الرابحون والخاسرون من الهدنة في سوريا

0
46

 

تحت عنوان “الرابحون والخاسرون جراء آخر هدنة في سوريا” كتب موقع “الوقت” الاخباري:

 بعد توصل موسكو وأنقرة وبدعم من طهران إلى اتفاق بشأن الهدنة في سوريا والتي من المؤمل أن تشكل تحولاً استراتيجياً في وضع حدّ للأزمة المستمرة في هذا البلد منذ نحو ست سنوات، أكد الكثير من المحللين والمراقبين بأن روسيا وإيران هما الرابحان الأكبر من وراء إقرار هذه الهدنة تليهما تركيا التي اضطرت أخيراً إلى الانضمام إلى محور طهران – موسكو بعد أن أدركت تماماً خطأ النهج الغربي الذي تقوده أمريكا في التعاطي مع الأزمة السورية.

في هذا السياق أشار المحلل السياسي “روبين رايت” في مقال له نشرته صحيفة “نیویورکر” الأمريكية إلى أن روسيا التي دخلت بقوة في أيلول/سبتمبر 2015 لدعم حليفها الاستراتيجي الرئيس السوري بشار الأسد ضد الجماعات الإرهابية قد تمكنت وبالتنسيق والتعاون التام مع إيران من مساعدة القوات السورية في تحرير الكثير من المناطق من هذه الجماعات والتي كان آخرها مدينة “حلب”، ما جعلها قادرة على لعب دور سياسي استراتيجي يمكن من خلاله وضع حدّ للأزمة السورية، وقد تبلور هذا الدور بشكل واضح في الآونة الأخيرة بالاتفاق مع تركيا وبدعم من إيران في إقرار الهدنة الشاملة في سوريا.

وأعرب رايت عن اعتقاده بأن هذا الإنجاز الذي حققته روسيا يعزز كثيراً من موقف الرئيس “فلاديمير بوتين” الذي تمكن من استعادة مكانة بلاده إقليمياً ودولياً بفضل الدور الذي لعبته في ضرب الجماعات الإرهابية في سوريا والذي أجبر هذه الجماعات على الرضوخ للهدنة، الأمر الذي يعده الكثير من المراقبين بأنه الإنجاز الأهم لروسيا على الصعيد الخارجي خلال السنوات الأخيرة.

وتجدر الإشارة إلى أن روسيا وإيران وتركيا قد اتفقت على عقد اجتماع في العاصمة الكازاخية “آستانة” لإجراء مفاوضات بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة بهدف التوصل إلى تسوية نهائية للأزمة السورية، وهذا التطور يمثل بحدّ ذاته إنجازاً سياسياً آخر يحسب لروسيا وإيران اللتان تمكنتا من إقناع تركيا بالانضمام إليهما رغم المواقف التي اتخذتها أنقرة طيلة السنوات الخمس الماضية والتي كانت تصر من خلالها على تغيير نظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد.

في مقابل ذلك باءت بالفشل جميع محاولات أمريكا والدول الغربية والإقليمية الداعمة لها وفي مقدمتها السعودية والتي كانت تسعى أيضاً لإسقاط نظام الأسد، ولم يعد أمام هذه الأطراف من سبيل سوى القبول بما تخطط له روسيا وإيران وبالاتفاق مع سوريا من أجل وضع حدّ للأزمة في هذا البلد، وهذا الأمر قد ظهر بوضوح في قبول واشنطن وحلفائها بالهدنة الأخيرة التي توصلت لها موسكو وأنقرة وبدعم من طهران كما أسلفنا.

ومن المؤكد إن الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” الذي سيترك البيت الأبيض بعد أيام قليلة ليحل محله الجمهوري “دونالد ترامب” في العشرين من الشهر الجاري يشعر بخيبة الأمل جراء فشله في تحقيق مخططه الرامي إلى إسقاط حكومة الأسد الذي تمكنت بلاده من إفشال هذا المخطط بفضل وحدة وصمود الشعب السوري واستبسال قواته المسلحة في التصدي لهذا المخطط الرامي إلى إضعاف محور المقاومة الذي تقوده إيران بهدف التصدي للمشروع الصهيوأمريكي في عموم المنطقة.

ولا يخفى أن أنقرة ستكون من ضمن المستفيدين من إقرار الهدنة في سوريا ومن أي تسوية سيتم التوصل إليها لإنهاء الأزمة في هذا البلد، لأن ذلك سيعود عليها بالنفع كونه سيمهد الأرضية لعودة الأمن والاستقرار في عموم المنطقة والذي سينعكس بدوره على أمن واستقرار كافة دولها ومن بينها تركيا التي باتت في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار بعد سلسلة التفجيرات التي شهدتها مدنها والتي أودت بحياة الكثيرين، ناهيك عن التداعيات السلبية التي تركتها محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في تموز/يوليو الماضي.

والأهم في كل ما قلناه هو الانتصار الذي حققته إيران في سوريا بفضل الدعم الشامل الذي قدمته لهذا البلد من أجل التصدي للهجمة الشرسة التي استهدفته في كافة المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية. وثمرة هذا الانتصار تظهر بشكل واضح في القوة المضاعفة التي اكتسبها محور المقاومة الذي تدعمه طهران والتي ستمكنه من تحقيق نجاحات أخرى في المنطقة لاسيّما في العراق الذي يتصدى هو الآخر لهجمة شرسة من قبل الإرهابيين خصوصاً تنظيم “داعش”. والانتصارات الكبيرة التي تحققها الآن القوات العراقية المدعومة بالحشد الشعبي في الموصل خير دليل على هذا النجاح الذي هو الأبرز في سلسلة النجاحات التي حققتها هذه القوات على الإرهاب طيلة العامين الماضيين.

 

وخلاصة القول يمكن الجزم بأن الرابح الأكبر من إقرار الهدنة في سوريا هما روسيا وإيران فيما تمثل هذه الهدنة مكسباً لأنقرة لأنه سيساعدها على لملمة جراحاتها التي نجمت عن الهجمات الإرهابية واستعادة استقرارها الذي تزعزع كثيراً بسبب هذه الهجمات والأحداث الأمنية الأخرى وفي مقدمتها الانقلاب الفاشل شريطة أن تواصل أنقرة طريقها بالوقوف إلى جانب محور طهران – موسكو ولا تعيد الكرّة بالوقوف إلى جانب أمريكا وحلفائها الساعين إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة خدمة لمصالحهم غير المشروعة على حساب دماء وأرواح وثروات أبنائها.