الفصل الأخير في الأزمة السورية من شرق الفرات إلى جنيف مرورا بإدلب

0
191

مع بدء عملية «نبع السلام» التركية في شمال شرق سوريا، نعتقد أننا نشهد الفصل الأخير في المأساة السورية، التي بدأت في 17 مارس/آذار 2011 والتي أدت إلى مقتل مئات الألوف، وتمزيق البلاد، وتشريد الملايين داخليا وخارجيا، وتدمير البنى التحتية وهدم المدن والقرى، واستقطاب مئات الألوف من الإرهابيين الذين ينتمون لأكثر من ثمانين جنسية، ودخول قوات أمريكية وفرنسية وبريطانية وروسية وإيرانية وميليشيات لبنانية وعراقية وغيرها، وإشعال حروب بالوكالة، وقيام وسقوط ممالك وإمارات وكانتونات وجيوب، وتطهير عرقي واجتثاث للأقليات، وتدمير للآثار النادرة والمقامات والتماثيل والقلاع.

المقايضة يبدو أنها تمت قبل بدء العملية العسكرية التركية، وستكون الدولة السورية هي الرابح الأخير في كل ما يجري

الآن نعود للمربع الأول، ونرى أن الحل المقبل من شرق الفرات وإدلب، والمقايضة يبدو أنها تمت قبل بدء العملية العسكرية، وستكون الدولة السورية هي الرابح الأخير في كل ما يجري، بترتيب تركي مع روسيا والولايات المتحدة، اللتين منعتا مجلس الأمن من إصدار بيان رئاسي حول العملية التركية يوم الجمعة الماضي. وهذه أسبابنا وملاحظاتنا حول هذه القراءة المسبقة للتطورات في سوريا:

أولا- لا يمكن لعملية تركية بهذا الحجم، أعلن عنها مرارا وتكرارا قبل أن تبدأ بأشهر، أن تتم من دون تنسيق أو موافقة أو سكوت من قبل الولايات المتحدة وروسيا أساسا. فانسحاب الأمريكيين وتخليهم عن قوات الحماية الكردية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم تكن صدفة. فالقوات الكردية التي دربت وسلحت ونظمت من قبل الولايات المتحدة، وقاتلت تنظيم «داعش» ببسالة حتى حررت المنطقة من التنظيم الإرهابي، واعتقلت الآلاف من مقاتليه وأنصاره وعائلاتهم، يتم التخلي عنها بهذه السهولة، لتواجه مصيرها المحتوم وهو هزيمة ماحقة على أيدي القوات التركية. فلولا أن الثمن يستحق ذلك، وهو نهاية الحرب مرة وإلى الأبد، لما أطلقت العملية من أساسها. فتفكيك هذه التنظيمات يخدم الأمن القومي التركي من جهة، ويخدم وحدة وسلامة الأراضي السورية من جهة أخرى، فليس من مصلحة سوريا أن تسيطر قوات كردية على شريط حدودي مع تركيا، يظل فتيلا قابلا للاشتعال في أي لحظة. أن التهديد الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا يأتي ضمن إطار التنافس الانتخابي، وانتقاد الحزب الديمقراطي الشديد لمسلكية ترامب في التخلي عن الأكراد.

