السفير :عندما زرع العراقيون المعكرونة والسوريون البيتزا!

0
95

في مسألة الغذاء، لا يمكن كثيراً الثقة بالآخرين، سيرحّب بك صديقك مقدماً لك طعام العشاء لمرة مبتسماً، وفي الثانية سيفعلها على مضض، وفي الثالثة تأكد أنه سيطلب دفع ثمن ما أو يغلق بوجهك الباب.

تصح هذه البديهة على كل أنواع السياسات الدولية، فلا شيء مجاني في عالم النيوليبرالية، بما في ذلك ثالوث البقاء: الهواء والماء والغذاء، وعلى حد سواء، تفهم الدكتاتوريات والديموقراطيات تماماً هذه البديهة في فلسفة التوحش هذه، لذلك تحرص الديكتاتوريات على إبقاء شعوبها ضمن الحدّ الذي تبقى فيه تابعة لها، وتمتنع الديموقراطيات عن ذلك لأن شعوبها إذا جاعت تلتهمها، ولكن لا بأس إن جاعت شعوب أخرى، لا بل يُفضل أن تنقرض كي تخفف عبء المائدة البشرية.

مسألة القمح العراقي والسوري توضح جلياً أن المفردات التي تستخدم في السياسة كما الإعلام، تلك التي تنبع من الإنسانية والتعاطف مع أي كان مجرد «علاك مصدّي»، تستخدم وقت الحاجة فقط. يجب عليك أن تجوع أو تموت، وهو الأفضل، حتى يعيش آخرون برفاهية. والآخرون ليسوا الأعداء بالضرورة. هل تذكرون حديث برنارد لويس صاحب «الفراغ المقدس» أننا ـ العرب ـ نعيش مظاهر الانقراض؟

العراق وسوريا ومصر، من أوائل البلدان التي شهدت الزراعة المبكرة في التاريخ، ونجح مزارعوها عبر آلاف السنوات وعبر التهجين والانتخاب الطبيعي بتأمين بذور نوعية مناسبة للظروف المناخية لأراضيهم، وأولها قصر مواسم الأمطار ونقص موارد المياه، ولذلك كانت نوعيات الحبوب المنتجة هنا من النوع القاسي الممكن استخدامه في مناطق أخرى مشابهة في العالم.

حفظ المزارعون هذه الحبوب وتبادلوها بين الأجيال بحب وودّ ومن دون مقابل في كثير من الأوقات. حتى العام 2003 كان لدى العراق وسوريا نظام تأمين بذور مركزي يؤمن حاجة المزارعين من البذور المختلفة مجاناً تقريباً، ويجمع أكثر من مئة نوع من الأقماح وحدها. هذا النظام تمّ تدميره كله تقريباً في العراق ويدعم اليوم فقط ما نسبته 5 في المئة من مجمل حاجته (المعلومات من حديث للناشطة العراقية داليا وصفي)، أما في سوريا فإن الوضع أقل كارثية، ولكنه لا يبشر بالخير كثيراً.

لم يستورد العراق القمح ولا الطحين، برغم كل الحروب التي أشعلها «القائد الضرورة» في المنطقة، وبقي مكتفياً غذائياً حتى بدأت العقوبات الأميركية بتواطؤ دولي على الشعب العراقي قبل نظامه مؤديةً إلى أكثر من مليون ضحية.

الحاكم السامي للعراق، الرفيق بول بريمر الذي يعتبر العراق قطعة من قلبه، كما قال ذات مرة، أصدر مئة قرار سامٍ (شكّلوها كيفما تشاؤون) تصبّ كلها في خدمة العراقيين «المساكين»، الخارجين من جحيم الدكتاتورية إلى نعماء الديموقراطية، أكثر هذه القرارات وقاحة القرار رقم 81 الذي يحمل عنوان «براءة الاختراعات والتصميم الصناعي وسرية المعلومات والدوائر المتكاملة وتنوع المحاصيل»، وهو يعدّل قانون براءات الاختراع الأصلي في العراق الصادر العام 1970. الفقرة الأكثر وقاحة هي تلك التي تقول بعدم إمكانية تعديل هذا القانون من قبل أي حكومة منتخَبة لاحقة!

أدرج بريمر في قانون الاختراع العراقي القديم فصلاً جديداً يسمح بحماية «الأصناف النباتية الجديدة» كحق من حقوق الملكية الفـــكرية أو نوع من براءة الاخـــتراع للأصناف النباتية، ويعطي حق الاحتـكار بزراعة نباتات لمن يدعّي اكتــشاف (؟) مجموعة نباتات جديدة، ومن الواضح أن هذه الحماية لا تهدف لحماية الأصناف النباتية بل لحماية المصالح التجارية لكبرى الشركات، فالمزارعون العراقيون بالتأكيد ليست لديهم القدرة على استنبات أصناف نباتية جديدة. ويحظر القرار ـ الأمر كما ورد في النسخة الإنكليزية Order ـ على المزارعين استخدام البذور التي أنتجوها لإعادة زراعة أراضيهم، وليس فقط تلك التي توزع عليهم، بل تلك التي سبق لهم الاحتفاظ بها.

