السفير: بأي ميزان تقيس روسيا الصفقات الممكنة في سوريا وغيرها

0
41

 

يرتفع الطلب على موسكو كثيرا هذه الأيام. تحمل لها واشنطن مقترحاتها بعدما صارت الند الوحيد في إدارة الملف السوري. الآخرون ينتظرون تفاهمات الغرف المغلقة، ليحصلوا على خريطة سير المرحلة المقبلة من دون أن يكونوا متيقنين لأي غرض وإلى أي وجهة نهائية. تركيا على وشك طي صفحة الخصومة، بعدما طلبت الصفح، متجهة إلى شراكة مع روسيا تؤرق خصوم النظام السوري. الرياض تفضح مخاوفها، فتعرض صفقة مقايضة على الكرملين. لكن طبيعة الصفقات الممكنة لا تزال غير واضحة، يقول استراتيجيون ومعنيون، ما دامت بوصلة روسيا تبقى العودة للعب دور قوى عظمى مقررة في العالم.

على هذا الأساس، تكمن مقاربة الصفقة التي يعرضها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير. لمس بالضبط عصب القضية حينما قال إن عرضهم يأتي من يقينهم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبحث عن موطئ قدم في الشرق الأوسط، يمكنه بطبيعة الحال زيادة رصيد روسيا في سعيها للعودة قوى عظمى وازنة. الدعم المالي والاستثماري، التعاون النفطي، مقابل التخلي عن الرئيس السوري بشار الأسد.

لكن مصادر أوروبية، متابعة لهذه النقاشات، ترى أنه من الضروري التأكد من العنوان الذي تبعث اليه الرياض هذه الرسالة. تقول المصادر إن المرسل إليه ليس موسكو بل «الحلفاء الغربيين في سوريا»، موضحة أن السياق كان دالاً على ذلك لأن «الرياض لا تحتاج لعرض الصفقة من بروكسل، كما أن عرضاً كهذا يمكن أن ينقل بالقنوات الديبلوماسية المفتوحة».

الصورة وفق تقديرات المصادر هي كالآتي: السعودية متضايقة بالفعل من إمكانية فرض اتفاقات، خصوصا روسية – أميركية، بما يقود إلى التطبيع مع النظام السوري، والحفاظ على الأسد، على أساس الشراكة في محاربة الإرهاب. المخاوف السعودية تحركها أيضا إمكانية ملاقاة تلك الاتفاقات بتأثير موسكو على الموقف التركي، بعدما أبدت أنقرة استعدادا لتسوية خلافاتهما في الملف السوري.

وفق ذلك، تقول المصادر إن عرض الجبير يأتي «لتحذير الحلفاء الغربيين من تهميش السعودية، الرسالة أنهم أيضا يمكنهم الانخراط مع روسيا والبحث عن شراكة معها لضمان مصالحهم». في هذا السياق، لم يتوقف الجبير عن تحذير الأوروبيين، وواشنطن ضمناً، من أن من راهنوا على إضعاف الرياض «خسروا تاريخيا»، مشددا على عدم إمكانية إزاحة الدور السعودي بعد استعراض «النجاحات» العديدة، برأيه، التي حققها خلال الشراكة مع الغرب.

وفق تلك القراءة، يأتي العرض السعودي من موقع ضعف لا قوة. تستشعر الرياض أن موسكو استطاعت بالفعل قلب المعادلة على الأرض، وهي تخشى من أن يجد الكرملين طريقة لفرض الأسد مجددا. ليست الوحيدة الحاملة لهذه الهواجس. حينما التقى وزير الخارجية الاميركي جون كيري نظراءه من الدول الأوروبية الأربع الأهم، حرص ثلاثة منهم على إصدار بيان موقف رغم أن الاجتماع يفترض لأصدقاء وحلفاء يتفقون على الجوهر.

إيطاليا نأت بنفسها، ليصدر وزراء فرنسا وبريطانيا وألمانيا بيانا يقول إنه «لا يمكن للأسد أن يشارك في انتخابات تحت الرقابة الدولية، وبالتالي عليه الرحيل عن طريقها»، قبل أن يعتبر أن هزيمة داعش «لن تكون ممكنة» إلا ضمن عملية انتقال سياسية توصل إلى تنحية الأسد مع «إعلان نهاية الحرب الأهلية». تلك الهواجس من طينة المخاوف السعودية، خصوصا أن توحيد الجهود خلف أولوية مكافحة الإرهاب هو أساس الشراكة التي يجري تصميمها، وفق الخطة الروسية – الأميركية التي تسربت بعض تفاصيلها مؤخرا.

الجلوس مع الأميركيين، لقيادة تحالف مؤثر يحارب إرهاب «داعش»، سيكون اعترافا سعت إليه روسيا طويلا بوصفها قوى عظمى لن تكون هناك حلول إذا تم تهميشها. إحدى الغضبات الروسية ثارت حينما قال كيري، في إطار نقاش الملف السوري، إن روسيا تلعب دور «قوى إقليمية»، قبل أن تصحح الخارجية الأميركية بالقول إنها كانت «زلة لسان».

