الردع الأمريكي ينهار في الشرق الأوسط

0
81

رغم الترحيب بالغارة الأمريكية التي أدت إلى مقتل زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي في نهاية الأسبوع، فهي لا تمحو الضرر الذي لحق بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال الأشهر القليلة الماضية.

مهما كانت التفسيرات التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأنصاره لتبرير الدافع بسحب القوات الأمريكية من شمال شرقي سوريا في وقت سابق من هذا الشهر، فإن الصور الحذرة التي تلت ذلك تروي قصة مختلفة تمامًا.

الجنود الأمريكيون يتراجعون ويتخلون عن حلفاء الحرب، ومالت المكاسب التي تحققت بصعوبة في ساحة المعركة لأكثر أعداء أمريكا خطورة.

توصل كل من أصدقاء وأعداء الولايات المتحدة بسرعة إلى استنتاج مفاده أن ترامب لا يملك أيّ رغبة بالاستمرار بدعم القتال.

خفَّف مقتل البغدادي التصور الشائع بأن الردع الأمريكي في الشرق الأوسط ينهار.

هذا هو الحال بشكل خاص في أعقاب الهجوم الصاروخي من دون طيار لإيران على المنشآت النفطية السعودية الشهر الماضي، إنها كارثة كبيرة مثل سوريا، وهي حالة معقدة للغاية.

ووجدت الولايات المتحدة نفسها عالقة بين اثنين من الحلفاء المفترضين أعداء اليمين: تركيا، وهي شريك في معاهدة ذات أهمية إستراتيجية وميليشيات الحماية، المشكلة هي أن الانسحاب الأمريكي من سوريا ليس حدثًا منعزلاً.

على العكس من ذلك، فهو يأتي في أعقاب أكثر من خمسة أشهر من التذبذب الأمريكي في مواجهة حملة عدائية متزايدة ووقحة من قِبَل الإيرانيين في المنطقة والتي بلغت ذروتها في هجوم الشهر الماضي على المملكة العربية السعودية بحسب الاتهام السعودي.

حدَّدت إدارة ترامب إيران مراراً وتكراراً على أنها أكبر تهديد لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومن بين أعلى أولويات الأمن القومي.

ويشن ترامب حملة بأقصى قدر من الضغط هادفاً إلى خنق اقتصاد إيران وتقييد قدرتها على إحداث الفوضى الإقليمية.

إن عمر الروابط الدفاعية لواشنطن مع النظام السعودي أكثر من 70 عاماً وكذلك الرأي القديم القائل بأن ضمان أمن موارد النفط في الخليج العربي أمر حيوي لرفاهية الاقتصاد العالمي وبالتالي الاقتصاد الأمريكي.

في يناير 1980، قام الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بإضفاء الطابع الرسمي على التزام واشنطن تجاه الخليج بمبدأ كارتر، وهو إعلان صريح بأن أمن المنطقة يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وأنه سيتم صدها تهديدات المنطقة الخارجية بواسطة أيّ شيء ضروري بما في ذلك القوة العسكرية.

مع ذلك، رغم الطبيعة الغامضة لالتزام الولايات المتحدة الطويل الأمد تجاه المنطقة، والأولوية القصوى التي توليها إدارة ترامب لمواجهة إيران، فإن استجابة الولايات المتحدة لسلسلة طويلة من الاستفزازات الإيرانية الخطيرة على نحو متزايد تحمل أوجه تشابه واضحة مع عدم الاستقرار الذي كان في سوريا؛ ما يوحي بأن هناك بالفعل نمطاً مقلقاً في العمل.

بين أيار وسبتمبر، تقول وزارة الخارجية: إن إيران كانت مسؤولة عن أكثر من 40 هجوماً، بما في ذلك التهديدات ضد حرية الملاحة والإرهاب واحتجاز الرعايا الأجانب كرهائن.

