الخبيصة السورية” تحمل مزيدا من المفاجآت شمالاً وجنوباً

0
44

 

عباس ضاهر

“خبيصة في سوريا” هكذا يمكن توصيف المشهد بإختصار. تلك “الخبيصة” ليست لصالح المعارضين كما يجري الإيحاء السياسي أو الإعلامي. لم تحصل الاستفادة من تجارب السنوات الاربع الماضية، عندما كان يجري تحديد المواعيد لسقوط النظام بالاستناد الى التمنيات والتوقعات. التجارب تكرر الآن.

ماذا حصل مؤخرا؟

كان المخطط يقضي بأن يتقدم المسلحون عبر اتجاهين لمحاصرة العاصمة وإسقاط مزيد من المناطق السورية. أهم الخطوات التي كانت ضمن المخطط هي إقناع المكونات السورية التي تتواجد قرب الحدود الجنوبية والشمالية بالتخلي عن الرئيس بشار الاسد. لذلك كان التركيز على “الموحدين الدروز” جنوبا والأكراد شمالا، بإعتبار أن المسلمين السنة العرب حسموا خياراتهم إما بتأييد النظام أو معارضته. لا تغييرات متوقعة لا في حلب ولا في دمشق ولا حماه او حمص ولا ايضا في درعا كما ثبتت ذلك وقائع الساعات الماضية، رغم استمرار المحاولات بهجوم من هنا كما حصل في درعا او تسلل من هناك كما يحصل حول حمص، اضافة الى عمليات محدودة تهدف الى الإرباك.

جاء الانسحاب العسكري من “اللواء 52” جنوبا ليضع المترددين امام الحقيقة. لا مكان للضبابية، يجب تحديدالخيارات بالموقف على الاقل. كانت الأصوات قبل ذلك الانسحاب تتردد في السويداء عن وجوب “الحياد” أو التراجع عن تأييد الاسد. ترجم ذلك بالتخلف عن الخدمة العسكرية وانتقاد النظام وخروج أصوات تطالب بتأسيس كانتون حيادي.

فماذا حصل؟ بمجرد انسحاب القوات السورية من “اللواء 52”  ومحيطه تقدم المسلحون على جبهتي “داعش” و”النصرة” في ريف السويداء. علت الصرخة. من يحمي الدروز؟ هل الضمانات الاردنية والأميركية تكفي؟ لا تستطيع لارتباط المسلحين بعقيدة تكفيرية تريد للدروز ان يتخلوا عن قناعاتهم وعقيدتهم. هكذا فعلوا مع “الموحدين” قبل ذلك في جبل السماق ريف ادلب. “داعش” يفرض القتل والسبي والتنكيل. و”جبهة النصرة” تفرض “الأسلمة القاعدية” بالحد الأدنى.

من السويداء الى حضر في جبل الشيخ اشتدت المواجهة الدرزية ضد المسلحين في معركة الوجود. استغلت اسرائيل تلك الوقائع وضغطت لتدخل تحت عنوان “حماية الدروز” لتشكيل شريط حدودي في الجنوب السوري يصل الى لبنان. لكن “الموحدين” أجهضوا المشروع. أظهرت المستجدات ان تمسكهم بخيار الجيش السوري ضمانة الحفاظ على وجودهم منعا لأي تغيير عقائدي وديني او تهجير او الغاء. لا بديل آخر.

في الأسابيع الماضية جرى التحضير في غرفة “الموك” في الأردن لتقدم المسلحين نحو درعا. جرى توحيد “الفصائل” المقاتلة وتجهيزها بالانتحاريين والمعدات العسكرية المتطورة لزوم المعركة. كان الهدف أبعد من ضرب وحدات الجيش السوري او السيطرة النارية على كامل درعا. كان المخطط عند المسلحين يقضي بأن تكون درعا شبيهة بالرقة عند “داعش”. جهزت “الموك” قوات لاستلام الإدارات في المدينة الجنوبية وتسيير شؤون المحافظة بشكل يوحي انها باتت عاصمة “الثورة”.

تكتيكيا كان مسار المعارك شديدا جداً في اليومين الماضيين. هجوم من كل المحاور. جرت محاولة قطع طريق درعا- دمشق ومحاصرة القوات السورية كي تصبح من دون إمداد. كان يظن المسلحون ان الهدف سيتحقق خلال ساعات. هكذا كانت تقضي الخطة. ثم يصار الى تهديد العاصمة لاحقا وضم السويداء الى “دويلة المعارضة”.

لكن ماذا يعني فشل الهجوم؟

هناك من يعتبر ان إرباكا استراتيجيا سيتولد عند المجموعات والمخططين والداعمين. في أدق الظروف التي يمر بها النظام، وفي لحظة انشغاله بالوسط والشمال ومحاولة المسلحين السيطرة على كامل حلب وتهديد الساحل والارباك في السويداء، لم تنجح خطة السيطرة على درعا. الا يعتبر ذلك فشلا للمعارضة؟ هل هناك ظروف افضل تناسب مخططاتها اكثر من الظروف الحالية؟ اختلطت الحسابات من جديد. وطنية الدروز قلبت المعادلة. يمكن ان تلحظ ذلك في حضر التي انتصرت بالمواجهة.

“الخبيصة” شمالاً لا تقل دلالة. كان الأكراد يعتقدون انهم يستطيعون فرض نفوذهم وتوسعهم بقوة الديمغرافيا والتحالف مع الأميركيين. تقدموا سريعا وكسروا هيبة “داعش”. كان الهدف الاقتراب اكثر من الرقة. التوجيه الأميركي للاكراد جاء لضرب “قلب التنظيم” من جهة وفرض كيانهم من جهة ثانية في تحد أميركي للقيادة التركية. اعتقد الكرد انهم يستطيعون تغيير معادلات الجغرافيا وحدهم بمعزل عن الحكومة السورية من جهة وعدم الاكتراث بالأتراك من جهة ثانية.

أنقرة التي لعبت اخطر انواع الرهانات بمحاربة “النظام السوري” باتت تشعر بالقلق. في داخلها تغييرات سياسية ستفرض توجهات مغايرة تجاه سوريا. عندما سيطر الكرد على عين العرب “كوباني” ثم تل ابيض في الحسكة شعر الاتراك بأن الكيان الكردي يتمدد. لم تحقق انقرة نتيجة. ماذا انتجت سياسات حزب “العدالة والتنمية” تجاه سوريا؟ دفعت بإتجاه تأسيس كيان مناوئ لتركيا، ما يعني حصول تداعيات في الداخل التركي وصولا الى ما يطلبه الكرد من حقوق الانفصال مدعومين أميركيا. سيترجم ذلك حكما في ديار بكر.  هنا قمة “الخبيصة”.  شعر الاتراك بخطر شديد.  تحولت اللعبة عندهم من أولوية إسقاط نظام سوري مهما يكن الى وجوب حماية حدودهم وأمنهم ومساحاتهم وسيادتهم الى حد مخالفة التوجهات الاميركية حول وضع الكرد.

سياسة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كانت تقوم على اساس التمدد التركي نحو سوريا. كانت المساحات تتصل ببعضها وصولا الى حلب. كانت تلك السيطرة على المعابر تؤمن التهريب الى تركيا من النفط الى الآثار وما بينهما من مواد وإنتاج زراعي وآليات صناعية سورية كانت تشكل العمود الفقري لحلب.

جاء الكرد يستهدفون تلك المكاسب. ويحولون المساحة الجغرافية الفاصلة الى قلق للأتراك بعيد الاهداف. ردت تركيا، فلعبت أنقرة ورقة “داعش”. أدخلت عبر أراضيها المقاتلين لمقارعة الأكراد في كوباني والحسكة.

تركيا خسرت الرهان حول سوريا واستهدف الكرد مشروعها. اما الأكراد فصارت حربهم تحتاج الى من يناصرهم على المدى الطويل، وخصوصا الدولة السورية، على قاعدة ان القيادتين التركية والسورية تتبادلان العداء، وأنقره حليفة “داعش”، وهذا التنظيم عدو للكرد، والاميركيون حلفاء للأكراد، وتركيا تلعب ضد الأميركيين. هذه “الخبيصة” فرضت تغيير الأولويات ميدانيا وسياسيا على تلك الجبهة الشمالية رغم تقدم “داعش” في الحسكة. بعدما كانت في السابق تتوحد القوى تحت عنوان “إسقاط النظام السوري”.

فماذا عن النتائج؟

اذا كانت المعارضة تصنف الكرد حلفاء، فهل تساعدهم في حربهم ضد “داعش”؟ ام هي عاجزة؟ وهل “جبهة النصرة” عملياً تختلف عن “داعش” بالنظرة الى الكرد؟ أبدا. هكذا تثبت الوقائع. لذلك يتوقع مراقبون ان تتمدد المواجهات من هذا النوع الى عفرين ومحيطها. انها الحرب المفتوحة التي تحمل معها المفاجآت. فلننتظر، من المبكر الحديث عن حسم او تقسيم او سقوط او انتصار. الوقائع تفرض المتغيرات السريعة، فيتحول اصدقاء الامس الى اعداء اليوم، وبالعكس. هكذا علمتنا الحرب في سوريا، فكيف اذا أضفنا اليها المستجدات الخارجية عن تحالف ثلاثي مرتقب حول سوريا او مرحلة ما بعد الاتفاق النووي او انشغالات لعواصم إقليمية كما حصل مع السعودية في حرب اليمن او تمدد الارهاب ليطال دولا عربية اخرى وغربية كما حصل في تونس وليون الفرنسية. الآتي أصعب على صعيد توسع الارهاب. هكذا توحي المعطيات، ما يعني اعادة التموضعات السياسية.