الشيخ البلعوس: وشبح الفتنة في السويداء

0
44

السويداء/

نجحت السويداء حتى الآن في تحصين نفسها أمنياً على مدى سنوات الأزمة السورية. غير أن المخاوف من ضرب الاستقرار برزت مع ظاهرة الشيخ وحيد البلعوس، الذي انطلق في حملة تحريض على الدولة والجيش والمؤسسة الدينية، قبل أن يعلن أمس التزامه قرار مشايخ العقل والمشايخ الروحانيين. اكتسب البلعوس تعاطفاً من بعض أبناء السويداء بفعل التغطية الإعلامية له من قبل المعارضة وتسويقه كمخلّص السويداء من «خطر الحكم»

فراس الشوفي

تمرّ سنوات الأزمة بقسوة على محافظة السويداء في الجنوب السوري. ومع أن المحافظة التي يقطنها نحو نصف مليون نسمة لم تعرف طعم الحرب الجديّة والدمار والمعارك، إلّا أن جبل العرب حيث الغالبية الدرزية لديه ما يكفيه من أسباب التهديد والقلق.

فشرق السويداء مسرحٌ لتقاتل مسلّحي «داعش» من جهة، ومسلحي «جيش الإسلام» و«جبهة النصرة» من جهة ثانية. وحيث يمر في البادية نفط «داعش» الذي يسرقه التنظيم من آبار الشرق، باتجاه محافظة درعا وقراها، ما يضع القرى الشرقية في عين الخطر.

في الغرب، تقبع قرى الريف الشرقي لدرعا تحت سيطرة مسلحي «النصرة» وجماعات وكتائب متعددة الأهواء، غالبيتها ترتبط بالاستخبارات الأردنية والإسرائيلية وغرفة العمليات المشتركة في عمّان، من قرية ذيبين في الجنوب إلى قرى براق والصوَرة وخلخلة في الشمال. وهذه الجماعات لا يعرف أهالي المقرن الغربي منها إلّا القتل والخطف والسيارات المفخخة ومنع العمل في الحقول، وصولاً إلى اجتياح القرى، كما حصل في بلدتي داما ودير داما قبل أشهر.

الخطر الخارجي ترافقه ظروف اقتصادية ومعيشية خانقة بفعل الأزمة، شأنها شأن بقية المناطق الخاضعة لسلطة الدولة من الساحل السوري إلى دمشق، بدءاً من النقص الحاد في المحروقات وانقطاع الكهرباء والبطالة وغلاء الأسعار، وصولاً إلى «التحالف» بين جماعة الفساد المستشري في إدارات الدولة وبين «تُجّار الأزمات» من أبناء المحافظة نفسها. مع ذلك، تحتضن السويداء عدداً كبيراً من النازحين السوريين من مناطق أخرى.

وفيما يواجه أهالي الجبل البَرد والعَوَزَ بالصبر واختلاق البدائل البدائية، يواجه أبناء السويداء الأخطار الخارجية بالانخراط في فصائل مسلّحة عدّة تحمي القرى، وتساند مواقع الجيش السوري في الشرق والغرب.

هاجس الاقتتال الداخلي

منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، تعيش المحافظة هاجس الخوف من الاقتتال الداخلي، بعد تفشّي ظاهرة الشيخ وحيد البلعوس، وإطلاقه مواقف تحريضية ضدّ الدولة السورية والرئيس بشّار الأسد، فضلاً عن هدم أنصاره حاجزاً للاستخبارات الجويّة على مدخل بلدة المزرعة، ما استتبع اتفاقاً بين مشايخ العقل الثلاثة لطائفة الموحّدين الدروز وفاعليات المحافظة على إبعاده عن جسم المؤسسة الدينية واحتواء حالته.

من هو البلعوس؟

هو الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، في أواخر العقد الخامس من العمر، ابن قرية صميد شمال مدينة السويداء، ومن مواليد وسكّان بلدة المزرعة شمال غرب المدينة. سكن ضاحية جرمانا جنوب شرق دمشق خلال فترة خدمته في سلك الأمن السياسي ثمّ سلك الشرطة. وبعد تقاعده برتبة مساعد أول في بداية العقد الماضي، عاد إلى المزرعة، وامتهن العمل في البناء.

