التضليل الإعلامي الجديد

0
72

 

لكي يفي ديونه المستحقة قام شاب اميركي يانع حاملاً شهادة جامعية في العلوم السياسية بتأسيس موقع الكتروني موجه خصيصاً لضرب ثقة الجمهور بالمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون إبان الحملة الرئاسية للولايات المتحدة خلال 2016.

 وكان نجاحه باهراً…

في اوائل السنة 2016، كان المرشح الجمهوري دونالد ترامب لا يزال في مؤخرة المرشحين الى البيت الابيض، وذلك وفقاً للاحصاءات.

وقد لجأ المرشح ترامب الى استعمال كلمة «تزييف»، متهماً خصومه السياسيين بالقيام بعمليات تزوير على مستوى واسع. وقد اعاد هذه الكلمة ـ التهمة عدة مرات مرددا: «إني أخشي من ان تكون هذه الانتخابات مزيفة…» قال ذلك امام جمهورمحتشد في مدينة كولومبوس الاميركية في ولاية اوهايو…

واضاف ترامب ان ثمة من قدم له دلائل ملموسة على عمليات «التزوير» وكل يوم تزداد اكثر فأكثر…

الشاب «كامرون هاريس» كان بحاجة الى المال، ذلك الفتى حامل الشهادة الجامعية في العلوم السياسية في ولاية ماريلاند. فقد صمم ان يقدم للجمهور الاميركي الاثباتات التي لم يقدمها ترامب تعقيباً على اتهاماته بالتزوير…

الخطوة الاولى: وقد اسماها كامرون «آخر دقيقة» هي الخطوة الاولى في برنامجه التفويضي القائم على اكاذيب ملفقة ضد المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون. ففي حقيبة «الدقيقة الاخيرة» خبر عن «اكتشاف عشرات الآلاف من البطاقات الانتخابية»Fake Bulletins  باسم السيدة كلينتون في مخزن في ولاية اوهايو.

ويقول هاريس ـ الملفق الرئيسي ما يأتي: «كنت متأكداً من الحذر الشديد الذي كان انصار ترامب يتخذونه تجاه وسائل الاعلام، فان العامة ستصدق بسهولة كل تصريح يعزز مواقف المرشح الجمهوري ترامب»…

ومن ناحية اخرى كان دونالد ترامب يردد الارجوزة  ذاتها بان ثمة محاولات جارية بالخفاء بقصد «تزوير» الاستفتاء… وهذا الترداد ما جعل الناس يتهيأون ويتيقنون من ان السيدة كلينتون لن تفوز ا لا اذا لجأت الى «….التزوير».

 حانوتي الكذب

ان السيد هاريس كان هو بائع الكذب الأول. وهو ركّب هذه المخاتلة الذكية بقصد جني المال… فقد توصل جراء تراكم سيل الاكاذيب الى تعزيز موقعه الالكتروني حتي اصبح قبل وصول ترامب الى سدة الرئاسة بمحطة الكترونية رئيسية. وقد اسماها كامرون هاريس C.T.N. اي Christian times news. وكلمة Christian تؤثر بالجمهور الشعبي وتُلبس الخبر صدقية مؤكدة…

هذا وقد حصل ان اتصل بالسيد هاريس احد الصحافيين وقد اكتشف خللا ما في مضمون الاخبار التي يبثها الموقع. وهذا ما جعل السيد هاريس يتخذ حذره وقد تشكر المتصل على حرصه وتصرفه وكأنه اعطاه حقاً في ملاحظته… مما انام شكوك المتصل…

ولكن وبعد ان جنى ما جناه من عملته المخاتلة الكاذبة، وافق كامرون هاريس ان يحكي ويعترف بمشروعه المزيف الذي لا يخلو من الدهاء وقد صدم الناخبين الاميركيين وبخاصة من صدّقوا اقاويله الواهية. الا ان النتيجة المحتومة كانت اصبحت واقعاً. وها هو دونالد ترامب رئىساً للولايات المتحدة الاميركية شئنا او ابينا…