الاستراتيجيون الروس لا يقولون غير ذلك، شارحين تفاصيل المحرك الأهم الذي يوجه السياسة الخارجية لبلادهم. للتأكد من ذلك يكفي الاستماع إلى سيرغي كاراغانوف. المحلل الاستراتيجي المخضرم قضى سنوات طويلة مستشارا لدى الحكومات الروسية السابقة، وهو الآن مستشار السياسة الخارجية لإدارة فلاديمير بوتين. يدير أيضا مجلس سياسات الدفاع والخارجية والاستراتيجية، وهي مؤسسة بحثية نافذة تطرح وتطور مفاهيم جيوسياسية استراتيجية حول مستقبل روسيا.

يمكن اقتطاف بضع فقرات تشرح عناوين مهمة، من مقابلة أجرتها معه مجلة «دير شبيغل» الألمانية. يقول عن الهدف الأساسي لتحركاتهم الخارجية «نريد الحصول على حالة لروسيا بوصفها قوة عظمى، نحن لا يمكننا التخلي عن ذلك، فخلال 300 سنة صارت هذه الحالة جزءا من التركيبة الجينية لدينا. نريد أن نكون القلب لأوراسيا الكبرى، كمنطقة للتعاون والسلام، وشبه القارة الأوروبية (أوروبا الغربية) ستكون متضمنة في هذه الأوراسيا».

يطرح كاراغانوف فهماً يعكس عناوين تحدث عنها بوتين علنا. بالنسبة لروسيا، لا أمل في تبوّء موقع القوى العظمى سوى بالاعتماد على قوتها العسكرية الهائلة. حينما طرح بوتين الأسس التي يمكن أن تجعل من روسيا دولة عظمى، أقرّ بمشاكل اقتصاد بلاده، تحدث عن أهميتها كتراث ثقافي عالمي، مفسحاً للتفاخر بريادة جيشها وترسانته العسكرية عالميا.

استخدام القوة العسكرية الروسية أحيط دائما بالتكتم، معتمدا على تكتيكات المفاجأة، سواء في أوكرانيا أو سوريا. بالنسبة لوضع الأخيرة، يقول كاراغانوف عن تكتيكاتهم حين أعلنوا الانسحاب الغامض «كان ذلك بارعا ورائعا. علينا الاستفادة من تفوقنا في هذا المجال، الروس ليسوا جيدين بالمساومة ولا صبورين لإدارة الأعمال التجارية، لكنهم مقاتلون متميزون»، قبل أن يشير إلى التفوق على التكتل المجاور في هذا المجال «في أوروبا هناك نظام سياسي مختلف وهو غير قادر على التكيف مع التحديات التي يفرضها العالم الجديد. المستشارة الالمانية قالت إن رئيسنا يعيش في عالم مختلف، أما أنا، فأعتقد أنه يعيش في عالم حقيقي جدا».

حديث مستشار الكرملين كان ينضح بالشماتة تجاه أوروبا، بخياراتها وبنتائج تلك الخيارات قياسا بما يعتبره نجاحات روسية. اعتبر أن موسكو كان يمكنها مساعدة الأوروبيين في وقف تدفقات اللاجئين، قبل أن يستدرك «بدلا من ذلك، سعوا (الأوروبيون) لعقد صفقة مع تركيا. هذه وصمة عار. نحن في مواجهة مشاكلنا مع تركيا واصلنا انتهاج خط سياسي واضح ومتشدد، ونجحنا في ذلك».

حينما يتحدث كاراغانوف عن أخطاء روسيا، يشير مباشرة إلى غياب الاستراتيجية في العلاقة مع الجمهوريات السوفياتية السابقة «لم نفهم حقا ما يحدث هناك، الشيء الوحيد الذي قمنا به هو تمويل هذه البلدان وشراء نخبها، بأموال سرقت لاحقا بشكل مشترك غالبا، ونتيجة لذلك لم يكن ممكنا تجنب الصراع الأوكراني»، قبل أن يضيف في سياق السلبيات الجوهرية «المشكلة الثانية أن سياساتنا ركزت لفترة طويلة على إصلاح أخطاء الماضي، الأخطار التي ارتُكبت في فترة التسعينيات».

الخلاصة أن روسيا تتعلم من أخطائها تعلّماً منتجاً، بنظر المنظرين لسياستها الخارجية، بغض النظر عن سيل الانتقادات الغربية. الإكمال في استخلاص الدروس يجعل مستشار الكرملين يؤكد متوجهاً لخصوم روسيا «لن يكون هناك أي تنازلات أساسية تأتي منا».

وفق تلك الشروحات، يمكن فهم حديث المصادر الأوروبية عن «عدم قدرة السعودية على توفير صفقة لروسيا». هناك العلاقة التاريخية مع واشنطن، بثقلها العسكري في الخليج، في حين أن روسيا ترى التموضع العسكري الوسيلة الأولى لكسب موقع موفّق، يمكنه التصرف وتحصيل المكاسب السياسية والاقتصادية من كرسي قوة عظمى. رجحان الكفة واضح، بين مكاسب اقتصادية غير مضمونة الأفق، وموقع عسكري يعترف الجميع بأن له اليد العليا ويسعى لاسترضائه.