ثانيا- بعد السيطرة على منطقة شرق الفرات، نعتقد أن عملية إدلب المؤجلة ستبدأ لاسترجاع آخر معاقل الجماعات الإرهابية والمتطرفة، التي نرى أنها أجلت لإيجاد مأوى لأكثر من مليوني مدني يعيشون في المنطقة. وبما أن تركيا غير قادرة على استقبال ملايين من المهجرين الجدد، فوق الملايين التي عندها، فلم يكن أمام تركيا إلا إيجاد منطقة آمنة يأوي إليها الفارون من اقتلاع آخر معاقل المتطرفين مؤقتا، لغاية انتهاء معركة إدلب. في هذه الفترة سيكون الجيش التركي قد اجتث الميليشيات الكردية، التي ظنت أنها ستقيم دولتها على شريط حدودي، سمته غرب كردستان وهو ما لا تسمح به لا تركيا ولا سوريا. وبمجرد تأمين المنطقة وبسط سيطرة الجيش السوري على إدلب، نعتقد بل نأمل أن يتم انسحاب القوات التركية إلى داخل الحدود، ضمن اتفاقية مع روسيا وإيران. وبذا نعتقد أن الحرب ستغلق فصلها الأخير، ويعطى المجال عندئذ للجنة الدستورية التي ستبدأ اجتماعاتها في جنيف في 30 أكتوبر/تشرين الأول الحالي لرسم خريطة لسوريا المستقبل، القائمة على التعددية والحرية وسيادة القانون والمواطنة المتساوية.

ثالثا- الأكراد بعد أن سيطروا على منطقة الشمال الشرقي عام 2012 وانسحبت وحدات الجيش السوري النظامي من المنطقة، أخذتهم العزة بالإثم، وأصيبوا بالغرور، خاصة بعد التدخل الأمريكي عام 2014 فقاموا بطرد العرب من المناطق التي سيطروا عليها وغيروا الأسماء وأدخلوا المناهج الكردية في التعليم وفرضوا اللغة الكردية لغة رسمية للمنطقة وفرضوا قوانينهم وعاداتهم وتقاليدهم وكرروا أخطاءهم في شمال العراق، معتقدين أنهم على وشك أن يقيموا دولتهم في الشمال الشرقي من سوريا تكون سندا لأكراد تركيا وامتدادا لكردستان العراق.

رابعا: نسبة الأكراد الأصليين في سوريا لا يتجاوز 2٪ لغاية 1925. هبّ أكراد تركيا بزعامة الشيخ سعيد بيران النقشبندي، في انتفاضة ضد سياسة التتريك التي قادها كمال أتاتورك. رد أتاتورك على التمرد بشن هجوم على مناطقهم فهرب نحو 300000 كردي إلى شمال شرق سوريا، خاصة منطقة الجزيرة. استقبلهم الشعب السوري بالترحاب، كعادته في فتح البيوت والقلوب لكل مضطهد، فارتفعت نسبة الأكراد إلى 10٪. ولكن الحكومات السورية المتعاقبة لم تمنحهم الجنسية، واعتبرتهم ضيوفا من أكراد تركيا بانتظار عودتهم إلى ديارهم لغاية 2011، عندما أصدر الرئيس السوري بشار الأسد فرمانا يوم 7 إبريل/نيسان 2011 بمنحهم الجنسية ولأسباب سياسية، كما لا يخفى على أحد. فمثلا القامشلي لم يكن بها كرد، وأول دخول لهم كان عام 1933 ثم سيطروا عليها وأبعدوا منها العرب والسريان والأرمن وغيروا اسمها إلى قاميش، وهي في الأصل مدينية نصيبين السريانية. كما أن مدينة عين العرب التي كانت تضم الأرمن والعرب، لم يدخلها الكرد إلا بعد 1925 وأصبحت مدينة كردية، تم نفي أو طرد الأقليات الأخرى. وهكذا جرى لمدن منبج وعفرين والملكية والحسكة. هذه مدن عربية وسريانية وأكادية، والأكراد طارئون على هذه المناطق.