وعودة الى اعترافات السيد هاريس فقد صرّح انه كان يجني ما يساوي 1000$ في الساعة الواحدة وهو يبث الاكاذيب تلو الاكاذيب على موقعه المركّب. واكثرية الارباح كانت تأتيه من الاعلانات. وإن ما اختبره في هذه المغامرة كان مزيجاً من الشعور بالذنب وايضاً الاحساس بالفخر…

وتابع هاريس في اعترافاته المفصلة انه عندما اطلق مقولة «اكتشاف البطاقات الانتخابية المزورة» كان ينقص الخبر «من هو الشخص الذي اكتشف المخزن في ولاية اوهايو…»؟ عندئذ تابع هاريس اعترافاته بهدوء مصرحاً انه اخترع اسماً وهمياً هو رندال برنس على انه هو المكتشف الافتراضي لمكان تخزين البطاقات المزيفة… وان برنس هو كهربائي من مدينة كولومبوس وقد وقع صدفة على تلك البطاقات المزيفة التي تحمل اسم هيلاري كلنتون…

وتابع هاريس اسطورته قائلا: بالحقيقة لم يكن احد ليزور هذا المبنى المهمل سوى «سمكري» يسكن في الجوار ويأتي اليه مرة في الاسبوع لكي يحفظ عدته… وبما ان السيد برنس قد اكتشف هذه البطاقات فقد قدم لاخصام كلينتون الدليل القاطع على أن ثمة عملية تزوير Truquage كما يسميها السيد ترامب، قائمة، فاعلة، وحقيقية… ولو ان هذه البطاقات المخزونة لم تقع بأيدي «امينة» لكانت السيدة كلينتون قد امنت انتصارها في ولاية محورية دقيقة بين الولايات…

هذا واستطرد هاريس قائلا: لقد فكّرت في اقران صورة فوتوغرافية للسيد «برنس» ذلك انها تعزز الاعتقاد بوجوده لدى المشككين. وقد بحثت حتى وقع نظري على صورة رجل اصلع، يقف وراء علب بلاستيكية سوداء. ويا للصدفة السعيدة، كانت كل علبة من العلب مكتوباً عليها «صندوقة» وكأنها علبة لتلقي البطاقات الانتخابية.

والحقيقة ان الصورة الفوتوغرافية المنتقاة هي لفريق «برمنغهام» البريطاني للبريد والنقل الجوي…

اما هاريس فقد نسج مخاتلته قائلا: «ان هدف حملة السيدة كلنتون الانتخابية ربما كان «خلط الاوراق الاستفتائية» داخل صناديق الانتخاب بحيث تصبح اوراق السيدة كلنتون تشكل الاكثرية الساحقة في التعداد…

هذا ويضيف المقال الموزع من السيد هاريس «ان CTN ستواصل اعلامكم عن كل جديد في هذه العمليات المزيّفة»…

لقد نشرت المعلومات في مقالات صحفية عدة بتاريخ 30 ايلول 2016 وكان وقعها مدوياً في اذهان الاميركيين…

اما المدركين عن عمليات Fake News او «الاخبار الملفقة» فلم يكن لديهم أدنى دليل عن التضليل الصارخ الذي يحصل واخذوا يتنطحون في حيرتهم حتى يوم الانتخاب… وكانت الخيبة الكبرى..

القيمة الحقيقية للموقع CTN لم تتجاوز 12500 دولار. لقد ذهلت شعبية هيلاري كلنتون، فمنهم من صُدم بأخبار ترويجها للدعارة، ومنهم من لم يصدقوا الأقاويل ولكن لم تكن لديهم حيلة، من تأسف على الواقع التي وقعت فيه بلادهم.