وتشمل أبرزها الهجمات على ناقلات النفط الدولية في الخليج العربي وخليج عمان، وكذلك الاستيلاء على عدة ناقلات أخرى، بما في ذلك سفينة مملوكة لبريطانيا وطاقمها، وغارات بطائرات من دون طيار من جنوب العراق على خط أنابيب نفط سعودي، وحالات متعددة للهجمات الصاروخية على المنشآت الأمريكية في العراق من قِبَل الفصائل الموالية لإيران، وإسقاط طائرة استطلاع أمريكية متقدمة من قِبَل الجيش الإيراني مؤخراً، والضربات للطائرات من دون طيار والصواريخ على المملكة العربية السعودية؛ ما أدى مؤقتاً إلى ضرب أكبر منشأة في العالم لمعالجة النفط، بقيق، وكذلك حقل خريص النفطي.

في الوقت نفسه، بدأت طهران في دفع برنامجها النووي إلى أبعد من الحدود التي حددها الاتفاق النووي لعام 2015.

يشير إقدام إيران على العشرات من الهجمات ضد المصالح الأمريكية بجرأة جديدة إلى تعثر الردع الأمريكي بشكل كبير.

لقد تراجعت استجابة ترامب لأخطر الحوادث إلى نمط يمكن التنبؤ به لإصدار تهديدات لفظية شاملة (“لإنهاء” أو “طمس” إيران)، وفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية، ونشر قوات وأسلحة إضافية في الخليج، وفي مناسبتين على الأقل، شن هجمات إلكترونية محدودة على إيران.

بعد إطلاق طائرة أمريكية من دون طيار في 20 يونيو على مضيق هرمز، أمر ترامب على ما يبدو بضربة انتقامية على مواقع الصواريخ الإيرانية، لكنه أجهض المهمة في اللحظة الأخيرة؛ خوفاً من أن عدد الضحايا المحتملين لن “يتناسب مع إسقاط طائرة من دون طيار”.

من الواضح الآن أن قواعد اللعبة التي تبنتها الإدارة لردع التصعيد الإيراني لم تنجح، واستمرت طهران في التصعيد.

ليس من قبيل المبالغة القول: إن ردع الهجمات على بقيق هو السبب في إصدار مذهب كارتر.

كان قيام إيران بمثل هذا الهجوم على الاقتصاد العالمي ومثل هذا التحدي الجوهري لما يعد مصلحة أمريكية حيوية، صدمة، ثم كان عدم وجود رد عسكري أمريكي صدمة أيضاً.

بناءً على تجربة الأشهر القليلة الماضية، يمكن أن ندرك أن قادة إيران توصلوا إلى استنتاج مفاده أنه رغم كل تهديدات ترامب، فهو لا يريد أيّ عمل عسكري.

تم تأكيد هذا الاعتقاد دون شك عندما عاد ترامب، خلال أيام من زلزال بقيق الجيوسياسي، إلى دور اليائس وتمت محاولة إقحامه في حوار مع الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في الأمم المتحدة.

ليس من المستغرب الآن أن يلاحظ الإيرانيون أن ترامب لا يردع التصعيد الإيراني في الشرق الأوسط فقط، بل يتجنب خطر نشوب صراع عسكري بمجرد اعتقاد قادة إيران بأن لديهم هيمنة تصاعدية على أقوى دولة في العالم، فهي وصفة مصممة خصيصاً لمزيد من الاستفزازات الإيرانية الأكثر خطورة.

في الأسبوع الذي أعقب هجوم بقيق، قال قائد سابق في فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC)، وفقاً لترجمة معهد الشرق الأوسط للبحوث الإعلامية (MEMRI): “عندما لا يقدر الأمريكيون على الانتقام من إيران بسبب إسقاط طائرتهم المسيرة فائقة السرية، فهل سيكون بمقدورهم مساعدة المملكة العربية السعودية؟ لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم، فكيف يدافعون عن السعودية؟ لقد تلقى الجميع هذه الرسالة”.

ومضى يقول: “لقد نفدت جميع أوراق ترامب وأطلق كل رصاصاته وهو يقف الآن أمامنا بلا رصاص، ويقوم العالم بالسخرية منه”.

وكالات