القابون الصناعية: اتهامات مرتدة، وتسهيلات متسللة  وأهداف ضائعة

0
284

دمشق –مارينا مرهج|

إن إعادة تنظيم المدن والمناطق يعد امراً يدخل في نطاق السياسة العامة للدولة، وإذا ما كان له أسبابه الموجبة فلا ضير منه، وعليه يقوم المشرع بإعداد التشريع اللازم مراعياً به جميع الحقوق المكتسبة، وحسب ما جاء في مواد القانون السوري فإن “المصلحة العامة فوق مصلحة الجميع “، ويبقى السؤال المطروح هل تقتضي المصلحة العامة تحويل المناطق الصناعية إلى مناطق استثمارية وسياحيةـ وأيهما ترجح له كفة ميزانها بين جمالية مدخل دمشق الشمالي الشرقي، أم إعادة تدوير عجلة الصناعة في سورية وانعاش الاقتصاد الوطني كما كان سابقاً وأفضل؟

ولان الإجابة على مثل هذا التساؤل يفترض خيارات عدة، يلوح بها الحق نحو مصلحة المتكلم معتبراً ان هدفه هو الحق الواجب الدفاع عنه من قبل الحكومة والعمل من أجله، كان لقضية منطقة القابون الصناعية حيزاً من اهتمام “موقع أخبار سورية والعالم” للخوض في جميع التفاصيل المبهمة واستقصاء القدر المستطاع من المعلومات المخبئة لدى أصحاب المصالح.

بعيد الانتصار وتحرير منطقة القابون وما حولها من الإرهاب:

زار كل من رئيس مجلس الوزراء ومحافظ دمشق برفقة وفد حكومي منطقة القابون، واطلعوا على تقرير اللجنة العسكرية المختصة التي عاينت المكان هندسياً وعسكرياً وأعلنته خالياً من جميع أشكال الإرهاب ومن المكن عودة المواطنين إليها، وبناءً عليه اجتمعت الحكومة السورية على الفور، وكلف رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس كلاً من وزارة الصناعة وغرفة صناعة دمشق وريفها بالعمل على إعادة الصناعيين وحثهم على العمل بشكل فوري، ووجه خميس الوزراء المختصين لتأمين جميع مستلزمات البنية التحتية بأسرع وقت ممكن، وإعطاء الصناعيون مهلة أشهر ليعود صوت الآلات وضجيج دورة العمل ينعش الحياة في هذه المنطقة وما حولها.

شهر وأيام معدودة، ختامها علقم:

بتاريخ 21/ حزيران/ 2018 صدر قرار يقضي بعودة الصناعيين إلى منشىآتهم، والبدء بتنظيف المكان وإعادة ترميم ما خربه الإرهاب ولوثته تبعات الحرب على سورية، وعلى الفور هب الصناعيون مسرعين في تنفيذ القرار بعد انتظار دام طويلاً، بالتزامن مع قيام محافظة دمشق وجميع الوزارات المعنية بتأمين مستلزمات البنية التحتية وتقديم التسهيلات لجميع الصناعيين، لكن الفرحة لم تكتمل وتحول ضجيج عرس الترميم إلى ضجيج موت اقتحم جميع المنشآت، بعد أن صدر بتاريخ 26/تموز/ 2018 قراراً يقضي بأن المنطقة سيعاد تنظيمها وعلى الصناعيون نقل منشآتهم إلى منطقتي عدرا الصناعية وفضلون.

فمن وراء مثل هذا القرار العلقم!!؟ وماهي المبررات!!؟

 والسؤال الأهم: لو كان الصناعيون يملكون الأموال للإعمار من جديد في المناطق المذكورة، هل انتظروا تحرير القابون بفارغ صبرهم؟

طرفا نزاع وتقارير متناقضة، فأين الصحيح منهم؟

جاء قرار الحكومة السورية بتاريخ 26/ تموز/ 2018 بناءً على تقرير أعدته لجنة من نخبة المهندسين في محافظة دمشق، حصل موقع أخبرا سورية والعالم على نسخة منه متضمناً:

منطقة القابون الصناعية، منطقة تنظيمية مشاد ضمنها عقارات صناعية و حرفية ,  و يوجد فيها أيضاً مشيدات حكومية متنوعة ، تمتد ما بين كراجات العباسيين ( نهاية شارع فارس الخوري ) غرباً و حتى الحدود الادارية لمحافظة دمشق المحاذية لمنطقة حرستا شرقاً, ومن الاوتوستراد الدولي ( دمشق – حمص ) شمالاً و حتى نهر تورا الفاصل بين القابون و جوبر جنوباً .

