بؤر إقليمية تتبلور للصراع في الشمال السوري

0
40

 

تحرير منبج، الغموض في جرابلس، الترقب في الباب، الغارات الجوية السورية للمرة الأولى على الحسكة، وقوة «المارينز» الأميركية في بلدة المبروكة في غرب الحسكة، لـ «نزع الألغام»!

شيء ما يدور في الشمال السوري، وتحديدا في أقصى الشمال على طول الحدود التركية. واشنطن المتململة من الغارات الروسية لليوم الثالث على التوالي من قاعدة همدان الإيرانية على محافظة دير الزور، تحاول الإمساك بخيوط اللعبة في الشمال. الروسي المندفع بـ «عاصفة بوتين» نحو ترسيخ الطوق الحلبي وإفراغ اختراقات «جيش الفتح» من مفعولها في الجبهة الجنوبية للمدينة، يجد نفسه أمام منسوب «قلق» غربي وأممي متصاعد أمام مشهد حلب ودعوات الهدنة التي قد تبدأ قريبا، لمدة 48 ساعة أسبوعيا، من دون أن يعني ذلك صمت البنادق على الجبهة الحلبية بعد انقضائها، ذلك أن حسابات الصراع أصبحت أكبر من حلب وأهلها.

وقال مسؤولون أميركيون، بحسب ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس»، إن وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة، سيرغي لافروف وجون كيري، يخططان للقاء في جنيف في 26 من آب الحالي، للتباحث، ربما على مدى يومين، في الشأن السوري.

وحتى الآن، لم تتسق أقوال تركيا مع أفعالها. اللهجة الإيجابية نسبيا بشأن الملف السوري، والعمل مع موسكو وطهران، لم تترجم على أرض الميدان، ربما لأن حسابات أنقرة ما زالت في واقع الأمر، على رهاناتها، بجني المكاسب السورية عبر الجبهات، وخصوصا عبر فصائلها المسلحة في الشمال، مثلما يتردد الآن عن احتمال الهجوم على جرابلس لإخراج «داعش» منها، مثلما أخرج الأكراد، عبر «قوات سوريا الديموقراطية» المدعومة أميركيا، «داعش» من منبج قبل أيام، بالتزامن مع قمة سان بطرسبورغ بين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان.

والآن، يقول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: «نحن بحاجة إلى إجراء معركة واسعة النطاق ضد المنظمات الإرهابية العاملة في سوريا». يحدد الوزير التركي روسيا وإيران كشريكَين في الملف السوري.

يمضي جاويش أوغلو أبعد من ذلك، ويقول: «نحن على قناعة بأن روسيا وإيران تدعماننا في حماية أمن حدود الدولة السورية ووحدة أراضيها، كما إنني على ثقة بأنه بفضل تعاوننا يمكننا حل هذه المشكلة». يتابع الوزير التركي البِناءَ على أجواء سان بطرسبورغ منتقدا الغرب بشكل عام بالقول: «إن نهجه في ما يتعلق بروسيا العظمى غير معقول وغير واقعي، فمحاولات الترهيب وإذلال روسيا والتقليل من شأنها لن يمكن تحقيقها، والأمر نفسه ينطبق على تركيا».

تتابع أنقرة تطورات الشمال السوري بقلق. العامل الكردي يقض مضاجعها، لكنها في الوقت ذاته تتنصل من مسؤولياتها عن الكثير من الدم السوري وتلتزم بالإيحاء بثبات مواقفها من ضرورة خروج الرئيس بشار الأسد. التأكيد على جملة «أمن حدود الدولة السورية ووحدة أراضيها» أصبح لازمة يرددها المسؤولون الأتراك في الأيام الأخيرة. عوامل المعادلة التركية هذه، التي بدت عصية في السنوات الخمس الماضية، أصبحت الآن أكثر تعقيدا بعد الاقتحام الروسي للمشهد، خصوصا عبر «همدان» الإيرانية.

وفي هذه اللحظة الحساسة، أغارت طائرات حربية سورية على مواقع تابعة لقوات «الأسايش» الكردية في مدينة الحسكة، بعد نحو أسبوع على بدء التوتر الذي تطور إلى اشتباكات بين الأكراد من جهة، وقوات الجيش السوري وقوات «الدفاع الوطني» من جهة ثانية، الأمر الذي أنهى الاشتباكات وأدخل المدينة في حالة «هدنة» فرضتها القوة النارية.

