الروس يضعون فيتو على فدرلة سوريا

0
41

يشمل مشروع فيدرالية الجمهورية العربية السورية عددا من العوامل المترابطة التي يمكن أن تفاقم الوضع في الشرق الأوسط، ولها عواقب بعيدة المدى ليس فقط بالنسبة لسوريا نفسها ولكن أيضا بالنسبة للدول التي تشارك في شكل مباشر أو غير مباشر في الحلول الحالية للأزمة.

ينبغي أن نؤكد أن مشروع الفدرلة لم يتم نقاشه خلال المفاوضات الأولية عن طريق روسيا أو الولايات المتحدة. ولا يوجد في الوثائق الختامية التي أعدت بناء على محادثات جنيف شيء من الفدرلة. بالعكس فهي تشير إلى ضرورة الحفاظ على سوريا موحدة. لا يمكننا استبعاد تأثير بعض جماعات الضغط في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية التي تدعم مشروع الفدرلة، لكن رسميا، لا أحد يعترف بالفيدرالية.

ويمكن أن نذكر عدة جوانب من هذه الفدرلة:

– من الناحية الجيوسياسية، الموضوع مرتبط مع إعادة تشكيل سوريا والدول المجاورة لها.

– رمزيا، ولها تأثير سلبي وطبيعة استطرادية.

– العرقية والدينية، فإنها تؤثر على العلاقات بين الجماعات العرقية والدينية.

سوريا هي المستعمرة السابقة التي تم إنشاؤها على أنقاض الإمبراطورية العثمانية نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو. لم يتجلَ الاستعمار الجديد في الممارسة بشكل واضح في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، ولكن مع بداية الاضطرابات والنزاعات المسلحة، فإن إشراك جهات فاعلة خارجية في زعزعة الاستقرار في سورية أصبح واضحا. حدود الجمهورية العربية السورية الحالية هي إرث ما بعد الاستعمار، في حين أن الشكل الحكومي هو بداية جزء من العصر الحديث. تعاني الدول المجاورة كذلك من عدم الاستقرار المزمن ونقص الموارد المستقلة الكافية للتوسع. ولذلك، فإن التغيير في الحدود السورية هو مفيد للجهات الخارجية، والتي تميل إلى اللعب على التناقضات والصراعات لصالحها.

وعلى مستوى التداعيات السلبية، التغيير السياسي والإداري في سوريا يمكن اعتباره انهيارا للنظام القديم، والذي يتضمن الاشتراكية العربية، والقومية، وحركات التحرر، والجمع بين نظام علماني مع الإسلام المعتدل. العامل الديني هو أيضا مهم جدا. العالم الإسلامي يعرف جيدا جدا الحديث عن دور دمشق: “أريت أن ابن مريم عليه السلام يخرج من عند يمنة المنارة البيضاء شرقي دمشق واضع يده على أجنحة الملكين بين ريطتين ممشقتين” ويقال أيضا إن الدجال، سيظهر  على ما يبدو على أبواب دمشق المطلة على الشرق … سوف يتم البحث والسعي وراءه لكن لا أحد قادر على الامساك به.. ثم سوف يظهر بالقرب من نهر الكسوة … سوف يتم البحث عنه، لكن لن يعرف أحد إلى أي اتجاه ذهب. يتم تفسير هذه الرؤى الرهيبة بشكل فريد من قبل المسلمين في سياق الصراع الحالي في سوريا. سوف ينظر للفدرلة على أنها انتصار للدجال وعلامة من علامات نهاية الزمان، الأمر الذي سيؤدي إلى عواقب اجتماعية (ثورات عفوية، تحميل إسرائيل جميع هذه القضايا، واللامبالاة السياسية، وما إلى ذلك).

العوامل العرقية والدينية

سوريا هي موطن للعرب وأقليات عرقية مختلفة مثل الأكراد والآشوريين والأرمن والتركمان والشركس. العرب هم الأغلبية 93٪، في حين الاكراد يشكلون 5٪. وتتكون الـ 2٪ المتبقية من المجموعات العرقية الأخرى. تقريبا جميع الفئات تستخدم اللغة العربية. العرب السوريين هم ساميون غربيون، ويختلفون عن الساميين الشرقيين مثل المصريين والبربر، وقبائل المملكة العربية السعودية. نستطيع أن نقول إن العرب السوريين لديهم هوية خاصة بهم تختلف عن غيرهم من العرب في المنطقة. تفتيت سوريا قد يؤدي الى انقسام كامل للهوية العربية السورية وظهور هويات إثنية جديدة (مع عناصر قديمة من المرتكزات الثقافية والتاريخية).

أما بالنسبة للدين، 80٪ هم من المسلمين السنة، كما تضم العلويين والاسماعيليين والشيعة (13٪)، والمسيحيين الأرثوذكس، الكلدانيين، والكاثوليك (حوالي 4.5٪)، والدروز (3%).

إذا كانت الدولة ستقسم على أسس عرقية ودينية، فإن مسألة منح نفس الحقوق للأكراد وللمسيحيين وغيرهم من الجماعات هي مسألة منطقية.

ولكن المشكلة تكمن في حقيقة أن جميع الجماعات العرقية والدينية تختلط معا. المسلمون والمسيحيون يعيشون معا، وفي المناطق الكردية (في شمال سوريا)، هناك العرب والآشوريون. وبالإضافة إلى ذلك، لا ترتبط المناطق الكردية الثلاث في شمال البلاد ببعضها البعض، وهنا بالتالي توجد مشكلة تحديد الحدود الإدارية. أهل السنة يعيشون في  الساحل، حيث معظم السكان علويون، وكذلك العلويون يعيشون أيضا في وسط البلاد في مدن مثل حماة وحلب ودمشق وغيرها.

لا روسيا الاتحادية ولا الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تصبح نماذج للفدرلة في سوريا. هذه الحالات هي نتاج استقلال تاريخي، في حين “الفدرلة” في سوريا، على العكس من ذلك، تسبب صراعات جديدة بما في ذلك نزوح مجموعات عرقية  وصراعات حول الحدود والأراضي. الطريقة الأنسب في هذا الصدد هو الانتقال ليس إلى وحدة فيدرالية، ولكن إلى هوية سورية موحدة التي يمكن أن تلبي تماما مفاهيم الدول الغربية ( مفاهيم الحقوق والحريات، والقومية المدنية).

العامل الكردي

الأكراد حاليا هم القوة الرئيسية التي تعمل لصالح مشروع الفدرلة. وليس من قبيل الصدفة أن القضية الكردية كانت مغطاة في الآونة الأخيرة من قبل الصحافة الأمريكية ومراكز البحوث المتخصصة (معهد “أميركان إنتربرايز”، ستراتفور، مؤسسة راند RAND)، مما يدل على تفعيل السياسة الخارجية في هذا الاتجاه. طريقة التأطير السياسي لعملية التلاعب بالرأي العام وإعداد مجموعات الضغط في مراكز اتخاذ القرار هي قيد العمل هنا.

مع الأخذ بعين الاعتبار هذا الكلام، فإنه يمكن افتراض أن الولايات المتحدة سوف تزيل حزب العمال الكردستاني من قائمة المنظمات الإرهابية. واشنطن مهتمة في إقامة علاقات دبلوماسية مباشرة مع الجناح السياسي لهذا الهيكل، في حين أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لديها بالفعل اتصالات مع جماعات حزب العمال الكردستاني شبه العسكرية في سوريا. سيقوم مسؤولون أمريكيون بشرح الحاجة إلى الحوار من اجل دفع حزب العمال الكردستاني وشبكاته في بلدان أخرى إلى طريق الديمقراطية والليبرالية الاقتصادية.

تقرير مايكل روبن بعنوان «الكردستاني الصاعد» (معهد أميركان انتربرايز) يلاحظ أن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية لفدرلة العراق لها بعض الآثار على المنطقة الكردية (تم إنشاء الحكومة الاتحادية لكردستان العراق تحت الإشراف المباشرة للجيش الأمريكي ونص على ذلك في الدستور العراقي 2005).

هذا النموذج يمكن أن يستخدم لسوريا وتركيا. ومن الواضح أن الولايات المتحدة تريد تكرار تجربة بناء الدولة القومية في سوريا، لتغيير الدستور، وإذا أمكن، فرض سيطرتها العسكرية على بعض أجزاء من الأراضي.

في سوريا، كان موقف الأكراد أفضل بكثير مما هو عليه في تركيا والعراق. وتم التركيز في التلاعب بالأكراد باستخدام لغتهم باعتبارها قوة إقليمية وحثهم على المطالبة باهتمام حكومي أكثر في النواحي الثقافية الكردية.

منذ عام 2012، قامت المنظمة الكردية في سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني بدور الحكومة المؤقتة لكردستان سوريا. ومنذ أن تمت إزالتهم من محادثات جنيف، نأى الحزب الاتحادي الديمقراطي بنفسه عن التعاون مع الحكومة السورية. ولكن الولايات المتحدة أقامت علاقات وثيقة مع الحزب الاتحادي الديمقراطي، وقدمت لهم مساعدات عسكرية. تم إنشاء الجيش الديمقراطي الكردستاني على قاعدة عسكرية خاصة بدعم مباشر من الولايات المتحدة. وتم تأسيس قاعدتين عسكريتين للولايات المتحدة بالقرب من عين العرب. وكذلك قاعدة فرنسية هي الآن قيد الإنشاء، في حين أن إقامة قواعد ألمانية وبريطانية لا يزال موضوع نقاش.

في هذا السياق، لا بد من الالتفات إلى الشتات الكردي، الذي ينشط في الولايات المتحدة وبريطانيا، وفرنسا، وهولندا، ولكن الأهم من ذلك كله في ألمانيا (في الغرب).

كما برنامجهم السياسي، الأكراد السوريين ينفذون بفعالية أيديولوجية “الشوفينية الكردية”، نهجهم الذي تم اتباعه في عهد عبد الله أوجلان وتم تكراره من قبل الأفكار التحررية الأمريكية (أميتاي إتزيوني ومجموعة المدافعين عن الحريات في إدارة أوباما). الشخصية الرئيسية التي تهم الولايات المتحدة الآن هي إلهام أحمد. وقد اجتذب هذا الشخص اهتماما كبيرا. وفي الوقت نفسه، لم تحاول روسيا بنشاط التأثير على سياسات وأيديولوجية الأكراد السوريين.

تهديدات عملية الفدرلة

في الواقع، إن فكرة الفدرلة لا يتردد صداها مع الغالبية العظمى من السوريين كونها ستعزز التجزئة في البلاد. لا يزال هناك عدد من الأسباب الداخلية التي يمكن أن تثير مشاكل لمشروع الفدرلة.

أولا، هناك صراع على الموارد بين العشائر الكردية. في كردستان العراق، كانت هناك مشاكل خطيرة مع الفساد واغتصاب القلة للسلطة. وأدى ذلك إلى مزيد من تفكك المجتمع، الذي لم يكن على استعداد لنظام ديمقراطي من النوع الغربي في مرحلة ما بعد الصراع. ووفقا للمثقفين الأكراد من العراق، هذه المشاكل الداخلية تشكل تهديدا أكبر للتطلعات الكردية من جيران كردستان الخارجيين.

ثانيا، إعادة تهيئة داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى . فالارهابيون والمتطرفون يمكن يستخدموا فكرة الفدرلة للتعبير عن تطلعاتهم للحصول على موطئ قدم في منطقة معينة. بعد هذا التغيير بالنسبة للمنظمة الإرهابية، سيتم استئناف النشاط الإجرامي، بما في ذلك العنف المنظم.

وهناك أيضا خطر أن مشروع الفدرلة يمكن أن يدعم من قبل السكان غير الأكراد في سوريا. على وجه الخصوص، فعدد من العلويين في اللاذقية يقبل هذه الفكرة. حيث دعم الملياردير أيمن جابر، الذي يمول فعلا جيشا خاصا (صقور الصحراء)، مشروع الفدرلة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجيش السوري الجديد الذي أنشئ في الأردن يهدد الفدرلة. ويبدو أن الهدف الرئيسي من هذا الهيكل هو خلق ممر من الأردن إلى شمال سوريا، إلى دير الزور، قرب الحدود مع العراق. وفي وقت لاحق، وبحجة عدم وجود رقابة من قبل الحكومة الشرعية، يمكن استخدامه كحجة لصالح الفدرلة.

من حيث التخطيط الاستراتيجي، ويمكن لهذا الممر إنشاء مسار جديد للطاقة من قطر والمملكة العربية السعودية إلى كردستان المستقلة، ثم الى تركيا والاتحاد الأوروبي. وهذا له تأثير كبير على مصالح روسيا كمورد للنفط والغاز إلى الدول الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، فإن روسيا تواجه أضرارا خطيرة لصورتها. والفدرلة من سوريا، مع كل عواقبها المحتملة، ستكون فشلا دبلوماسيا يدل على أن موسكو غير قادرة على الدفاع عن مصالحها واجراء حوار مع مختلف الجهات الفاعلة.

من موقع Kathelon