تغيرات خطيرة قادمة في الشمال السوري

0
926

علاء حلبي

بدأت تركيا تنسحب بشكل تدريجي من ثلاث نقاط رئيسية في ريفي حماه وإدلب: مورك؛ شير مغار؛ تل طوقان، بالإضافة إلى نقطة رابعة هي نقطة الشيخ عقيل في ريف حلب، وأيضاً من نقاط أخرى تقع في مناطق سيطرة الجيش السوري، الأمر الذي كان له وقع كبير على الفصائل المسلحة التي رأت في هذا الانسحاب تدميراً كاملاً لما تبقى من حلم العودة مرة أخرى إلى تلك المناطق، خصوصاً أن تركيا كانت شددت أكثر من مرة في السابق على نيتها البقاء في نقاط المراقبة تلك.

الانسحاب التركي يتزامن مع سلسلة جديدة من التحركات الاستخباراتية داخل إدلب، حيث تتابع “هيئة تحرير الشام” تنفيذ الأوامر التركية بتضييق الخناق على الفصائل الجهادية التي تعارض الاتفاقات الروسية – التركية حول إدلب وريفها (سوتشي 2018، والبروتوكول الملحق في شهر آذار/مارس الماضي)، والتي تنص على فتح الطريق الرئيسي الذي يصل حلب بدمشق واللاذقية، حيث تم فتح طريق حلب – دمشق (M5)، فيما بقي طريق حلب – اللاذقية (M4) مغلقاً حتى الآن.

وتسيطر الفصائل المسلحة على جيب صغير جنوب طريق M4 الأمر الذي يعيق فتح الطريق خصوصاً أن تركيا لم تقم بأية إجراءات فعلية على الأرض تجبر الفصائل على فتح الطريق، بالإضافة إلى دخول لاعبين جدد على الساحة أبرزهم تنظيم “حراس الدين” التابع لـ”القاعدة” والذي تعمل “هيئة تحرير الشام” على تفكيك ما تبقى منه.

ويمهد الانسحاب التركي من نقاط المراقبة لفتح طريق “M4″، خصوصاً أن هذا الإجراء جاء كمقدمة لإجراءات لاحقة تقضي بتفريغ الجيب الذي تسيطر عليه الفصائل المسلحة جنوب الطريق من المسلحين وفتحه تحت إشراف روسي، حيث وافقت تركيا على تنفيذ عمل عسكري في حال رفضت الفصائل المسلحة الانسحاب من هذا الجيب أو أعاقت فتح الطريق، وفق تسريبات عدة.

في موازاة الانسحاب التركي من هذه النقاط، تابعت أنقرة تحصين مواقعها في مناطق في جبل الزاوية، حيث أنشأت في شهر أيار/مايو الماضي نقطة مراقبة على تل النبي أيوب الذي يمثل أعلى نقطة في المنطقة، بالإضافة إلى نقطة أخرى أنشأتها قبل نحو شهرين قرب قرية بليون تطل على سهل الغاب، وذلك في إطار المساعي التركية لتحصين خريطة السيطرة وضمان عدم تنفيذ الجيش السوري أية عمليات عسكرية في المنطقة.

انكماش تركي.. أم توسع؟

بالنظر إلى النقاط التي انسحبت منها تركيا، والتي تقع في مناطق سيطرة الجيش السوري، فإن الوجود العسكري التركي لم يكن مجدياً، في ظل استحالة شن هجمات عسكرية كبيرة على مواقع الجيش السوري من جهة، والتظاهرات الرافضة للوجود التركي التي شهدتها تلك المناطق من قبل الأهالي خلال الفترة الماضية، والتي وصل بعضها إلى حدود النقاط التركية من جهة أخرى، ما يعني فعلياً أن تركيا تخلصت بانسحابها هذا من “أوراق محروقة” لا جدوى منها، مقابل تحصيل مكاسب على جبهات أخرى.

في هذا الوقت، تبقى الأنظار مصوبة نحو مدينتي منبج وتل رفعت التي تطالب أنقرة بدخولهما بشكل مستمر. ثمة سيناريو آخر يحاك قرب الشريط الحدودي التركي السوري في محافظة الحسكة، على مقربة من الحدود العراقية، في ظل انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية من جهة، وتعثّر الجهود الروسية لتحقيق تقارب بين الأكراد ودمشق من جهة ثانية، الأمر الذي يوفر لأنقرة ميادين قتال سهلة وغير متكافئة.

