الموظفون الحكوميون … يستغيثون

0
276

دمشق – يونس أحمد الناصر /

أذكر لليوم , بأننا كنا في قريتنا في الصف السادس الابتدائي بعدد يتجاوز العشرين ,  و تجاوز المرحلة الإعدادية ربع هذا العدد , و أما من اجتاز الثانوية , للأسف كنت وحدي لنهاية مرحلتي الجامعية .

 و الأسباب بالطبع مختلفة و ليس غباء من رفاقي الذين تركوا الدراسة كما يظن البعض فهم بغالبهم أذكياء  , بل وجدوا بأن هذا الطريق طويل و ثمرته متأخرة و هم يريدون أن  يجنوا مالاً في مرحلة مبكرة و قد  نجح عدد كبير منهم بتحقيق هذا الهدف فيما بعد و أصبحوا أصحاب مهن حرة تدر عليهم دخلاً جيداً  .

أما أنا الذي اخترت درب التعليم فالسبب ربما إنني كنت من الأوائل في سنوات دراستي و هذا ما دفعني للمضي أكثر و أكثر في هذا المجال وسط تشجيع أسرتي التي تعشق العلم و تراه خياراً لا بديل عنه .

اضطريت خلال سنوات دراستي الجامعية للجمع بين العمل و الدراسة بسبب ظروفنا المادية و بعد التخرج التحقت بخدمتي العسكرية و بعد نهايتها تقدمت لمسابقات الجهات العامة المعلن حينها و أصبحت موظفاً حكوميا براتب شهري يناسب شهادتي يتجاوز العشرة آلاف بقليل .

تملكتني السعادة و أنا أدخل حياتي العملية مزوداً بشهادة علمية من جامعاتنا السورية  و رغم ضعف الراتب فقد وجدت فيها الثمرة التي كنت أنتظرها , و كنت أردد ما  كانت تقوله أمي لي ” يا إبني الوظيفة إذا ما غنتك بتسترك ”  و عشنا مستورين  إلا أن دخلنا في نفق الحرب الظالمة على سورية و تخريب الإرهابيين للمؤسسات و المشافي و المعامل.

 و بدأ شيئاً فشيئاً يتراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي الذي لم نكن نعرفه و لا نعرف تأثيراته على حياتنا و بدأت قوتنا الشرائية تتآكل شيئاً فشيئاً و استجبنا لدعوات الحكومة حينها بدعم ليرتنا و لم نبدل مدخراتنا للدولار اللعين  , و كنا نقبل هذا التراجع مع بعض التقشف الذي وصل حد الكفاف .

وواظبنا بالحضور لأعمالنا رغم مخاطر الطريق التي لا يعرفها إلا من عاشها , و استمرت الحكومة بتقديم خدماتها في أحلك الظروف لا نلتفت لدعوات الإرهابيين بالإضراب و لا نلتفت لتهديد أو وعيد , واثقين من النصر الذي كنا نراه قريباً بهمة سواعد جيشنا العظيم و المخلصين الذين واضبوا بالحضور لأعمالهم بشعور الاطمئنان الذي يبعثه بنفوسنا حضور الجيش العربي السوري بكل الساحات و الميادين .

و مع خروج الكثير من منشآتنا العامة الإنتاجية و الأراضي الزراعية بفعل الأعمال الإرهابية تراجعت قوتنا الشرائية حسب قوانين العرض و الطلب و لكننا كنا نعتبر أنفسنا كموظفين حكوميين رديفاً للجيش العربي السوري و عاملاً هاماً من عوامل انتصاره  و بقينا مواظبين بالحضور لأعمالنا في الوقت الذي بدأ يتسرب اليأس للبعض فهجروا الوظيفة العامة للعمل في القطاع الخاص لتحسين دخولهم  أو اختار بعضهم الهجرة الخارجية

استمرينا في أعمالنا حتى كاد الراتب لا يكفي أجرة المواصلات للوصول لأعمالنا  و خلال هذه السنوات استهلك الموظفون مدخراتهم البسيطة و باع كثير منا ما يملكونه من حلي الزينة  و سط تنامي و جشع طبقة الفاسدين

خلال هذه السنوات حدثت زيادات في الرواتب ضئيلة التهم التجار أضعافها قبل صدورها و ضعف في الإدارة فشل في كبح جموح ارتفاع الأسعار التي باتت تكوي جنوبنا و جيوبنا

لم يلتفت أحد لحالنا , فبتنا أصحاب الدخل المهدود و الحيل المفقود

ما أريد قوله بعد هذه المقدمة الطويلة جداً :   

 الموظفون لا تقوم الحكومة بأعمالها بلا عقولهم و سواعدهم , و لا تدور المعامل و ينهض البنيان إلا بهمهم  , و هم يشكلون هيكل الحكومة  من رأس الهرم إلى قاعدته العريضة و اختاروا الوظيفة العامة كعمل لهم و مصدر رزق لعيالهم  .

فهل جزاء صمود هذه الشريحة يكون بقذفها للعوز أو الفساد !

نعم لقد اختنقت الأصوات المطالبة بتحسين دخل هذه الشريحة و تحسين أحوالها  , و قد بات الراتب  يطير في أيام معدودات , بل يصح القول بأننا عمال متطوعون بلا أجر , و بات همنا الضاغط كل يوم  تأمين الخبز و الغاز  في طوابير الانتظار  الطويلة  لعدم وجود من يستجيب أو يسمع صراخنا .

هل نقفز من السفينة كما فعل غيرنا للبحث  عن فرصة عمل جديد , حتى لو كان باعة جوالون أو بسطة في طريق  بعد أن انسدت بوجهنا كل الطرق؟

أغيثونا فما عدنا نرى الطريق .