المنطقة عبارة عن جزئين :

( آ ) و هي مؤلفة من 46 عقاراً

العدد الإجمالي للأبنية المتضررة في المنطقة الصناعية أ: 46

عدد الأبنية المتضررة بشكل كامل : 2- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 50% : 1- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 40% : 2

عدد الأبنية المتضررة بنسبة 30% : 1- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 25% : 3- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 15%: 4

عدد الأبنية المتضررة بنسبة 10% ترميم : 21- عدد الأبنية غيرالمتضررة:12- عدد الأبنية المتضررة مقابل فوج الإطفاء: 9

                             عدد الأبنية المتضررة في منطقة معمل كراش: 37

( ب ) و هي مؤلفة من 133 عقاراً – بعضها مبني و بعضها قيد البناء توقف جراء الحرب , و بعضها ما زال عرصات معدة للبناء .

العدد الإجمالي للأبنية المتضررة في المنطقة الصناعية ب: 54

عدد الأبنية المتضررة بشكل كامل : 22- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 85%: 5- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 75%: 2

عدد الأبنية المتضررة بنسبة 50% : 5- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 40% : 5- عدد الأبنية المتضررة بنسبة 35% : 3

عدد الأبنية المتضررة بنسبة 15%: 3 – عدد الأبنية المتضررة بنسبة 10% ترميم : 8- عدد الأبنية غيرالمتضررة :1

وحسب تقرير المحافظة المرفقة صوراً عنه، فإن جميع الأضرار في المنشآت الخاصة تتعلق بالجهة الخارجية للبناء وبعض الترميمات الصغيرة التي ستقع تكاليفها على عاتق صاحب المنشآة.

أما الصناعيون فقد أيدوا رفضهم لما جاء في تقرير محافظة دمشق، بتقرير صادر عن لجنة من المهندسين المحلفين من وزارة العدل، صدر بتاريخ 14/8/ 2018 تضمن:

أن عدد المقاسم التي جرى الكشف عليها في المنطقة (أ) هي 46 محضر، وتكون نسبة السلامة العامة فيها 0.955% أي أن النسبة اكثر من 95%.

وبالنسبة للمنطقة (ب) إن عدد العقارات التي جرى الكشف عنها (28) محضر وتكون نسبة السلامة الإنشائية فيها 0.84%، وحسب التقرير فأن هذه النسبة جيدة جداً في هذا الموقع الذي أغلق لمدة ثمانية سنوات، وان حوالي 90% من عدد المقاسم (أ،ب) الصناعية للقابون بدمشق سليم من الناحية العامة والمعمارية والإنشائية.

اتهامات مرتدة، وكتب بلا أي رد:

–       بناءً لما جاء في تقرير المحافظة صرح السيد فيصل سرور ممثل محافظة دمشق في غرف صناعة دمشق، إن منطقة القابون تعتبر مدخلاً من أهم مداخل دمشق وهي الآن تعتبر من ضمن المناطق الآهلة بالسكان ولن نقبل أن تكون دمشق منطقة صناعية بعد الآن، وخلال كلامه لم يشكك بتقرير المهندسين المحلفين من وزارة العدل، ولكن اتهمهم بأنهم لم يطلعوا على البنية الانشائية للأبنية، فهم لا يسمح لهم بالدخول، واقتصر التقرير على أساس البناء من الخارج.

–       ورداً للاتهام صرحت لجنة صناعيي القابون بأن هناك 1500 منشأة صناعية وحالياً يوجد منها 400 معمل جاهز للعمل مباشرة بعد ايصال البنية التحتية إليه، متهمين تقرير محافظة دمشق بالمبالغة في تقدير النسب.

وبدورهم قامت لجنة صناعيي القابون وتحت مظلة غرفة صناعة دمشق برفع كتب رسمية إلى الجهات المعنية ساردين فيها التفاصيل والاقتراحات، طالبين من خلالها اللقاء مع رئيس الحكومة ، لتبقى الكتب بلا أي رد رسمي من قبل الجهات.

وفي اجتماع لصناعيي لقابون مع  محافظ دمشق بتاريخ 17/أيلول، كان الوعد من قبله بتشكيل لجنة ثانية لإعادة تقييم المنطقة مرة ثانية بعد انتخابات الادارة المحلية، جاء الرد من المحافظ: إذا كانت النسبة صحيحة ونسبة الهدم فقط 10% لن نهدم المنطقة ولن يخرجكم أحد، أنا أعلم أنكم متضررون من الخروج من القابون وإذا كان لدي معمل في القابون سأدافع عنه ولن أخرج إلى عدرا الصناعية.

