بوتين رسم لأميركا خطاً على الرمل

0
47

يمكن تقسيم الحرب السورية إلى قسمين: فترة ما قبل إنجرليك و فترة ما بعد إنجرليك . الفترة الأولى هي السنوات الأربع التي قامت خلالها الميليشيات الإسلامية و المجموعات المرتبطة بالقاعدة، و المدعومة من الولايات المتحدة، بمحاربة الجيش السوري بهدف إبعاد الرئيس بشار الأسد عن السلطة، و قد انتهت هذه المرحلة  من الحرب بالتعادل.

و يبدو و كأن مرحلة ما بعد إنجرليك قادرة على  الوصول إلى نتائج مختلفة لأن الولايات المتحدة ستتمكن من نشر طائراتها التي بلا ربان و الطائرات الحربية من القاعدة الجوية التركية إنجرليك  التي تبعد خمس عشرة دقيقة طيران عن سوريه، و هذا سيزيد عدد الهجمات التي يمكن أن تقوم بها القوة الجوية الأميركية مع تعزيز فاعلية قواتها الجهادية على الأرض، و التي ستقود عملياتها تحت حماية الغطاء الجوي الأميركي، ما يدعم فرصهم في النجاح بشكل كبير.

وصفت صحيفة نيويورك تايمز اتفاقية إنجرليك بأنها “مبدل اللعبة” و هو وصف غير دقيق، فبالسماح لطائرات ف 16 الأميركية بالتحليق في سماء سوريه، ستفرض واشنطن واقعيا منطقة حظر جوي فوق سورية، و ستحد بشكل كبير من قدرة الأسد على محاربة الميليشيات المدعومة من الولايات المتحدة و التي استولت على جزء كبير من الريف و تتوجه الآن إلى دمشق. و بينما لا يمكن الانتصار في الحرب عن طريق القوة الجوية وحدها، فان هذه الحقيقة التكتيكية الجديدة سترجح الأمور لصالح الجهاديين، بكلمة أخرى، اتفاق إنجرليك يغير كل شيء.

و الآن تؤمن إدارة أوباما أن تغيير النظام أضحى في متناول اليد. نعم ، إنهم يعلمون أن الأمر يحتاج بعض الدعم من القوات الخاصة الأميركية و الجنود المقاتلين الأتراك، و كل هذا ممكن تحقيقه. و لهذا استخف أوباما بالخطة الروسية المتعلقة بحكومة انتقالية أو تشكيل ائتلاف  لهزيمة داعش. فالولايات المتحدة ليست مضطرة للتسوية على هذه المسائل لأنها، في نهاية المطاف، تملك قاعدة جوية ذات موقع استراتيجي تمكنها من حماية جيشها الوكيل، و قصف أهداف عبر الحدود و السيطرة على السماء فوق سوريه. و كل ما يحتاجه أوباما هو تكثيف جهود الحرب، و وضع المزيد من الضغط على الأسد و انتظار انهيار النظام. و لهذا علينا توقع تصعيد دراماتيكي مع بدء المرحلة الثانية من الصراع.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم هذا ، لذا يرسل المزيد من الأسلحة و التجهيزات و المستشارين إلى سوريه. انه يومئ إلى واشنطن أنه يعلم ما الذي يجهزون له و سيقوم بالرد إذا مضوا بالأمور إلى حد بعيد.و في مقابلة مع القناة الحكومية الروسية الأولى ، قال بوتين : “نملك أفكارنا حول ما الذي سنقوم به و كيف سنقوم به في حال تطور الوضع نحو استخدام القوة أو طرق أخرى..لدينا خططنا”.

الإدارة الأميركية قلقة جدا بشأن خطط بوتين ، و لهذا يستمرون بالتقصي لتحديد ما يخبؤه في كمه. و منذ أيام فقط، اتصل وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظيره الروسي سيرجيه لافروف للتعبير عن القلق بشأن التعزيز الوشيك للقوة العسكرية الروسية في سوريه، و كان الاتصال محاولة خرقاء للتحايل على لافروف و دفعه لتقديم معلومات قد تلقي الضوء على نوايا موسكو في حال مضت واشنطن قدما في إستراتيجيتها المتعلقة بتغيير النظام، غير أن وزير الخارجية الروسي لم يلتقط الطعم، و التزم بالسيناريو و لم يخبر كيري أي شيء لم يكن يعرفه من قبل.