فتح قانون بريمر الباب بشكل قانوني للشركات العابرة للقارات (الأميركية طبعاً) للاستثمار وحدها في قطاع لا يمكن للمزارعين العراقيين ضمن جهودهم الذاتية محاربته. فالقانون يمتدّ حتى المواد المحصودة بما يعني التحكم بشراء المنتج من المزارعين بما في ذلك للدولة العراقية التي هي أبرز الغائبين عن هذه المعركة. والخلاصة أن القرار ينصّ على أنه محظور على المزارع العراقي حفظ البذور ومشاركتها مع غيره وإعادة زراعتها.

وزعت حكومة الائتلاف ومن ورائها عملاق الحبوب المعدلة وراثياً في العالم شركة «مونسانتو» ستة أنواع من حبوب القمح (المعدلة وراثياً) على المزارعين العراقيين، ثلاثة منها تستخدم لإنتاج المعكرونة! في بلد تتناهبه الحرب كما الجوع، تذهب جهود أهم قطاع زارعي للتصدير وسط معاناة العراقيين من نقص في الأغذية والحبوب.

ولم يكن غريباً بالتالي أن يكون المستشار الزراعي لبريمر المدير الرئيسي السابق لشركة «كارجل»، كبرى الشركات الأميركية التي تصنع المواد الكيميائية المكافحة للآفات الزراعية «دانييل آرمستوتز»، وهو موظف سابق في إدارة الأغذية الأميركية أيضاً.

في سوريا، نجحت الدولة بتأمين حاجة الناس من القمح والخبز والغذاء والبذار حتى العام 2012 بقدرات محلية، ونجحت بالتعاون مع «مركز أبحاث المناطق الجافة» (إيكاردا) قرب حلب، بإنشاء بنك بذور فريد من نوعه ضمّ أكثر من 161 ألف عينة نموذجية أودعت نسخة احتياطية منها فيما سُمّي سفينة نوح البذور (سفالبارد) على مسافة 1300 كيلومتر من القطب الشمالي.

شملت البذور المطوّرة عبر الانتخاب الطبيعي لعقود، طيفاً واسعاً من مختلف أنواع الحبوب المقاومة للجفاف والأمراض في المنطقة المنخفضة الأمطار (أقل من 200 ملم سنوياً) وتصلح للزراعة في أكثر من منطقة حول العالم، ومنها شام1 و2 وحوران 1 وغيرها، وبقي المركز لسنوات يوزع لأكثر من 169 بلداً حول العالم بذوراً طبيعية ذات إنتاجية عالية.

مع اشتعال النار السورية، خرجت أكثر من نصف مناطق إنتاج القمح شمال وجنوب البلاد عن الإنتاج، وانخفضت تقديرات المساحة المزروعة إلى أقل نسبة لها منذ الستينيات، وبدأ وصول الطحين (الأميركي) عبر الأردن إلى مناطق عدة، كما هو حال مناطق حوران التي كانت في يوم «إهراءات روما». أما احتياطي البلاد الاستراتيجي الذي كان يكفي لسنوات قادمة ووضع أغلبه في صوامع الشمال (الحسكة وحلب والرقة)، فقد باعه «ثوار الكرامة والحرية» بسعر التراب إلى تركيا وقطر، قبل أن تأتي «داعش» وتحصد البقية الباقية منه، ولتستورد سوريا للمرة الأولى منذ خمسين عاماً طحيناً من روسيا وأوكرانيا.

وضع البذور السورية إلى اليوم ليس حرجاً، إلا أن معلومات قادمة من مناطق الشمال والجزيرة تشير إلى توزيع بذور معدلة وراثياً (والقمح أولها) دون مقابل عبر المساعدات الزراعية التي تقدّمها جهات عديدة من بينها الأمم المتحدة ومنظمات تعمل تحت غطاء إنساني تتعامل مع شركات محددة ومنها شركة «مونسانتو» كبرى شركات البذور المعدلة وراثياً، التي افتتحت في الأردن مكتباً إقليمياً برغم أن الأخير لا ينتج القمح.

كذلك تشير المعلومات المتوافرة لدينا من ناشطين وخبراء في هذا المجال إلى أن البذور المقدمة للمزارعين في هذه المناطق تشبه تلك التي قدمت لمزارعي العراق، وتفادياً «لتفتيح العين» عليها، فهي تقدم كل مرة باسم تجاري جديد منتجة من قبل شركات صغيرة استحوذت عليها شركة «مونسانتو» في مناطق متعددة من الشرق الأوسط، علماً أن البحث عن المصدر التعريفي الخاص بهذه البذور (index) عملية غير ممكنة.

ناشطون من الجنوب السوري أفادوا بأن حبة القمح «حوران1» الأكثر بروتيناً في السلالة السورية قد انقرضت أو تكاد محاولين تفادي حصول الكارثة المعدلة وراثياً للأجيال المقبلة، فيعلمون على إنشاء بنوك بذور عضوية محلية (بلدية) ومشاركتها بين المزارعين، على أن كل هذا العمل المقدرة قيمته كثيراً، لن يعدو أن يكون جزءاً بسيطاً مما يجب على الحكومات وأولها السورية أن تفعله، ولكن هل يمكن ذلك وسط التوحش العولمي المتزايد يوماً إثر آخر؟