خامسا: أقامت القيادات الكردية أمتن العلاقات مع إسرائيل، خاصة جهاز الموساد واستقبلت قياداتهم وتدربت لديهم ولم تضيع فرصة واحدة لإلحاق الأذى بالدول التي يقطنون فيها إلا واستغلوها. ويعتبرون دائما ولاءهم للعرق الكردي، قبل ولائهم للدولة التي يعيشون فيها، فلا يمكن للكردي أن يقول أولا أنا عراقي ثم كردي، أو أنا سوري ثم كردي. وقد شجعت إسرائيل أكراد العراق على الانفصال، ولعبت في رؤوسهم، في أن الوقت قد حان لإعلان الانفصال حتى أفاقوا على الهزيمة التي منوا بها عندما تحركت كافة القوى العراقية والجيش العراقي والميليشيات لوقف مهزلة الانفصال. ويبدو أن قياداتهم لا تتعلم، فمنذ 2012 وهم يتصرفون في شمال سوريا على أنهم في دولتهم المستقلة، بل أطلقوا على المنطقة اسم «ورج آفا» أي غرب كردستان وقد أحكم حزب العمال الكردستاني، العدو التاريخي لتركيا، على المنطقة وطرد جيش سوريا الحر. قاموا بطرد وهدم قرى عربية بكاملها، تحت سمع وبصر الولايات المتحدة، الحاكم الفعلي للمنطقة، التي استخدمتهم لأغراضها اللئيمة. رأس العين أصبحت سري كانيه، وتل أبيض درباس بيه، وأقاموا المحاكم الكردية، واحتفلوا بالمهرجانات الكردية، وبدأوا يسحبون الشباب والأطفال إلى الخدمة العسكرية معهم بالقوة، ورفعوا صور عبدالله أوجلان على المباني. والكل يعرف أن وجود عبد الله أوجلان كاد يشعل الحرب بين تركيا وسوريا أيام حافظ الأسد. وقد أعطى الجيش التركي الأسد إنذارا، إذا لم يطرد أوجلان خلال أسبوع، فإن تركيا ستجتاح الحدود. وأذعن يومها الرئيس البراغماتي الداهية حافظ الأسد، وطرد أوجلان في أكتوبر 1998 ليتم اعتقاله في نيروبي في 15 فبراير/شباط 1999.

النفاق العربي

إن أكثر ما يثير الغثيان هو هذا الموقف البائس والذليل لجامعة الدول، التي تدعي أنها عربية، تلتقي في اجتماع طارئ لتدين الغزو التركي لسوريا، وكأنها حريصة على أمن وسلامة وسيادة ووحدة أراضي سوريا، أي سقوط أكثر من هذا؟ فلماذا لم يكن هناك ممثل للدولة السورية أولا؟ وإذا كانوا لا يعترفون بالنظام فلماذا طارد أحمد أبو الغيط الوفد السوري في مقر الأمم المتحدة ليحضنهم ويقبلهم ويعرب عن شوقه لهم. ثم لماذا لم تقم الجامعة بإدانة الغزو الأمريكي لسوريا؟ ألم تدخل عام 2014 وأقامت قواعد لها ودربت الأكراد وسلحتهم، واقتطعت أجزاء من سوريا، وارتكبت الفظائع في دير الزور والرقة والحسكة وغيرها؟ ثم أليس هؤلاء المجتمعون هم من أنشأ الفصائل المسلحة ودربها وسلحها، وأغدق عليها المال لتحويل الثورة السلمية المطلبية في سوريا من حراك سلمي عارم إلى ثورة مسلحة، ليعطوا النظام ذريعة بالبطش بها، وهو ما كتبنا عنه في حينه، مؤكدين أن غزو اليمن وإجهاض الحراك الشعبي في البحرين والانقلاب الدموي في مصر، وعسكرة الثورة السورية، ودعم جنرالات الحروب في ليبيا، هي وجوه متعددة للثورة المضادة التي قادها محور الشر لإخماد صوت الشعوب وإجهاض حراكها السلمي نحو الحرية والكرامة وسيادة القانون والدولة المدنية.

هذا التيار المتصهين بدأ يحصد الخيبات الواحدة بعد الأخرى، سواء في تونس أو اليمن أو السودان أو الجزائر وقريبا في ليبيا. وكلنا أمل في أن نشهد قريبا نهاية النزاع الدموي في سوريا، لتعود لأمتها واحدة موحدة ذات سيادة تامة على كل شبر من أراضيها. لكن الأمنيات شيء والتطورات على الأرض قد تحمل الكثير من المفاجآت.

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي