الرواية الكاملة للساعات الأخيرة قبل استقالة هادي

0
25

صنعاء/

الحوثيون يحكمون اليمن، ونقطة على آخر السطر. هكذا قلبت كلمة “بسرعة” التي قالها قائد حركة “أنصار الله” السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي صفحة تاريخ يمني وبدأت صفحة جديدة تحت عنوان: “الأمر للجيش واللجان”. أعلنت أنصار الله أنها ذاهبة إلى تشكيل مجلس رئاسي يكون الجيش عموده الفقري. أصاب الذهول دول الخليج وحبس اليمن أنفاسه والمجتمع الدولي مرّر كلمة السر في أذن هادي وحكومة خالد البحاح: “فشلتم”. فما الذي حصل قبل أن تخرج بيانات الاستقالة؟

مجلس الأمن وواشنطن: لن نتدخل وسنتعامل مع الأقوى!

لم يكن هذا التوجه الدولي مفاجئاً، فمنذ سيطرة أنصار الله واللجان الشعبية على صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر من العام الماضي كان واضحاً أن الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية ينظر إلى الأزمة اليمنية من منظار المصالح فقط، ومن يملك السيطرة على الساحل الغربي لليمن ومضيق باب المندب يستطيع أن يفعل في الداخل اليمني ما يراه مناسباً طالما لم يتعرّض، حتى الآن، للمصالح الغربية.

إتصالات الرئيس عبد ربه منصور هادي المكثفة قبل استقالته أفضت إلى هذه النتيجة، وكان يكفي عودة المبعوث الدولي جمال بن عمر من نيويورك إلى صنعاء ليسلّم هادي القلم الذي بحبره ينبغي توقيع قرار “التنحي” عن إدارة السلطة الانتقالية منذ خروج الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح من الحكم عام 2011. وتكشف المصادر أن مسارعة بن عمر للاتصال بقيادات الحوثيين قبل أي طرف يمني آخر شكّل مؤشراً سلبياً لدى الأطراف التي لطالما اعتمدت في مواجهتها للحوثيين على الرعاية الدولية. مؤشر سرعان ما تحوّل إلى حقيقة حين قال بن عمر لمستشاري هادي: “لقد فشلتم..إذاً تنحوا ولا تنظروا إلى الخلف”. ثم عقد المبعوث الدولي مؤتمره الصحفي ليعلن فيه: “ندعو اليمنيين إلى الحوار وضبط النفس…”. كان هذا إعلاناً باعتراف الرعاة الدوليين بمجلس الرئاسة قبل أن يتشكل.

قبل ساعات من عودة بن عمر كان ممثل أنصار الله في الهيئة الاستشارية الرئاسية يطلب من الرئيس أن يكتب “بسرعة” (بكل ما تعنيه كلمة بسرعة حسب تعبير السيد الحوثي في كلمته المتلفزة الأخيرة) ورقة البنود الثلاثة: توسيع الهيئة الدستورية – تجميد مشروع الستة الأقاليم – التحرك عسكرياً لحل عقدة محافظة مأرب الأمنية.

مجدداً، دخل هادي لعبة المماطلة عبر الحديث عن إدراج بنود المبادرة الخليجية ضمن الورقة، ومن ثم تحويلها إلى الحكومة للنقاش…لكن حبات الرمل في ساعة المهلة التي أعطاها الحوثيون أوشكت على النفاد. أعاد هادي اتصالاته الأخيرة التي شملت هذه المرة دولاً خليجية على رأسها المملكة العربية السعودية، فلم يسمع إلا ما مفاده: “عليك إعطاءنا المزيد من الوقت لنجري اتصالاتنا مع الغرب”، إذاً فدوامة الاتصالات لن تجدي نفعاً.

