الخروج من حرب المائة عام

0
77

نبيه البرجي

كيف يمكن لديبلوماسي محنك، ومثقف، مثل محمد جواد ظريف، أن يجد مكاناً له بين الضجيج الايديولوجي لرجال الدين والضجيج العسكري لقادة الحرس الثوري؟ بشكل أو بآخر، انه خط الدفاع الأول والأخير، عن حسن روحاني.

في نيودلهي قال ان بلاده لم تطلب خروج القوات الأميركية من العراق. خالف كل أصحاب المواقف المدوية الذين قالوا بخروج هذه القوات من سائر أرجاء المنطقة.

رجل يفهم ما هو الشرق الأوسط . ربما الأهم أنه يفهم ما هي أميركا. اريك رولو كتب «حين انتقل شارل ديغول الى السماء فوجئ بأن جورج واشنطن يجلس الى يمين الله». العقوبات الأميركية بمثابة «هيروشيما اقتصادية». ظريف قال انها كلفت بلاده مئات مليارات الدولارات.

لا أفق سوى قرع الطبول. صواريخ «عين الأسد» أظهرت الى أين وصل الايرانيون في تكنولوجيا الصواريخ. في هذه الحال. الرد الأميركي لا يمكن أن يكون تقليدياً. ضغوط اللوبي اليهودي لا يتوقف عن الدفع في هذا الاتجاه.

ماذا اذا أخرجت القوات الأميركية من العراق؟ التصدع السياسي، والمذهبي، والاتني، في ذروته. حروب أهلية لا بد أن تفضي الى اضمحلال هذا البلد الذي ولدت فيه الحضارات الأولى. النظام البرلماني قام على أرض الرافدين قبل السيد المسيح بثلاثة قرون.

وماذا اذا خرجت القوات اياها من السعودية؟ قد نرى في قصر اليمامة ظاهرة مماثلة لطاهرة جيهمان العتيبي الذي احتل الحرم المكي عام 1979 على أنه المهدي المنتظر…

في البيت الأبيض رجل يجمع بين كل مواصفات دراكولا وكل مواصفات المهرج. في العام الأخير من الولاية الأولىلا بد أن يزداد جنوناً. في هذه الحال أي سبيل سوى مراقصة دراكولا. اذا دخل في الولاية الثانية، الطامة الكبرى. البعض يرى أنه قد يصبح أقل فظاظة، وأكثر براغماتية في التعاطي مع العالم.

ستيف بانون الذي كان كبير مستشاريه قال «في ظني أنه سينسحب، حتماً، من الشرق الأوسط. ثمة من أوحى اليه بأن المنطقة مقبرة الآلهة». البنتاغون يود الانتقال الى الباسيفيك. تقارير الاستخبارات تتحدث عن «التنين الذي يحفر الفضاء بأسنانه». ما يتبين من الكتاب الأبيض الذي اطلقته وزارة الدفاع الصينية، في خطوة لا سابقة لها، أن الصينيين قرروا المضي بعيداً في تكنولوجيا الفضاء، دون اغفال التمدد الأفقي. هنا يرتجف الأميركيون…

الايرانيون لا تعوزهم الحنكة ولا الحكمة. الخروج الأميركي، في ظل الظروف الاقليمية الراهنة، أكثر من أن يكون مستحيلاً. أصابع آيات الله لامست القنبلة النووية. في هذه الحال، اللغة المخملية بدل لغة الضباع. لاحظتم كيف يغازل دونالد ترامب كيم جونغ ـ أون (هل من شبه بين الزعيم الكوري والسيدة ميلانيا؟). حالة من… العشق العجيب!

وراء السطور، المعلقون الأميركيون المقربون من «الايباك»، يرون أنه بعد مقتل سليماني انكسرت فتوى تحريم القنبلة.

الانتخابات البرلمانية في ايران في 21 شباط المقبل. ثمة مخاوف من السيطرة الكاسحة للمتطرفين. لا مجال لاطاحة الثنائي روحاني ـ ظريف. آية الله خامنئي يدرك، تماماً، أين يفترض أن يكون الخط الفاصل بين الايديولوجي و… الاستراتيجي. كلامه الأخير يعكس وعياً كاملاً بالواقع الدولي والاقليمي.روحاني بدا وكأنه كبير الصقور حين هدد بطرد الأوروبيين أيضاً اذا ما لجأوا الى آلية فض النزاع في اتفاق فيينا، أو اذا ما أخذوا برأي بوريس جونسون حول مفاوضات الاتفاق البديل. ترامب هددهم برفع الرسوم الجمركية على سياراتهم اذا لم يتماهوا مع سياساته. هذا له وقع الزلزال. متى لم تكن القارة العجوز «محظية أميركية» منذ انزال النورماندي الى مشروع مارشال؟

كل الدول المحورية في المنطقة تعاني من أزمات بنيوية، أزمات قاتلة. حرب المائة عام في أوروبا انتهت بالطاولة المستديرة. آن الأوان للعرب، وللأتراك، وللايرانيين، أن يخرجوا من حرب المائة عام…

الديار