزمة في سوريا وصرح قائلاً: “بالتأكيد أن معرفتنا بسوريا قد اقترنت بالضعف والقصور، وإن لم يتغير المصير القادم لها، فعلينا الاعتراف بأن تركيا على الرغم من التكاليف الباهظة التي تحملتها بتدخلها في الأزمة السورية، فهي لاتزال لم تصل إلى أهدافها بعد، ويجب أن تعتبر نفسها ضمن الخاسرين في هذه المعركة”.

واعترف “جو بايدن” نائب الرئيس الأمريكي أيضاً فيما قبل – في خطاب كان له صدى واسع وأُجبر بسببه على الاعتذار ثلاث مرات- أن تركيا كحليف لأمریكا في الشرق الأوسط قد ساعدت في تشكيل الجماعات الإرهابية من أجل تغيير النظام في سوريا.

ساهمت تركيا كذلك بمساعدات مالية ضخمة من أجل اسقاط الحكومة السورية، ويمكن تلخيص الأعمال التي قامت بها في عدة نقاط على النحو التالي:

1بيع النفط الخام عن طريق مدينتي “بطمان” و”غازي عنتاب” الواقعتين في جنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا إلى شركات مثل “كايالار” و”بيلعنلار” و”دوغولو” و”بارنتلي”، والذي يحقق عائداً يبلغ مليون دولار يومياً لصالح الإرهابيين، وذلك من خلال أشخاص مثل “حسن ايكينتشي” و”مهمت بارتينلي” و”عثمان كايا” و”حيدر كاليسلار”.

2بيع الأثار السورية القديمة عن طريق الأراضي التركية والذي حقق عائداً وصل إلى سبع مليارات دولار حتى الأن.

3بيع أعضاء القتلى من الإرهابيين والمواطنين والمعارضين إلى تجار أروبيين عن طريق تركيا.

4عقد صفقات ضخمة مقابل تحرير الرهائن والأسرى في الأراضي التركية.

5بيع النساء غير المسلمات على أرض هذا البلد.

6مركز بيع المخطوطات والكتب القديمة المسروقة من سوريا والعراق.

7بيع المعلومات التي يتم الحصول عليها من سوريا والعراق إلى أجهزة الاستخبارات في هذا البلد.

8المساعدات المالية واللوجستية التي قدمها جهاز الاستخبارات التركي لـ “داعش” أثناء احتلال “كوباني”.

9مساعدات من خلال مؤسسات خيرية وغير حكومية في ظاهرها؛ تابعة لحزب العدالة والتنمية التركي، وأبرزها مؤسسة “i.h.h”، والجدير بالذكر هنا أن مخازن ومكاتب هذه المؤسسة تمارس نشاطها في محافظة “هاتاي” التركية بشكل علني.

10تحقيق عائد سنوي يبلغ حوالي مليار دولار تحصل عليه جماعة “داعش” الإرهابية من خلال تهريب الهروين وفق ما أعلنه “فيكتور إيفانوف” رئيس الهيئة الفدرالية للرقابة على تداول المخدرات في روسيا.

من أكثر النتائج بديهية للتدخل التركي المتعدد الجوانب في سوريا ودعم هذا البلد للإرهابيين، هو تفعيل قدرة المعارضة لأردوغان والرأي العام التركي في الانتخابات الأخيرة، والتي سلبت منه فرصة تشكيل الحكومة، بل وأفصحت عن معارضتها بشكل علني وطالبت بإعادة النظر في السياسة الخارجية التركية. يمكن أن يمثل هذا الأمر إنذاراً بالخطر لأردوغان ومعاونيه فيما يخص دعمهم للإرهابيين في سوريا، حيث أنه لا يوجد إرهابي جيد وإرهابي سئ، وسيأتي اليوم الذي سينقلب فيه هذا الإرهابي عليهم.