العودة إلى أرشيف صفحات التواصل الاجتماعي، ومعلومات المصادر الأهلية المواكبة لحركة البلعوس، تُظهر أنه «بدأ يكتسب شهرةً بسبب مواقفه المعادية للبدو الذين يقطنون السويداء ومحيطها، على خلفيّة أحداث الخطف التي تحصل دائماً بحقّ أبناء المحافظة. بدأ البلعوس عام 2014 بتحريض الأهالي على الخطف المضاد، مع كلّ حادث خطفٍ مقابل فدية، واتهام الدولة ورئيس فرع الأمن العسكري في السويداء ودرعا العميد وفيق ناصر بـ«عدم طرد البدو»، على قاعدة أن «كل البدو يتعاونون مع المجموعات المسلّحة، ويشكّلون خطراً على القرى». وغالبية عمليات الخطف المضاد على خطف أبرياء من السويداء، كانت تطال أبرياء من أهالي حوران والبدو، ما أزعج المؤسسة الدينية والدولة معاً، علماً بأن معظم المخطوفين من أبناء السويداء تُركوا مقابل فدية ولم يُطلقوا في عمليات تبادل.

انتقل البلعوس في تحريضه شباب السويداء الى مرحلة الدعوة لعدم الالتحاق بصفوف الجيش، واحتضن بعض رافضي الخدمة، ودعا إلى التسلّح بمعزلٍ عن التشكيلات العسكرية والأحزاب التي تنسّق عملها مع الجيش. وقد لقي خطاب رفض الخدمة استحساناً وسط شريحة الشباب، كما يحصل في مناطق أخرى بفعل قسوة الحرب، علما بأن عدداً كبيراً من أبناء السويداء يقاتلون في صفوف الجيش على خطوط النار إلى جانب أبناء المحافظات الأخرى.

غير أن المحطّة الأبرز في سياق حركته تمثلت في «العراضة» المسلّحة التي أقامها البلعوس مع عدد من رجاله أمام مقام عين الزمان قبل نحو 10 أشهر، على خلفية إشكال في خيمة انتخابية للانتخابات الرئاسية، واعتقال الأمن العسكري أحد المقرّبين منه بتهمة تجارة السلاح.

اكتسب البلعوس الزخم الأكبر في الأشهر الماضية، بعد استفحال الأزمة المعيشية وشحّ المحروقات في المحافظة، واتهم الدولة «بأنها تعاقب السويداء بحرمانها من المحروقات»، علماً بأن الأهالي يعزون السبب الى الحرب وإلى دور «تجّار الأزمات».

الهجوم على حاجز «الجوية»

بعد اقتحام مسلحي «النصرة» وبعض البدو لقريتَي داما ودير داما، منتصف آب الماضي، وقتلهم عدداً من الأهالي والأطفال، انتقل البلعوس إلى المحطّة الثالثة، وخصوصاً بعد سقوط شهداء عدّة من أبناء المحافظة؛ بينهم شقيقه في معارك تحرير داما. فصار يتحدث عن أن الجيش لم يتدخّل، وأن جماعته تولت تحرير البلدة، قبل أن يحظى بعد المعركة بلقب «شيخ الكرامة»، علماً بأن «الموازين العسكرية لا تسمح بذلك من دون دعم الجيش، بالإضافة إلى أن أغلبية الفصائل في المحافظة اشتركت في المعركة ومن ضمنهم مشايخ خارج حركة البلعوس، وبدعم واضح من مدفعية الجيش وسلاح الجو».

وتذكر مصادر ميدانية ومصادر المؤسسة الدينية، أنه «بعد تشييع شهداء المعركة، وعدم رفع العلم السوري خلال التشييع، هاجم عدد من أتباع البلعوس وغاضبون بيوت البدو في بلدة عريقة وحرقوا بعضها». وقد حال «نزول الشيخ يوسف جربوع على الأرض وتدخلات الشيخ أبو وائل الحناوي والشيخ حكمت الهجري دون مهاجمة الموتورين بيوت البدو في جبل السويداء».