تسهيلات غير قابلة للتنفيذ:

تلخصت التسهيلات التي قدمتها الحكومة للصناعيين حول قرضٍ بفائدة 6%، ودون دفعة أولى لمدة 4 سنوات يقسط على مدار 20 عاماً، وعند التحقق من هذا الأمر من محافظة دمشق لنشهد عدم تأكد من قبلهم حول إمكانية تنفيذ مثل هذا النوع القروض ومن هي الجهة التي سوف تموله، وهذا ما سمح للصناعيين باعتبار التسهيلات وهمية غير قابلة للتحقيق، وبالرغم من هذ الغموض والجهل بإمكانية تحقيق التسهيلات بقي السيد فيصل سرور محتمياً وراء قوله: لا تراجع عن القرار، وإجراءات الهدم جارية، وهناك اجتماع أقيم مصوراً على التلفزيون العربي السوري بحضور جميع الوزارات المعنية والسيد رئيس مجلس الوزراء، وهذه اجتماعات رسمية لا يصدر عنها قرارات غير رسمية.

ليطرح التساؤل التالي: هل من الممكن مفاوضة المحافظة للصناعيين لتسهيلات لا يدركون إمكانية تحقيقها!!؟

وبتصريح آخر للمحافظة جاء في فحواه: لن يذهب حق الصناعي في ملكيته. فالصناعي الذي تبلغ قيمة معمله 100 مليون سنعوضه بحوالي مليار و17 مليون ليرة، ولن تكون على شكل سندات توضع في الخزنة وإنما بشكل عملي، نحن  في محافظة دمشق سلطة تنفيذية لا نستطيع أن نخالف القانون وإن حصل هذا هناك من يحاسبنا.

فكيف لمحافظة دمشق التي لا تعلم من سيورد قروض الصناعين في حال نقلهم إلى عدرا، أن تملك هذه المبالغ الهائلة لتعويض الصناعيين عن حقهم المصان في الملكية!!؟

 وحتى لا يبقى هذا السؤال من غير إجابة كان التوجه نحو المصرف الصناعي لنستنير منه حول ألية إعطاء القروض للصناعيين، وماهي شروطها، لتأتي الإجابة على لسان مديرة العلاقات العامة في المصرف السيدة عهد غزالة: إن أخر ما صدر من قرارات للمصرف الصناعي فيما يخص موضوع الصناعيين المتضررين هو (تعليمات رقم /4/بتاريخ 9/أيلول/ 2018) بأن يتم تمويل الصناعي المتضرر بقرض بنسبة 60% وبفائدة سنوية 10% مهما كانت مدة القرض، وبالنسبة للمدن الصناعية فالمصرف الصناعي يمول الصناعي بنسبة 50% من سعر الأرض المراد شرائها مقابل فائد 11% لمدة 5 سنوات، أو 12% لمدة عشر سنوات.

وأكدت بدورها أن لي بإمكان المصرف صرف أي قرض ضمن التسهيلات المقترحة لحل مشكلة القابون، فهذا سيعرض المصرف لخسائر هائلة، إلا إذا ما تم تعويض فارق النسب في الفائدة من قبل أحد الجهات المعنية، وأشارت أن هناك لجنة مشكلة للبحث في قضية القابون الصناعية تتضمن ممثلين عن كل من المصرف الصناعي والمصرف العقاري وغرفة صناعة دمشق وريفها ووزارة الإدارة المحلية ومحافظة دمشق، ستقوم بالاجتماع قريباً والاتفاق على الحل النهائي لهذه التسهيلات.

وهذا ما يؤكد  موقف الصناعيين بعدم الرضوخ أمام الامتيازات المقدمة وهم مدركين عدم مصداقيتها. وانها ستحولهم من المالكين إلى المدينين للدولة.

أهداف ضائعة واستراتيجية لم يكشف عنها الستار ومواقع معارضة تستغل الموقف:

 حتى اليوم لم  يكشف عن هدف محافظة دمشق بتنظيم المنطقة المفاجئ بعد أن وقع الصناعيين تعهداً بإعادة تشغيل منشآتهم خلال مدة أشهر، ولم يكشف ما الذي حصل خلال فترة الترميم والتي قدرت بشهر و5 أيام، إلا وبحسب ما نشرته بعض المواقع الرسمية بالحديث عن مدينة ألعاب مائية ضخمة ومولات تجارية داخل المنطقة ولم يعرف حتى الآن من سيكون أصحاب هذه المنشآت الضخمة، هل هم تجار ومتعهدين سوريين أم سيكون بالتعاون مع مستثمرين من الدول الصديقة.

وليزيد الموقف غموضاً تبدلت مواقف مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق على لسان رئيسها السيد سامر الدبس من موقف الدفاع عن الصناعيين، إلى موقف الحياد والوساطة، انتهاءً بالقبول بالهدم وتأييده وحث الصناعيين على القبول.

