المشكلة أعمق من 100 دولار تُصرف على الحدود!

0
491

تجاوزت جدلية إلزام كل سوري عائد إلى وطنه بتصريف 100 دولار أو ما يعادلها بسعر الصرف الرسمي كل الأسئلة الحائرة من الناحية القانونية والدستورية، فيما إذا كان يحق للحكومة ذلك أم لا، كما تجازوت من يجب أن يستثنيه القرار إلى جانب السائقين ومن هم دون سن الثامنة عشر!.

بيان وزارة المالية ومن ثم تصريح الوزير مأمون حمدان يأخذان الجدل والنقاش إلى مكان آخر أبعد، إلى حيث تظهر العقلية الجبائية المقيتة التي تدير بيت مال السوريين، لا زال هناك من يعتقد أن “السوري” في الداخل يخبئ “تحت البلاطة” الكثير، ولا زال من يجتهد لاستحواذ هذا الكثير لترميم فاقد الخزينة العامة!.

يفترض وزير المالية في معرض تبريره للقرار أن كل مواطن سوري “يسافر” خارج الحدود يمتلك المال، وإلا لما قرر السفر من أصله، لكنه لم يبين للجمهور “الممتعض” من القرار على ماذا بنى هذه الفرضية!، الكل سيدفع ولو كانت عائلة من عدة أشخاص ولو غادروا لعدة ساعات ملزمين بتصريف 100 دولار أو ما يعادلها عن كل شخص وبالسعر الرسمي هكذا يقول وزير المالية!، هم الوزير ترميم الاحتياطي من القطع الأجنبي، دون الانتباه إلى أن السلع والخدمات في السوق أسعارها لا تعترف بسعر الصرف الرسمي!.

يشير بيان الوزارة إلى أن هذا القرار سيؤمن للعائد مبلغاً من العملة المحلية في الوقت المناسب كي يجنبه التعامل مع السوق الموازية “السوداء” وبالتالي يجنبه ارتكاب جرم يعاقب عليه القانون، بينما هناك كثير من الاجراءات لم تتخذها أو حتى فكرت بها الجهات “المالية” لتحصين أصحاب الدخل المحدود من الإنزلاق في دوامة الفساد وقبول الرشوة أو ممارسة أعمال إضافية على حساب العمل الحكومي لترميم الفجوة بين دخله وحاجاته!، أليست الرشوة جرم؟، أليس إهمال الوظيفة العامة جرم؟!، لكن لا (لا أحد جائع.. لا أحد يجوع في سورية ألم يقل ذلك وزير المالية في واحدة من جلسات مجلس الشعب الصاخبة؟!)، وزير المالية من هؤلاء الذين يعتقدون أن المواطن السوري (عضمو ذهب) بينما في الحقيقة السواد الأعظم من السوريين باتو جلد وعظم!.

لقد تعاملت الجهات “المالية” الحكومة عبر سنوات الأزمة مع مدخرات المواطن بكثير من الاستهتار حيناً واستهدفتها أحياناً، وبدلاً من خلق قنوات استثمار لتلك المدخرات كي لا تفقد قيمتها وتنفق تدريجياً على الحاجات التي من المفترض أن يوفرها له دخله اليومي أو الشهري، تركته على مدار سنوات يواجه موجات الغلاء وتراجع سعر صرف عملته الوطنية أعزلاً إلا من بعض ما ادخره في يومه الأبيض لأيامه السود!، ومع طول أيامه السود تتحدث التقارير أن 80 % من السوريين فقدوا أمنهم الغذائي!.

وعندما نقول إن 80 % من السوريين فقدوا أمنهم الغذائي، مع بقاء العقلية الجبائية حاضرة، فهذا يشير إلى تجاهل صانع السياسات الاقتصادية والمالية في سورية أن الدولة وخزينتها العامة هي المستهلك النهائي لكثير من أزمات المواطن، فهي من ستنفق على صحته إذا مرض، وستتكبد خزينتها خسائر إضافية إذا فسد أو انحرف، وهنا يحضر مثال متداول أشبه بالطرفة عن ملك بروسيا فريدرش فيلهلم الأول (1713 – 1740)، وذكره المؤرخ البريطاني لورد ماكولي: “أنه ادخر نحو ست رايشستالر (العملة الرسمية للامبراطورية الرومانية المقدسة)، نتيجة إطعامه لعائلته ملفوف تالف، ما تسبب بعد ذلك بمرض أبنائه وإنفاقه عليهم أكثر بكثير مما ادخره من وجبة الملفوف التالفه!.

الاصلاحية | فهد كنجو