المعارضة السورية بين التحول إلى “صحوات” أو “إرهابيين”

0
49

 

لم تكن قوى المعارضة السورية المسلحة تتوقع أن تكون في أي لحظة أمام خيارين صعبين لا ثالث لهما، بين التحول إلى “صحوات” أو إلى “إرهابيين”، لكن مع الإعلان عن الإتفاق الروسي الأميركي تبدل المشهد على نحو غير مسبوق، خصوصاً أنه لم يلتزم بطلبات استثناء جبهة “النصرة” من الأعمال العسكرية، التي ستبقى مستمرة ضد عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، الأمر الذي قد يؤدي إلى سقوط الهدنة.

من حيث المبدأ، الوصول إلى هذا الإتفاق كان محسوماً من جانب كل من واشنطن وموسكو، فالجانبان يحتاجان له في الوقت الراهن، نظراً إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يريد مغادرة البيت الأبيض قبل وضع أسس حل الأزمة السورية، التي أدت بصورة مباشرة إلى عودة الخطر الإرهابي ونمو التنظيمات المتطرفة من جديد، فهو يريد تحقيق إنجاز على هذا الصعيد يسجل له، بالإضافة إلى عدم ترك هذه المعضلة أمام الرئيس المقبل، في حين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرغب بعدم الدخول في حرب عصابات طويلة على الأرض السورية، تعيد إلى الأذهان ما حصل في أفغانستان قبل سقوط الإتحاد السوفياتي، ويريد أيضاً أن يقدم نفسه راعياً للإستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

في السياق نفسه، تأتي مواقف أغلب القوى الإقليمية الفاعلة في الحرب السورية، التي لم تعد قادرة على مواجهة القوتين العظميين، أي الولايات المتحدة وروسيا، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى حجز موقع لها في المعادلة، من خلال تحسين أوراق قوتها الميدانية، سواء كانت بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي يفسر الدخول التركي على خط الحرب، للسيطرة على المنطقة التي تريدها آمنة أو عازلة في الشمال السوري، بالإضافة إلى محاولة الجانب الإسرائيلي قلب موازين القوى في الجنوب السوري، في الأيام الأخيرة، من خلال دعمه الفصائل المعارضة في المواجهات في القنيطرة، في حين نجحت طهران بكل قوة في حسم المواجهة في حلب، عبر إعادة إطباق الحصار على المدينة، لحظة الإعلان عن تراجع فرص التوافق على الإتفاق قبل أيام، بالوقت الذي كانت فيه بعض الفصائل التي تدور في الفلك السعودي تشن هجمات في منطقة ريف حماه، بهدف التقدم نحو المدينة التي تكتسب أهمية إستراتيجية لدى دمشق.

في نتيجة الجولات العسكرية الأخيرة، نجحت تركيا وإيران في تحسين أوراق قوتهما، قبل أن يتم الإعلان عن دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في وقت كانت فيه أروقة قوى المعارضة المسلحة تشهد حالة من “الضياع”، بسبب عدم قدرتها على إعلان الموافقة، خشية الدخول في مواجهة مع جبهة “النصرة”، ولا على إعلان الرفض، نظراً إلى أن هذا الأمر سيضعها في مواجهة مع كل من موسكو وواشنطن، بالإضافة إلى أنها ستكون محرجة أمام القوى الإقليمية الداعمة لها.

بناء على هذا الواقع، كان الإخراج بأن يعلن أغلبها التعامل الإيجابي مع الإتفاق مع الإشارة إلى أن لديها تحفظات، أبرزها متعلق بواقع “جبهة فتح الشام”، أي جبهة “النصرة” بعد إعلانها عن فك إرتباطها بتنظيم “القاعدة”، لكن الرد جاء واضحاً من جانب وزير الخارجية الأميركية جون كيري، الذي أكد أنها “جزء” من “القاعدة” وعدو لبلاده، ما يعني فشل مخططها، وبالتالي المطلوب منها الإبتعاد عن الجبهة أو تعريض نفسها لخطر الإستهداف العسكري، بالإضافة إلى حرمانها من أي دور سياسي مستقلبي، لكن هذا الواقع يخفي خلفه موقف بعض الدول الإقليمية الداعمة لهذه القوى، ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت ستدفع تلك الفصائل إلى تنفيذ بنود الإتفاق كاملة، وبالتالي دخولها في نهاية المطاف في مواجهات مع “النصرة” بسبب “الخيانة”، أم أنها لا تزال تراهن على إفشاله بأي طريقة، عبر إستغلال أي تحرك للقول أنه يستهدف ما بات يعرف بـ”المعارضة المعتدلة”، أو الذهاب إلى الخيار المرجح القاضي بالعودة إلى مشروع “الإندماج”.

في المحصلة، تجد العديد من فصائل المعارضة السورية اليوم نفسها أمام تحد كبير، بين إتهامات التحول إلى “صحوات” بيد واشنطن لمحاربة “داعش” و”القاعدة”، أو الوضع على قائمة المنظمات الإرهابية بسبب تحالفها مع “فتح الشام”، من دون أن يتضح المسار الذي ستسلكه هذه الأزمة في الأيام القليلة المقبلة.

النشرة