ومن دمشق، كتب علاء حلبي:

استعمال الجيش السوري لسلاح الجو واستهداف مواقع للأكراد يعتبر سابقة في الحرب السورية، إلا أنه جاء بعد احتدام المعارك داخل مدينة الحسكة وبعد فشل التوصل إلى اتفاق تهدئة إثر اجتماع مطول عُقِد بين وفد عسكري قَدُم من دمشق وممثلين عن الأكراد في مدينة الحسكة. وبحسب مصدر مطلع، فإن الأكراد طالبوا خلال الاجتماع بحل «الدفاع الوطني» في مدينة الحسكة وتسليم حي النشوة كاملا لسلطة الأكراد، وهو ما اعتبره الوفد العسكري «مساسا بهيبة الدولة»، الأمر الذي أنهى الاجتماع من دون التوصل إلى اتفاق.

وبعد الاجتماع، عادت الاشتباكات من جديد، إلا أنها أخذت منحى آخر، حيث قامت قوات «الأسايش» باستهداف مواقع للجيش السوري بقذائف الهاون، كما قامت بقطع طرق عسكرية، ومحاولة عزل قوة للجيش السوري عن محيطها الخارجي، الأمر الذي رد عليه الجيش السوري بقصف مدفعي عنيف تبعته غارات جوية استهدفت ثلاثة مواقع تابعة للأكراد بينها معسكر تدريبي في رقية تل بيدر، قبل أن يسود الهدوء المدينة.

وقالت مصادر ميدانية لـ «السفير» إن سبب الاشتباكات يعود إلى مطالبة «الأسايش» بانسحاب قوات «الدفاع الوطني» من مقار لها في حي النشوة الشرقية وتسليمها للأكراد، وهو ما رفضه «الدفاع الوطني» المتشكل أساسا من شبان من مدينة الحسكة، ليتطور الأمر إلى اشتباكات ومحاولات سيطرة بالقوة.

وأدت الاشتباكات والقصف بحسب مصادر طبية في المدينة، إلى استشهاد 10 مدنيين، وأصيب آخرون بينهم إصابات خطيرة، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي وقعت في صفوف قوات «الدفاع الوطني» وقوات «الأسايش» والتي لم يتم الإفصاح عنها.

وفي وقت أكدت فيه مصادر كردية ورسمية سورية التوصل إلى اتفاق تهدئة، خرج الناطق الرسمي باسم «وحدات حماية الشعب» الكردية ريدور خليل ببيان يتهم فيه الجيش السوري بمحاولة «إفراغ انتصارات قوات سوريا الديموقراطية وتحرير منبج عبر هذه الاشتباكات»، نافيا «التوصل إلى اتفاق تهدئة»، وهو ما عبّر عنه مصدر كردي بأنه ناجم عن «خلافات كردية داخلية بين الشقين الانفصالي والآخر المتمسك بوحدة سوريا»، مشيراً إلى أن «هذا التصريح هو محاولة إلى إعادة إشعال فتيل المعارك في المدينة بعد أن ساد الهدوء».

من جهته، رأى عضو «مجلس سوريا الديموقراطي» أن «الإشكال في الحسكة ليس وليد اليوم، بل هو استمرار لإشكالات عدة سببها عدم ضبط سلوك قسم من الدفاع الوطني، فقسم من هؤلاء يفتعلون الإشكالات باستمرار للتغطية على سلوكهم»، وتابع: «نحن مع الحل السياسي ومع إنهاء معاناة الشعب السوري، نحن مع المحافظة على وحدة الأراضي السورية». وأضاف: «بخصوص كل من يتبجح بالتدخل ضد وحدات الحماية أو ضد الجيش السوري نقول له: توقف لا مكان لك بيننا».

بدوره، رأى المحلل العسكري والعميد المتقاعد هيثم حسون أن ما جرى هو «رسالة وجهها الجيش السوري للانفصاليين الأكراد بأن هيبة الدولة ووحدة سوريا خط أحمر»، معتبراً أن «الاتفاقات ـ التنازلات التي قدمتها القيادة السورية للأكراد في الحسكة في أوقات سابقة لم تأتِ نتيجة ضعف، وإنما جاءت كمحاولات لضبط المنطقة وإفساح المجال للقتال ضد الإرهاب».

