الحواضن “الجهادية” في الدولة الفاشلة والجيل الرابع من الحروب

0
79

 

الدولة الفاشلة هي تلك الدولة الضعيفة أو التي تفقد السيطرة على أراضيها، وتفقد تامين الحماية الى ثرواتها الطبيعية والبشرية. أن استمرار ومطاولة الفوضى في دول المنطقة من شأنه ان يخلق دول فاشلة بانهيار مؤسساتها، ويحول ابنائها لان تقاتل بالوكالة لصالح اطراف خارجية.

الدول الفاشلة، حسب تعريف الباحث “نعوم تشومسكي” هي الدول غير القادرة في حماية مواطنيها من العنف. اما “مايكل مازار” فيقول في احدى دراساته “لقد وجدت الولايات المتحدة ضالتها في خطر”الدولة الفاشلة” الذي بدأت في الترويج له،كونه تراه أبرز مصادر تهديد الأمن القومي الأمريكي، بل وتهديد السلم والأمن الدوليين”. وهذا ماجعل وجود ترابط مابين وجود التدخل الاميركي في العالم والمنطقة وفشل الدول، ابرزها الصومال وافغانستان والعراق واليمن.

الكاتب الفلسفي زهير الخويلدي يقول في دراسته “لا يشكل الارهاب ظاهرةاستثنائية وعارضة بل يدخل في صلب وجودنا الفردي والاجتماعي، تتنوع أشكالهالمفرطة والعنيفة وتبلغ حدا يصبح معه من العبث الحلم بامكانية القضاء عليه”.

التنظيمات القاعدية “الجهادية” توجد دائما في الدول الفاشلة او تلك الدول التي تعيش تحت معدلات الفقر، يعتبر العراق على سبيل المثال من الدول الغنية، لكنه يصنف بين قائمة الدول الفاشلة بسبب التراجع الذي شهدته الدولة العراقية في المجالات كافة، وابرز الاسباب هي الفساد والتسييس والتناحر الطائفي.

 

العراق، بعد تحرير الموصل، خطى خطوات ايجابية بالانفتاح الاقليمي والدولي، وهناك مساعي حقيقية للخروج من دوامة الفشل، لكن يبقى مقيد بدستورا قائم على المحاصصة، وهذا يعني ان العراق يحتاج الى اعادة كتابة الدستور، غير ذلك سوف لايستطيع الخروج من دوامة الطائفية والمحاصصة والتوافقات.

اما اليمن وافغانستان فربما ظروفهما الاقتصادية تختلف وممكن تصنيفهما بانهما من الدول الفقيرة بالاضافة الى الصومال، ليكون الفقر الى جانب الفشل السياسي ابرز الاسباب التي تعمل على ظهور التنظيمات “الجهادية” والمتطرفة.

فراغ السلطة

هذه التنظيمات تستغل فراغ السلطة، بفرض سيطرتها وتعاليمها الاسلاموية على المجتمعات وتطرح نفسها في البدء مدافعا عن حقوق الضعفاء، وتستقطب المقاتليين الجدد، لتتحول بعد ذلك الى مركز للحوكمة والسيطرة والتسلط عليها وهذا ما كان واضحا بأنتشار طالبان في افغانستان والتنظيمات القاعدية الاخرى في الدول المذكورة.

وبالتوازي مع هذه التنظيمات” الجهادية” تظهرمجموعات المسلحة الصغيرة او كبيرة على شكل مجموعات مسلحة، بعد ان تحصل على التمويل والدعم والتدريب بالاضافة الى تعاظم سطوة العشائر.

فعندما تفقد الدولة سلطتها على المدن والبلدات، تعطي فرصة الى ترعرع تلك الجماعات المسلحة و”الجهادية” بكل درجاتها وانواعها الى النمو، وتدريجيا تستقوي على سلطة الدولة والقانون، لتتحول المناطق التي تقع تحت سيطرتها الى حواضن وملاذات امنة تتكاثر فيها.

يشار ان تنظيم القاعدة و داعشتعتمد في عملها على الحواضن، وكثيرا ماتقوم هذه التنظيمات بالمصاهرة والتجانس والتعايش، هذه السياسة تؤمن لها التخفي والحماية ولتكون قياداتها غير ظاهرة على السطح مما يعطيها حماية اكثر.

الجماعات “الجهادية” تقفز على مشاكل المجتمعات، لتضع نفسها بديلا، وتستغل سياسات التهميش والاقصاء والسياسات الخاطئة لنشرايدلوجيتها “الجهادية” لذلك هنالك اجماع عند المعنيين في مكافحة الارهاب وسيكولوجية الارهاب واسبابه، بان السياسات الخاطئة تلعب دورا رئيسيا في تحول الفرد الى هذه الجماعات بالاضافة الى العوامل الدافعة الاخرى.

العنف المضاد

ومن الاخطاء الظاهرة في مكافحة الارهاب في هذه الدول انها تستخدم القوة اي العمل العسكري بمفرده لمواجهة هذه الجماعات وهي ترتكب خطأ كبير في معالجة الارهاب بالعنف. العمليات العسكرية لوحدها لا تستطيع مواجهة الارهاب دون وجود حل او خيار سياسي يتركز على فصل الحواضن عن هذه الجماعات وان لاتؤخذ الحواضن والملاذات بجريرة التنظيمات والجماعات “الجهادية”.

لذا ينبغي ان تقوم الاستراتيجية العسكرية والامنية على الممارسات العقلانية ولا تقوم على الثار والانتقام، التي يذهب ضحيتها الكثير من الابرياء خلال عمليات المداهمة والتحقيق. لذا بات ضروريا تجنب استخدام العنف المضادلانه يزيد كثير من الكراهية والثأر.

هذه الجماعات تستغل سلوك وممارسات القوات النظامية في مناطق الفوضى، هي تبحث عن المواجهة لتضع نفسها بديلا عن المجتمعات وتحصل على متطوعين جدد. التقارير والتحقيقات كشفت إن الجماعات “الجهادية” ابرزها النصرة والقاعدة وداعش رغم حصولها على التمويل، لكنها تراهن على المواجهة مع خصومها.

 

وكلما اشتدت المواجهة كلما يصعد رصيد هذه الجماعات بتدفق المقاتلين والاموال. اليوم الارهاب اصبح كرة ثلج ماعاد ينتهي في منطقة الا ان يظهر في منطقة اخرى، رغم ان هذه التداعيات لم تكن بعيدة ابدا من اطراف دولية واقلمية لاعبة في تحريك هذه الجماعات واشعال المنطقة.

بعض الطروحات والدراسات النظرية تقول “المجتمع الديمقراطي في البلدان المتقدمة ياتي مكملا وامتدادا للدولة التي كانت في اصل نشوئه بالعكس من ذلك ياتي الحديث المتزايد عن المجتمع المدني في البلاد النامية كتعويض عن غياب المجتمع تماما وكرد على الفراغ الذي احدثه في الفضاء العمومي تفسخ الدولة وتحلل السلطة العمومية الى سلطة أصحاب مصالحخاصة وانهيار القاعدة قانونية والمؤسساتية للدولة والمجتمعمعاً.”

المواجهة الفكري

إن التنظيمات ألجهادية تقوم أساسا على “العقيدة ألجهادية” اوالأيدلوجية في كسب المقاتليين وتبرير عملياتها التي تقوم في الغالب على أستثمار الصور المروعة في أماكن النزاع من خلال اعلاميات جهادية مرئية ومسموعة، لذا يتطلب مواجهتها فكريا ايضا، بالحجة، من خلال التعاون مع مشايخ الوسطية، واعداد وتأهيل معنيين في الشريعة والفقه، تقوم بزيارة بعض المعتقليين المتورطين في عمليات إرهابية، وعرضها على الجمهور.

وينبغي ايضا اتباع الطرق الإستخبارية في إخضاع من تم اطلاق سراحه من المعتقلات للمراقبة مع توفير المساعدة له في إعادة التاهيل مهنيا واجتماعيا، ألمواجهة الفكرية ربما تأتي بنتائج إيجابية أكثر من المواجهة العسكرية مع تقليل نسبة خلق الخصوم المحتملة في أعقاب اي عملية في المجتمعات الحاضنة للأرهاب.

المواطن احيانا يعيش مابين ارهاب الدولة وارهاب المجموعات المسلحة و”الجهادية” فألدولة ربما تكون هي المسؤولة عن فراغ السلطة وترك المجال للارهاب، لذا لا خير في حكومة او دولة لا تستطيع حماية مواطنيها.

إن استمرار الفوضى ومثلما تسميها تللك الجماعات “الجهادية” ب “التوحش” من شأنه ان يخلق دولة مفككة يقاتل ابنائها بعضهم البعض بالوكالة لصالح اطراف اقليمية ودولية لتتحول سلطة الدولة الى مجموعات “جهادية” ومسلحة وامراء حرب مناطقية.