و لكن الحقيقة هي أن بوتين لن يسمح بإبعاد الأسد بالقوة، الأمر بهذه البساطة. أوباما و مستشاروه يظنون ذلك و لكنهم ليسوا واثقون مائة بالمائة ، لذا يبحثون عن تأكيد بطريقة أو بأخرى. و لكن بوتين لن يمنحهم إجابة واضحة لأنه لا يريد كشف أوراقه ولا أن يبدو عدائيا. و لكن هذا لا يعني أنه غير موطد العزم، بل هو كذلك، و واشنطن تعلم هذا. و في الواقع، بوتين رسم خطا على الرمل و أخبر الولايات المتحدة أنها إن تجاوزته ستكون في مأزق.

إذن الأمر يعود لأوباما، فإما أن يسعى نحو حل سلمي بموازاة الخطوط التي أوصت بها موسكو، أو يدفع نحو تغيير النظام و يعرض نفسه لخطر المواجهة مع روسيا. هذان هما الخياران.

لسوء الحظ، لا تملك واشنطن “مفتاحا لإيقاف التشغيل” ، لذا تغيير السياسة ليس ضمن أوراق اللعب. و عوضا عن ذلك، آلة الحرب الأميركية ستستمر بالتحرك قدما على نحو شاذ حتى ترتطم بعائق أو تتوقف مترنحة. و ثانية الشيء الثابت سوف يغلب القوة غير القابلة للتوقف  (كما حدث في أوكرانيا)، رغم الثمن الكبير الذي سيدفعه الشعب السوري المبتلى و وطنه  و كل المنطقة.

و يجب أن نتذكر دائما أن الخطة الرهيبة من أجل سوريه أكثر خبثا مما يعلمه الكثير من الناس. و كما كتب مايكل ي. وهانلون ، من مؤسسة بروكينغز للأبحاث، و تحت عنوان : ” تفكيك سوريه: خطة جديدة من أجل أكثر حرب أميركية ميئوس منها ” :

“الخطة…لا تسعى علنا لإسقاطه (الأسد)، بقدر ما تسعى إلى منعه من السيطرة على أراض ربما لا يزال يطمح بحكمها ثانية. المناطق ذات الحكم الذاتي سوف تتحرر مع فهم واضح بأنها لن تعود لحكم الأسد أو خلفه. في أي حال، الأسد لن يكون هدفا عسكريا وفقا لهذا المفهوم، بل المناطق التي يسيطر عليها حاليا.. و إذا تأخر الأسد في قبول اتفاق من أجل الرحيل، فسوف يواجه بشكل محتوم خطرا يتهدد حكمه و حتى شخصه”..

هذه هي الخطة الأساسية: الاستيلاء على المدن الرئيسية و أجزاء كبيرة من الريف، تعطيل خطوط الإمداد و تدمير البنى التحتية المدنية، و بالتدريج تقويض قدرة الأسد على حكم الدولة. و الهدف النهائي هو تحويل الدولة إلى ملايين المقاطعات المنفصلة المحكومة من قبل مرتزقة مسلحين و مجموعات مرتبطة بالقاعدة و أمراء حرب محليين. هذه هي خطة واشنطن الشيطانية من أجل سوريه. إنها تشبهه بشكل مذهل الخطة الصهيونية الرامية لتقسيم كل المنطقة إلى دول صغيرة عن طريق تدمير كل الدول العربية الموجودة، و في الواقع تبدو الخطتان متطابقتين.

من الواضح أن اتفاق إنجرليك شجع أوباما و دفعه للاعتقاد أنه ، بمساعدة تركيا، يمكنه تحقيق الطموحات الإمبريالية الأميركية في سوريه. و لكن هذا لن يحدث، فروسيا و إيران و حزب الله مستعدون للدفاع عن حليفهم الأسد و إيقاف واشنطن. ربما نجح أوباما في تدمير دولة أخرى ذات سيادة و تشتيت شعبها عبر الشرق الأوسط و أوروبا، و لكن مهمة الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن تحقيق الأهداف الأصلية. لن يكون هناك تغيير للنظام في سوريه… و  بوتين و نصر الله و خامئني سيؤكدون ذلك.

مايك ويتني ـ ترجمة رنده القاسم:

*صحفي يعيش في واشنطن ، من المشاركين في كتاب “الميئوس منه : باراك أوباما و سياسات الوهم”

عن موقع Counterpunch