الموصل: «داعش» بين القتال والهروب إلى سوريا

0
85

 

تفتقر معركة الموصل المرتقبة في غضون أيام، إلى عنصر التشويق الذي كان يحيط بالمعارك ضد تنظيم «داعش» وهو في ذروة قوته وتمدده. نتيجةُ المعركة تبدو محسومة سلفاً، بل يمكن تحديد تاريخ انتهائها حتى قبل أن تبدأ، إذ من غير المتوقع أن تطول لما بعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة إلا في حال حصول مفاجآت غير محسوبة.

تنظيم «داعش» الذي يراقب احتدام الخلافات بين المتحالفين ضده، يدرك أن معركته في الموصل خاسرة ولا يمكن تغيير نتيجتها، لذلك اتخذ قراراً بخوض المعركة بأقل عدد ممكن من مقاتليه مع ترحيل القسم الأكبر من قادة الصف الأول وعائلاتهم إلى سوريا.

وتؤكد طبيعة التعيينات في «ولاية نينوى» أن التنظيم لا يراهن على إنجازات عسكرية مميزة في معركة الموصل، حيث أولى مهمة القيادة في المدينة إلى شخصيتَين توصفان بأنهما أقل خبرة بكثير من قادته الذين قتلوا في أوقات سابقة أمثال حجي بكر وأبو عبدالرحمن البيلاوي. فعلى رأس «الولاية» يتربع أبو شاكر الجبوري، أما القيادة العسكرية فيتولاها أبو عبدالله العفري.

وبحسب خالد القيسي، وهو صحافي عراقي خبير بشؤون الحركات «الجهادية»، ونشر مؤخراً الهيكلية القيادية الجديدة لتنظيم «داعش»، فإن هذين القياديَّين غير مؤهلين لا عسكرياً ولا إدارياً لقيادة معركة من وزن معركة الموصل. ومن القيادات الأخرى في «الولاية» يبرز إسم كل من شفاء النعمة أبو عبد الباري، مسوؤل الحسبة، وأبو معاذ نظام الدين الرفاعي، مسؤول القضاء.

ولهذا التعيين دلالات عدة، منها أن التنظيم بعد مقتل غالبية قادته المؤسسين بات يفتقر إلى كوادر ذوي كفاءة عالية، ما اضطره إلى تعيين الأقل خبرة في مناصب حساسة تحتاج إلى شخصيات مؤهلة ولديها مخزون من التجارب تستند إليه في قيادة الميدان العسكري. ولكن قد لا يكون هذا الاستخلاص دقيقاً بما فيه الكفاية، لأن بعض المراقبين يرى أن التنظيم في هذه المرحلة حريص على الحفاظ على كوادره المتبقية في صفوفه ويرفض الزج بها في معارك خاسرة.

في هذا السياق، علمت «السفير» من مصادر متطابقة أن «غالبية قادة الصف الأول في تنظيم داعش غادروا العراق واتجهوا نحو سوريا، وأبرز الواصلين زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي وذلك بناء على نصيحة من المسؤول عن شؤونه الأمنية والذي كان معروفاً في سوريا باسم أبو يحيى العراقي وتولى منصب «والي البادية» لفترة من الزمن». وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن أبو يحيى إسمه الحقيقي هو إياد الجميلي، عراقي الجنسية، وهو من أقرب القيادات إلى زعيم التنظيم.

ومن أبرز القيادات الأخرى التي وصلت إلى سوريا مستبقةً بدء معركة الموصل، إياد عبدالرحمن العبيدي وهو رئيس المجلس العسكري ونائب البغدادي في العراق، وعمر زيدان السلطي، أردني الجنسية، وتولى مؤخراً رئاسة مجلس الشورى المركزي في التنظيم، في سابقة من نوعها حيث كان هذا المنصب محصوراً بالعراقيين. ووصل كذلك القائد الطاجيكي غول مراد حليموف الذي حل محل عمر الشيشاني بعد مقتله في قيادة كتائب التنظيم.