إلّا أن القشّة التي قصمت ظهر البعير، وعرّت البلعوس من غطاء مشايخ العقل والمشايخ الروحانيين في المحافظة، كانت هجوم أنصاره على حاجز «الاستخبارات الجويّة» قبل نحو أسبوعين بعد إشكال مع عناصره وإطلاقهم النار في الهواء. ثم جاء خطابه الذي هاجم فيه الدولة السورية والأسد وطائفة العلويين. وتلى الخطاب تصريح للبلعوس ختمه بالقول: «ما بدنا الدولة الدرزية، بس إذا صارت، منحكم حالنا بحالنا»!

تحرك مشيخة العقل

تحرك مشايخ العقل الثلاثة في مواجهة هذه الظاهرة، وأصدروا في 30 كانون الثاني الماضي قراراً بإبعاد البلعوس وأتباعه عن المؤسسة الدينية، بسبب «تكرار الحوادث المخلّة بالدين وآدابه، والبعيدة كل البعد عن الأعراف الدينية». ويؤكّد أكثر من مصدر أن «المشايخ تشاوروا مع المشايخ الروحيين، وعقدت اجتماعات دُرس خلالها الموقف، ومخاطر ما يدعو إليه البلعوس، ومخاطر تفلّت الأمن في المحافظة في حال استمرار استهداف هيبة الدولة والقانون». وتشير مصادر أهلية إلى أن «فاعليات السويداء وعائلات المدينة والقرى المحيطة ساندت قرار مشيخة العقل لوضع حدٍّ لهذه الظاهرة، لأن استقرار السويداء خطٌ أحمر».

البلعوس فوجئ بقرار إبعاده، وجرى الحديث عن تباينات بين مواقف المشايخ الثلاثة، وخلاف بين الحناوي وجربوع من جهة، والهجري من جهة ثانية، وأن الحناوي وقف إلى جانب البلعوس. وذلك ربطاً بأن الحناوي كان حاضراً وصامتاً عندما أطلق البلعوس مواقفه الأخيرة. كذلك أصدر البلعوس بياناً عقب بيان المشايخ، وجّه فيه تحيّة للحناوي في محاولة لإظهاره كطرفٍ في مقابل جربوع والهجري.

يقول الشيخ الحناوي لـ«الأخبار» إن «من نشر الفيديو اقتطع كلامي، ونشر كلام الشيخ وحيد، ونحن لا نؤيّد مواقفه، إنما ذهبت مع وفد من ضمنه عبد الله الأطرش لمحاورة البلعوس، وإقناعه بالعدول عن مواقفه وعدم التهجّم على الدولة، ونحن سقفنا الدولة السورية والرئيس الأسد».

غير أن تصعيد البلعوس لم يصمد أمام قرار رفع الغطاء. وعلمت «الأخبار» أن اجتماعاً عُقد ليل الثلاثاء في منزل الشيخ ركان الأطرش حضره عددٌ كبير من المشايخ واستدعي البلعوس إليه، حيث «استمع إلى كلامٍ واضح بأن استقرار السويداء خط أحمر، وتمّ إبلاغه بضرورة الإذعان لقرار مشيخة العقل والتراجع عن مواقفه السابقة ونشاطاته». وبحسب مصادر الاجتماع، فإن «البلعوس أعلن أنه تحت سقف قرار مشيخة العقل، وأنه ملتزمٌ بخلاصات الاجتماع»، وهو ما أكّده أمس في مقطع فيديو بثّته الصفحات الموالية له، وهو يلقي خطاباً أمام عددٍ قليلٍ من الشبان تجمهروا أمام منزله في المزرعة. وذكر البلعوس في خطابه أنه «يلتزم بقرار الإبعاد» ويشير إلى أنه «لا نخرج عن طاعة المشايخ الروحانيين». وأمس، قام البلعوس بزيارات لمشايخ العقل للاعتذار منهم، وسمع موقفاً واضحاً من جربوع والهجري، كما طلب منه «إصدار تسجيل يعلن فيه أنه تحت سقف الدولة والرئيس ومشيخة العقل».

فهل بدأت نهاية الظاهرة، أم أن الرجل سيقود نفسه والسويداء إلى فتنة؟ الإجابة رهن بتطورات الأيام المقبلة.

الأخبار اللبنانية