 

«مارينز» في الحسكة

وبموازاة ذلك، وصل 45 عنصرا من مشاة البحرية في الجيش الأميركي إلى بلدة المبروكة في ريف الحسكة الغربي. وذكر مركز الرصد في «الإعلام الحربي» أن العناصر جاؤوا «بحجة العمل على نزع الألغام في المنطقة»، وأوضح أن «وحدات الحماية الكردية» نشرت مجموعة كبيرة من مسلحيها في محيط البلدة، خاصةً في محيط مقر مؤسسة الكهرباء الذي تتخذه القوة الأميركية مقراً لها.

 

جرابلس… «غموض»

نفت مصادر كردية ما تم تناقله عن انسحاب لمقاتلي «داعش» من جرابلس، المدينة الحدودية مع تركيا والقريبة من منبج، في حين قالت مصادر أهلية أن «بعض العائلات انتقلت من جرابلس إلى الباب بينها عائلات مقاتلين تابعين للتنظيم».

وأوضحت المصادر أن «قوات سوريا الديموقراطية (قسد) لم تتوصل إلى اتفاق مع التحالف الدولي لبدء حملة على مدينة جرابلس… الحملة الآن مركزة على مدينة الباب».

وأشار مصدر كردي أن «قسد عرضت فعلا بدء عمل عسكري نحو جرابلس، إلا أن واشنطن لم توافق على الطلب حتى الآن»، الأمر الذي يمكن تفسيره بإعطاء فرصة للفصائل المسلحة المدعومة تركيًّا والتي تمكنت من السيطرة على بلدة الراعي الحدودية أيضا مع تركيا، والتي قد تتحول إلى منطلق لشن عمليات تستهدف السيطرة على جرابلس.

 

هدنة حلب

أبدت روسيا، أمس، استعدادها لإعلان هدنة إنسانية أسبوعية لمدة 48 ساعة «اعتباراً من الأسبوع المقبل» في مدينة حلب لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وأشار المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف إلى قوافل المساعدات موضحا أنها تتعلق بالأحياء الشرقية في حلب الخاضعة لسيطرة المسلحين والقسم الغربي الخاضع لسيطرة الدولة السورية عبر استخدام طريقين مختلفين.

إحدى القوافل ستنطلق من مدينة غازي عنتاب التركية عبر طريق الكاستيلو وصولاً إلى القسم الشرقي من حلب، والثانية ستسلك الطريق شرق المدينة وصولاً إلى حندرات ثم طريق الكاستيلو لتبلغ الأحياء الغربية.

وانضم الاتحاد الأوروبي إلى الضغوط لتطبيق هدنة، وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني في بيان إن «الاتحاد يدعو إلى وقف فوري للقتال في حلب لإفساح المجال أمام إجلاء حالات طبية وإيصال المساعدات».

ورحب دي ميستورا بالقرار الروسي في بيان صدر عنه مساء أمس. وذكر البيان أن «الأمم المتحدة تعتمد على روسيا للقيام بدورها، لا سيما بجعل القوات السورية المسلحة تنضم إلى الهدنة ما إن يبدأ سريانها»، داعياً «كل الذين لديهم اتصال أو تأثير على المعارضة المسلحة، لا سيما الولايات المتحدة، إلى ضمان احترام المعارضة للهدنة الإنسانية من 48 ساعة».

وجاءت دعوات الهدنة في وقت استمرت الاشتباكات فيه بين ‏الجيش والمجموعات المسلحة على محاور قريتَي ‫‏القراصي و‫‏العمارة وتلة الصنوبرات في ريف ‏حلب الجنوبي، وسط قصف مدفعي يستهدف مواقع المقاتلين في المنطقة.

 

غارات روسية

 

ولليوم الثالث على التوالي، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أمس أن قاذفاتها شنت ضربات جوية على مواقع للتنظيمات الإرهابية في دير الزور انطلاقاً من قاعدة همدان الإيرانية، ومن قواعدها في الأراضي الروسية.