نظر هادي إلى الأطراف الداخلية: الجيش بمعظم قياداته يؤيد مطالب أنصار الله التي تقف إلى جانبه في مواجهة هجمات تنظيم القاعدة الدموية، الأحزاب بغالبيتها تحمّله مسؤولية الفشل والعجز عن إدارة البلاد، حتى أقرب مستشاريه طأطؤوا رؤوسهم: الحوثيون أصبحوا يحكمون معك أو بدونك. وهكذا، فإن البقاء في السلطة لا يعني إلا مشاركة “أنصار الله” شراكة تامة في إدارة البلاد بكل تفاصيلها، وهذا ما لن تتحمله الدول الإقليمية الداعمة لهادي.

فرحة الجنوب باستقالة هادي كتبت أول سطر في العهد الجديد

سبق الجنوبيون سكان “صعدة” وخرجوا في مسيرات احتفالية بخروج هادي وحكومة البحاح من الحكم. عجزت الفضائيات الخليجية طوال ساعات التغطية المفتوحة بعد إعلان الاستقالة عن العثور على صوت جنوبي يندد بتسلّم الحوثيين الحكم، حتى أن ممثلي الأحزاب الجنوبية أكدوا أن الوقت ليس مناسباً للحديث عن الانفصال، فالأهم هو استقرار الشمال وانتظار تشكيل المجلس الرئاسي. إذاً فاتصالات “أنصار الله” طوال الأشهر الثلاثة الماضية كانت أنجع من كل التحريض الذي مارسته تلك الفضائيات. حتى تسريب الاتصالات الهاتفية بين علي عبد الله صالح وبعض قيادات أنصار الله تحوّلت من مادة للتحريض على الحوثيين إلى بروباغندا معاكسة طمأنت كل الغاضبين من أداء آل الأحمر وحزب الإصلاح ودموية تنطيم “أنصار الشريعة” التابع لتنظيم القاعدة، مع ما يعنيه ذلك من تأكيد أن خيارات زعماء القبائل الذين تحالفوا مع الحوثيين كانت صائبة، فالحوثيون في سرّهم هم تماماً كما في علانيتهم.

مصادر جنوبية كشفت لـ”موقع العهد الإخباري” أن وقوف الجيش إلى جانب أنصار الله يشكل ضمانة للجنوب بأن المرحلة الجديدة من تاريخ اليمن سيكتب فصولها اليمنيون فقط، دون أي ابتزاز خارجي لذمم السياسيين الجنوبيين، وحين يتكلم اليمنيون مع بعضهم البعض فإنهم يتشاركون لغة واحدة تعيد لبطون العرب التاريخية رمزيتها وحيثيتها، ليس في اليمن فقط، بل في شبه الجزيرة العربية كلها، وهنا لا مكان للمذهبية.

اليمن إذاً دخل مرحلة جديدة، وليلة التاسع عشر من الشهر الجاري، أي بعد ساعات فقط على محاصرة دار الرئاسة جنوب العاصمة، وفي اتصال هاتفي أكدّ مصدر قيادي في أنصار الله لـ”موقع العهد” أن التحرك باتجاه مقر الرئاسة ومقر الحكومة ليس إلا كتابة الأحرف الأولى من تاريخ اليمن الجديد، وأن أنصار الله “تملك كامل الرؤية والقدرة على إخراج البلاد من نفق التفكيك إلى درب مستقبل يبني فيه اليمنيون جميعاً دعائم دولةٍ مقتدرة نظيفة من سوس الفساد الذي أوشك أن يهدم أركان المؤسسات ويسلمها للخارج“.

لكن، مما لا شك فيه، أن الأنظار ستتجه الآن إلى أداء أنصار الله والجيش معاً باتجاهين: تثبيت استقرار المؤسسات الرسمية من رأس هرم الدولة إلى قاعدة المصالح الخدماتية، والثاني، الإمساك بالواقع الأمني الذي سيحاول الكثيرون تفجيره بشتى السبل، ولعل زاوية المثلث الأمني ستكون في مأرب التي لم تكن تنتظر سوى قرار رسمي، أصبح الآن بيد رأس الحربة، في مواجهة تنظيم القاعدة.

موقع العهد