ولا شك أن انسحاب هذه القيادات ومن ورائها قيادات أخرى لم تعرف أسماؤها بعد، من الموصل قبل أيام قليلة من المعركة المرتقبة، يعد دليلاً قاطعاً على أن التنظيم بات يتعامل مع المدينة باعتبارها أصبحت غير آمنة وربما بحكم الخارجة عن سيطرته. ومن جهة ثانية، فإن هذا الانتقال الآمن لكبار قادة التنظيم وعائلاتهم من العراق إلى سوريا يكذّب رواية «التحالف الدولي» حول تمكنه من قطع الطرق البرية بين الموصل والرقة.

لكن هذا الانسحاب لا يعني بأي حال من الأحوال أن «داعش» سيسلم المدينة من دون قتال، بل على العكس، اذ تؤكد جميع المعطيات أن التنظيم يواصل تحضيراته واستعداداته لخوض معركة طويلة وصعبة. لكنه اضطر وهو يضع خطته الدفاعية أن يوازن بين ضرورة خوض المعركة وبين حاجته للمحافظة على كوادره وعناصره وما تبقى لديه من إمكانات، لأنه حتى لو خسر معركة الموصل، فما زال لديه مشوار طويل من المعارك في سوريا وبعض مناطق العراق التي لا يزال يسيطر عليها.

ويراهن «التنظيم على الدفاع عن معقله في مدينة الموصل ربما أكثر من معقله في مدينة الرقة السورية، هذا ما أكده لنا منشق قيادي عن تنظيم داعش، رغم أني أعتقد أن التنظيم يراهن على الرقة» حسب ما قال لـ «السفير» الدكتور جاسم محمد، رئيس «المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات».

وأضاف جاسم محمد أن «التنظيم سوف يدافع وبشدة عن معقله في مدينة الموصل، وليس كما يروج، فالموصل تعني لهم الكثير. وبعد أكثر من سنتين في هذه المدينة يعني التنظيم استطاع التمترس. المشكلة أن مدينة الموصل ذات بنى تحتية كثيفة ومناطق سكانية حضرية واسعة يتمترس فيها ويستخدم المدنيين دروعا بشرية».

ولا تخرج استعدادات التنظيم في الموصل عن إطار تجاربه القتالية في مدن أخرى مثل الفلوجة والرمادي. فهو سيعتمد على ثلاثية «العبوات الناسفة والقناصين والانتحاريين» بالدرجة الأولى، استناداً إلى قناعته بأن المعركة هي معركة استنزاف قبل كل شيء والمطلوب ليس المحافظة على الأرض بل إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف مهاجميه. مع الإشارة إلى أن التنظيم اتخذ بعض الخطوات الوقائية التي من شأنها عرقلة تقدم القوات العراقية في الموصل من قبيل حفر خندق حول المدينة وتدمير الجسور التي تربط بين شطريها.

وبرغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها التنظيم في العراق، وبشكل خاص خسارته الجسيمة لقسم من «كتيبة الأوزبك» في معركة جزيرة الخالدية في الأنبار مؤخراً، إلا أن التنظيم ما زال يمتلك عدداً من الكتائب التي من المتوقع أن يزج بها في معركة الموصل، وأهمها «كتيبة مؤتة» التي قتل قائدها قبل أيام، و «كتيبة البتار» و «جند الولاية» و «كتيبة الفاروق» بالإضافة إلى وحدات من «القوة المركزية». ويعتقد الصحافي العراقي منتظر العمري أن «التنظيم سوف يزج بعناصره العراقيين (غالبيتهم من المنسحبين سابقاً من الشرقاط والقيارة والحويجة) في خطوط الصد الأمامية، لأن الأفراد العراقيين المجندين ثبت للتنظيم أنه لا يمكن الاعتماد عليهم في مراكز العمليات، لذلك حوّلهم الى الخطوط الأمامية لعرقلة تقدم القوات العسكرية». وقد تعكس هذه الملاحظة رغبة التنظيم في المحافظة على مقاتليه الأجانب استعداداً للمرحلة اللاحقة التي من المتوقع أن يشن خلالها حرب عصابات وعمليات انتحارية كنوع من الانتقام لخسارة الأراضي التي كان يسيطر عليها. وأشار العمري إلى أن التنظيم «سيركز دفاعاته في بعض أحياء المدينة وليس جميعها حيث تفيد المعلومات أنه نشر غالبية مقاتليه في سبعة أحياء فقط»، وحول هذه النقطة أكد القيسي أن «قوة التنظيم الأساسية تتمركز في الشطر الأيمن من المدينة أكثر من الأيسر».