يبقى ان هناك حقيقة لا زغل فيها هي ان المقبلين على موقع CTN وهو الوكر الرئيسي لصناعة «الأكاذيب والأخبار الملفقة» بلغوا ستة ملايين Interrautes وهو رقم قياسي بالنسبة لموقع جديد غير معروف سابقاً…

والجدير بالذكر ان السيد كامرون هاريس كان قد صرّح انه اشترى هذا الموقع الالكتروني المهجور بـ5 دولارات فقط وانه خلال بضعة أيام عادله مقالاً كان كتبه بربع ساعة بقيمة 5000 دولار. واضاف انه كان يقضي نصف ساعة في الاسبوع على موقع آخر يبثت اخباراً كاذبة ومغلوطة، وانه في اخر المطاف جمع مبلغاً كبيراً من المال، ما فاق 100.000 دولار…

وفي فورة صريحة اعترف هاريس أن حافزه في هذه المغامرة كان كسب المال فقط لا غير وليس السياسة قطعياً… فقد كان همه ايجاد مصدر للمال لتأمين معيشته: «لقد خصصت المال المُجنى لدفع مستحقات من ايفاء ديون متراكمة مستحقة كما وتسديد الاقساط الجامعية السابقة كما وسعر السيارة وايجار المنزل…

 حذار الغوريللا

بينما كانت السيدة كلنتون تتهم قاتلي الغوريللا في حديقة حيوانات Cincinnati – وهي كانت تسببت بإيذاء طفل اقترب منها – كانت قد اتهمت «العنصرية» بأنها السبب الرئيسي بمقتل الحيوان (ولم تعرف بالضبط حيثيات الحادثة فنكتفي بما اوردته صحيفة Nytimes.

هذا ما قالته السيدة كلنتون، ليتلقى الجمهور خبراً آخر عن المرشحة الديموقراطية – خبر ملفق بالطبع لكنه يلبس حلة الحقيقة: ويقول الخبر «ان مؤسسة NYPD (ولها صدقية عالية) تنوي اتهام السيدة كلنتون بالتعدي الجنسي على قاصرة…». والحقه هاريس بخبر آخر: «لقد هاجم متظاهرون ديموقراطيون محارباً قديماً وأوسعوه ضرباً حتى الموت في مدينة فيلادلفيا وآخر ايضاً: «هيلاري كلنتون تقدمت من محكمة في فيلادلفيا بطلب للطلاق من قرينها بيل كلنتون»…

لقد تم ابطال عدد من الاخباريات من قبل موقع SNOPES الذي يقاتل الدعاية الكاذبة الا ان ذلك لم يلق صدى يذكر… وتبقى عملية اكتشاف البطاقات المزورة لتسيطر على العقول الناخبة…

في المحصلة، يقول المقال: «ان دونالد ترامب قد استخدم تصاريح واهية كاذبة لكي يبني عليها مشروعه الانتخابي ويهاجم أخصامه السياسيين. كما وزرع الشكوك حول شرعية ادارة الرئيس OBAMA ونقض الثقة العامة بوسائل الاعلام الجماعية…

وهذا بالضبط ما فعله السيد هاريس وقد فطن ان الناس ينتظرون دلائل تثبّت صحة الأقوال التي هي بالحقيقة «اقاويل»، ومهما كانت هذه الاقاويل غير واردة الحدوث ووهمية فهي – في بعض الذهنيات وليست قليلة – تثبت القناعات وترسخها في العقول…

ويضيف هاريس في اعترافاته: «ان الطريقة السهلة التي فتحت عقول الناس بقبولهم شتى انواع الاقاويل كانت بالنسبة لي اختباراً مجتمعياً مثيراً للاهتمام… هذا وقد تسلّق موقع السيد هاريس الالكتروني الى اعلى وأضحى بين المواقع التي ينتظر اخبارها الجمهور الواسع».

في النهاية، وقبل أن يعرض هاريس موقعه للبيع وكان السيد ترامب قد وصل الى سدة الرئاسة وبدأ بممارسة صلاحياته انفضح امر كامرون هاريس على انه صانع الاخبار الملفقة وانقطعت عنه الاعلانات، المصدر الاساسي لتمويل الموقع…

وفي النهاية يعترف هاريس قائلا:

«ان السياسة هي، بطبيعتها، موقع تضخيم الامور او تقزيمها، اذ ينتج من ذلك «نصف حقائق» كما وأخبار وهمية تلبس حُلة الواقع… فرأيت مجالاً وافراً للتدخل والعمل ولم تكن مساهمتي سوى نقطة ماء في محيط… ولكن الحقيقة الصارخة هي ان ما يقوله مطلق مرشح ليس كله صحيحاً… فالحقيقة دائما نسبية.

SCOTT SHANE