هذا التخبط استغلته مواقع اعلامية معارضة  مثل الحرية برس للتشكيك بالقرار .

ويعتقد الصناعيون أن هذا التحول في قرار محافظة دمشق ناتجاً عن عدم قدرتها على دفع جميع التعويضات المقررة بموجب القانون والتي تقدر بحوالي 10 مليون لكل منشآة أي ما يقابل مئات المليارات، إضافة لما ستضعه ميزانية لإعادة البنية التحتية والتي قدرته المحافظة بمليارين ليرة سورية، وهو حسب تقدير الصناعيين لا يتجاوز ال500 مليون ليرة.

وأضاف الصناعيون أن المحافظة عملت على إشغالهم بموضوع الهدم والتنظيم حتى ينسوهم موضوع صرف التعويضات التي هي حق لهم بموجب القانون.

الموقف النهائي لصناعيي القابون:

جميع المنشآت الصناعية في القابون يعود تنظيمها إلى عامي 1947، و1987 وهي منطقة منظمة ويحمل مالكيها أوراق طابو أخضر، ومدينة دمشق مدينة صناعية وحرفية عريقة منذ آلاف السنين ولن نقبل أن تهدم الصناعات الدمشقية العريقة وتغيير أسماء كنايات العيل الشامية.

قرار رئيس مجلس الوزراء جاء بعد تقديم المحافظة التقارير المبالغ فيها بالنسب وهو ليس قرار قديم، إلا لما كان زار المنطقة فور تحريرها، ووعد بتأمين مستلزمات البنية التحتية، هناك 400 منشأة صناعية في المنطقتين أ، ب نظيفة وجاهزة للعمل خلال أشهر ولا تحتاج إلا بعض الترميمات الخارجية.

  تسهيلات عدرا الصناعية غير واقعية ولا يوجد في عدرا الصناعية مقاسم فارغة لبيعها، وإنما سيتم البناء في منطقة التوسع التي تبعد عن دمشق مسافة 60 كم.

نحن كصناعيين لا نطالب بتجارة ولا تجارة أسهم، ولا رفع أسعار العقارات، نحن نطالب بصناعة وطنية، واقتصاد وطني وما يهمنا اليوم هو فقط إعادة منشآتنا إلى العمل، ليأخذوا منازلنا في قلب دمشق ويدعوا لنا منشآتنا.

إن تكلفة الاعمار في منطقة عدرا الصناعية حوالي المليار تقريباً، وهذا يقف دون تشجع الصناعيين الذين هاجروا للعودة إلى الوطن.

ليس هناك أي ثغرة قانونية لإخراجنا، ونحن علمنا باجتماع حصل في وزارة الإدارة المحلية، بحضور لجنة قانونية من مجلس الدولة، طلبوا منهم إيجاد ثغرة قانونية تضع منطقة القابون ضمن تعليمات المرسوم 66 أو القانون رقم 10 ولم يجدوا هذه الثغرة، فمنطقة القابون طابو أخضر ومرخصة ترخيص دائم صناعي وإداري.

نهاية نحن كصناعيين لسنا ضد التنظيم ولا نقف في وجه تحسين جمالية مدينة دمشق، ومانطالب به هو تعويض عادل لينسينا سنين صبرنا ويعطينا دافعا قوياً للعمل من جديد دون أن يحولنا إلى مديونين للدولة بعد أن كنا مالكين.

 وأشاروا في الختام أن جميع صناعاتهم خفيفة ومتوسطة أي سيتم نقلهم إلى منطقة فضلون وتعود ملكيتها للقطاع الخاص، وقد يعرضهم هذا للابتزاز بالأسعار من قبل المالكين إن لم تتدخل الدولة، إضافة إلى أن هناك صناعات إنتاجها يومي وغير إنتاجه ساعي وسينعكس بعد المكان عن وسط العاصمة دمشق والأسواق التجارية  بشكل سلبي سواء على طاقة العمال وأيضاً على أسعار المنتجات لينخفض الطلب عليها وفق لقانون العرض والطلب، ويبطء حركة دوران رأس المال الوطني، وغيرها من التأثيرات السلبية أيضاً.

وبالعودة إلى البداية، مازالت هناك الكثير من التساؤلات في محض الغموض

هل تقضي المصلحة العامة بإنشاء مناطق استثمارية وتحسين جمالية دمشق، تحميل الصناعي السوري كل هذه المخاطر!!؟

وهل ستقوم محافظة دمشق بتعويض الصناعيين عن المليارات التي قاموا بدفعها خلال فترة الترميم!!؟

أليس من الأجدر أن يجدوا حلول بديلة بدلاً من الهدم الفوري لمنطقة القابون ونقلها إلى أطراف دمشق!!؟