وبخصوص النتائج العسكرية المتوقع أن تؤدي إليها المعركة، اشار منتظر العمري إلى أنه يتوقع «ألا تؤدي هزيمة التنظيم في الموصل إلى انتهائه في العراق، ليس لأنه ما زال يسيطر على بعض المناطق سواء في حزام بغداد أو جزء من الشرقاط أو مدن راوة وعنة والقائم المحاذية للحدود السورية، بل لأنه سينتقل إلى العمل السري وحرب العصابات»، ولفت إلى سيناريو يجري طرحه وهو «أن يبقى التنظيم مسيطراً على جزء من الشريط الحدودي بين سوريا والعراق على نحو مشابه للوضع بين سوريا ولبنان، عازياً ذلك إلى الرغبة في الاستمرار بتوظيف التنظيم لضرب المخطط الإيراني، حسب بعض التقارير الإعلامية، الذي يقوم على إيجاد ممر بري من الموصل إلى حلب في سوريا وصولاً إلى البحر المتوسط.

لكن جاسم محمد استبعد هذا السيناريو لسببَين: «الأول لأن التنظيم لا يمتلك الوسائل العسكرية لتنفيذه، والثاني لأن الطبيعة الجغرافية مختلفة بين النموذجين». لكن جاسم محمد أكد أن المعركة سيكون لها تداعيات على الوضع في سوريا خصوصاً في ظل المعلومات حول هروب قادة التنظيم إليها، متوقعاً في هذا السياق أن «تغض كل من واشنطن وتركيا النظر عن انسحاب مقاتلي التنظيم إلى سوريا، وفتح طريق آمن سمي طريق الجرذان»، مشيراً إلى أن أميركا لم تتردد بالكشف عن ذلك، «وهي تبرر الأمر بأن فتح ممرات آمنة لتهريب أو تسرب مقاتلي داعش يقلل خسارة المدنيين». لكنه لفت إلى اعتقاده «بأن واشنطن وتركيا وأطرافا راعية أخرى، تراهن على تضخيم الجماعات المتطرفة خاصة خلال احتدام المعارك والجدل حول حلب».

 

العبادي واردوغان

إلى ذلك، بانتظار ساعة الصفر لمعركة الموصل، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن التحضيرات العسكرية لتحرير مدينتَي الموصل والحويجة وصلت إلى المراحل النهائية، في حين شدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على نية أنقرة المشاركة في المعركة، برغم الاعتراضات العراقية، لافتاً إلى وجود مجموعة خطط «ألف» و «باء» وحتى «جيم» لتطبيقها في الموصل.

وانتقد العبادي «ارتفاع الأصوات التي تحاول عرقلة تحرير بقية مدننا وبالأخص ونحن نقترب من تحقيق النصر النهائي»، متسائلاً: «أين كنتم عندما احتلت هذه العصابات المدن».

وفي سياق معركة الموصل، قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إن بلاده عازمة على المشاركة في عملية لقوات «التحالف الدولي» ضد «داعش» في مدينة الموصل.

من جهته، قال اردوغان إن تركيا ستنفذ «خطة بديلة» إذا لم يرغب «التحالف» بقوات تركية في عملية الموصل. وتابع أنه «في حال رفض التحالف سنُفَعِّل الخطة باء، وإذا لم تنجح هذه أيضاً سننتقل إلى الخطة جيم، فتركيا ليست دولة قبلية وليعلم الجميع ذلك». وأضاف: «لقد دعوتمونا إلى بعشيقة، واليوم تطلبون منا الرحيل؟ آسف، لكن مواطني موجودون هنا: إخواني التركمان والعرب والأكراد موجودون هنا، وهم يقولون لنا تعالوا وساعدونا».

السفير- عبد الله سليمان علي