“العونيّون” سحبوا “بيضة القبّان” من جنبلاط!

0
55

إعتبارًا من “ثورة الأرز” في العام 2005 حتى تاريخه، تراجع حضور ونُفوذ قوى “14 آذار” تدريجًا، نتيجة المُواجهة السياسيّة الشرسة التي تعرّضت لها، بالتزامن مع سلسلة من التفجيرات الإرهابيّة والإغتيالات الغادرة التي طالت شخصيّات بارزة فيها، إضافة إلى خلافات داخليّة بين أركانها. وشكّل إنتقال رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط مع عدد من نوّاب الكتلة التي يرأسها إلى موقع وسطي في كانون الثاني من العام 2011، ضربة قاسمة لهذه القوى(1). ومنذ ذلك الوقت إستحوذ النائب جنبلاط على دور محوري على الساحة الداخليّة، نتيجة التعاطي معه بصفته “بيضة القبّان” في التوازنات الداخليّة الدقيقة. لكنّ هذا الدور إنتهى حاليًا، حيث إنتقل “الثقل الداخلي” القادر على قلب التوازنات السياسيّة رأسًا على عقب-وبفارق كبير، إلى يد “التيار الوطني الحُر”. والأدلّة واضحة:
أوًلاً: إنّ دور وأهمّية كتلة “جبهة النضال الوطني” تراجعا أكثر فأكثر في خلال العام الحالي، بعد إنفراط عقد قوى “8 و14 آذار” السابقة، ككتل مُتراصة وواضحة التحالفات والتموضعات، لأسباب عدّة أبرزها: التقارب “العوني”-“القوّاتي” الذي تُرجم بداية عبر “إعلان النوايا” ثم عبر “إتفاق معراب”، والتنافس الرئاسي بين العماد ميشال عون وريس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجيّة وما تركه من ترسّبات بين الطرفين، وتمايز حزب “الكتائب اللبنانيّة” وتغريده خارج سرب التحالفات التقليديّة وُصولاً إلى إحراجه فإخراجه من الحكومة، ودفعه إلى موقع مُعارض، إلى غيرها من الأسباب.
ثانيًا: إنّ الحاجة إلى رئيس الجمهورية وكتلته الوزارية، وإلى الحُضور النيابي العائد إلى “التيّار الوطني الحُرّ” باتت مُلحّة أكثر من أيّ وقت بالنسبة إلى الأطراف السياسيّة كافة. فقوى “8 آذار” السابقة، وعلى الرغم من كل ما قيل وكُتب من أنّها إنتصرت عبر تشكيلة الحكومة الجديدة، تملك 9 وزراء فقط، ما يعني أنّها تفتقد إلى الثلث المُعطّل لأي قرار لا تُوافق عليه، الأمر الذي يجعلها مُضطرّة إلى التبجيل الدائم برئيس الجُمهوريّة، في محاولة لإبقائه في تحالف ثابت معها. أمّا قوى “14 آذار” السابقة، فعلى الرغم من حُصولها على 11 وزيرًا، وإمتلاكها “الثلث المُعطّل” بالتحالف بين ” تيّار المُستقبل” وحزب القوّات اللبنانيّة”، فهي باتت أقليّة ضُمن السلطة التنفيذيّة ككل. وإذا كانت مراضاة “الحزب التقدّمي الإشتراكي” تؤمّن لها الدعم من قبل وزيرين إضافيّين، فإنّ مُراضاة رئيس الجمهوريّة و”التيار الوطني الحُرّ” يؤمّن لها دعم 8 وزراء. من هنا، من المُتوقّع أنّ تشهد المرحلة المُقبلة، محاولات حثيثة لإستمالة الرئيس و”التيار”، من قبل مختلف القوى السياسيّة الداخليّة، نظرًا إلى الموقع القوي الذي صار “العَونيّون” يُمثّلونه في السلطة وداخل التركيبة اللبنانيّة ككل. واللافت أنّه يكفي تموضع رئيس الجمهورية و”التيار البرتقالي” في موقع وسطي وحيادي، حتى تكون قوى “14 آذار” السابقة مُتقدّمة بالنقاط على قوى “8 آذار” السابقة، داخل السُلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة. ولا شكّ أنّ إتفاق كل من “التيار” و”القوات” على إعادة تثبيت المسيحيّين في السُلطة والدولة ككل، سيُساهم في رفع فرص إعتماد الرئيس عون و”التيّار” الذي يُمثّله، الدور الوسطي المتوقّع.
ثالثًا: بالنسبة إلى السلطة التشريعيّة بالتحديد، إنّ “غرام” جزء من قوى “8 آذار” المُستجدّ بالعماد ميشال عون، لم يُترجم خلال الإنتخابات الرئاسيّة، حيث أنّ الأصوات البيضاء التي إستهدفت “الجنرال” بالأمس القريب، جاءت بأغلبيّتها الساحقة من جانب أحزاب وكتل تنتمي إلى قوى “8 آذار”، علمًا أنّ “الجنرال” معروف عنه بأنّه “يُسامح ولكن لا ينسى”. وفي ما خصّ كل المشاريع السابقة التي حاول “التيار الوطني الحُر” تنفيذها، فإنّ تعطيلها جاء من قوى سياسية من “8 و14 آذار” على السواء، الأمر الذي يجعل من الصعب تحديد الإصطفافات المُستقبليّة داخل المجلس النيابي. وحتى بالنسبة إلى التصويت المُرتقب على قانون إنتخابي جديد، فإنّ التوافق المُسبق بين “التيار الوطني الحُرّ” و”القوات اللبنانيّة” على التحالف إنتخابيًا، بهدف إستكمال إسترجاع الحُقوق المسيحيّة في الدولة اللبنانيّة، خلط الأوراق التحالفيّة رأسًا على عقب. وبالتالي، الأمور مفتوحة على مصراعيها بالنسبة إلى التموضعات المُحتملة بالنسبة إلى معركة إقرار قانون إنتخابات الدورة المقبلة(2).
في الخلاصة، الدور المحوري الذي لعبه النائب وليد جنبلاط في السنوات الماضية إنتهى في هذه المرحلة، وحلّ مكانه-وبفارق كبير بالفعاليّة والقوّة، حُضور “العَونيّين” على مستوى كل من السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة. ولأنّ الأمر كذلك، سنسمع في المرحلة المُقبلة الكثير من الثناء والمديح الذي سيطال “الجنرال” وفريقه السياسي، وذلك من قبل شخصيات لبنانيّة وحتى خارجيّة على طرفي نقيض سياسيًا وعقائديًا، خاصة وأنّ التموضع السابق بين قوى “8 و14 آذار” إنتهى.

النشرة – بطرس البستاني