المناطق التي تستعد تركيا لاستهدافها، وفق مصادر ميدانية وأخرى كردية، قد تشمل كلا من الدرباسية وعامودا والمالكية، حيث لا توجد في هذه المناطق أية قواعد أميركية، كما أنها تقع على مقربة من الحدود التركية ما يعني أن اختراقها لا يحتاج إلى جهود عسكرية كبيرة، إضافة إلى أن السيطرة على المالكية تقطع الطريق بشكل كبير أمام حركة تنقّل الأكراد بين سوريا والعراق، كما أن عامودا تحتضن مقر قيادة “الإدارة الذاتية” التي يقودها الأكراد، ما يعني في حال اختراقها توجيه ضربة قوية للمشروع الكردي في عقر داره.

برغم التطمينات التي قدمتها الولايات المتحدة للأكراد بعدم حدوث أي هجوم تركي جديد، تشير المعطيات الميدانية إلى ازدياد التوجه الأميركي نحو الانكماش في المناطق النفطية، ودعم تشكيلات عربية كردية مشتركة لحماية المصالح النفطية وعدم الاعتماد بشكل كلّي على “قسد”

وشهد الشريط الحدودي السوري – التركي في الشمال الشرقي من سوريا حركة جوية تركية نشطة خلال الأيام الماضية، تخللها إغارة مسيّرة تركية على سيارة كانت تضم قيادياً كردياً، قرب المالكية.

وبالرغم من التطمينات التي قدمتها الولايات المتحدة الأميركية للأكراد بعدم حدوث أي هجوم تركي جديد، وفق اتفاق الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس في أنقرة العام 2019، تشير المعطيات الميدانية إلى ازدياد التوجه الأميركي نحو الانكماش في المناطق النفطية، ودعم تشكيلات عربية كردية مشتركة لحماية المصالح النفطية، وعدم الاعتماد بشكل كلّي على “قسد”.

ولم تخف تركيا غضبها من محاولات التقارب بين الأحزاب الكردية المعارضة لأنقرة (الاتحاد الديمقراطي الذي يقود الإدارة الذاتية) وتلك التابعة لها (المجلس الوطني الكردي) بدعم أميركي ـ فرنسي، والتي ما زالت تحاول خطو خطواتها الأولى نحو توحيد الرؤية السياسية لهذه الأحزاب، ما يشكل حافزاً إضافياً لتركيا لضرب “الإدارة الذاتية” الكردية في عقر دارها وضمان استمرار الشقاق بين هذه الأحزاب.

وتستند تركيا إلى اتفاقية أضنة الموقعة بينها وبين الحكومة السورية العام 1998 والتي تقول أنقرة إنها تخولها الدخول بعمق 30 كيلومتراً داخل الأراضي السورية قرب الشريط الحدودي للقضاء على “الإرهاب” (تصنف تركيا حزب الاتحاد الديموقراطي حزباً إرهابياً وتقول إنّه تابع لحزب العمال الكردستاني)، حيث تمكنت روسيا من منع التوغل التركي داخل الأراضي السورية في ريف الحسكة عن طريق الاتفاقية الموقعة في العام 2019 بعد أسبوعين من تنفيذ تركية عملية عسكرية ضد الأكراد (نبع السلام) حيث تعهدت روسيا بتسيير دوريات مشتركة مع تركيا تضمن عدم وجود أي مقاتلين تابعين لـ”قسد” قرب الشريط الحدودي.

وساهم التعنت الكردي خلال الفترة الماضية في تأزيم موقفهم خصوصاً أن الولايات المتحدة تصر على التمركز في المواقع النفطية في ظل انشغالها بالانتخابات الرئاسية، بالإضافة إلى رفع حدة التصريحات الكردية ضد موسكو، وإعاقة تحركاتها الميدانية على الأرض، ومنها مضايقة القوات الروسية التي حاولت أكثر من أربع مرات إقامة نقطة ثابتة لها في منطقة عين ديوار قرب مدينة المالكية، تطل على معبر سيمالكا بين سوريا وكردستان العراق، الأمر الذي أثار حفيظة قيادات كردية عملت على إفشال المحاولة الروسية. كما شهدت مناطق سيطرة الأكراد استفزازات عدة للوجود الروسي، الأمر الذي دفع موسكو إلى عقد اجتماع مع الأكراد لوضع حد لهذه الاستفزازات، حيث سربت وسائل إعلام سورية معارضة معلومات مفادها أن روسيا هددت الأكراد بشكل مباشر بالانسحاب من مناطق عدة قريبة من نقاط التماس مع القوات التركية وتركهم يواجهون أنقرة بمفردهم.

يشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هدد مطلع الشهر الحالي بأنّ بلاده “ستُطهر أوكار الإرهاب في سوريا بنفسها، إن لم يتم الوفاء بالوعود المقدمة لها”، في إشارة إلى الاتفاقية الموقعة مع روسيا.

180 بوست