البناء -المفاجأة الأميركية: ترامب رئيساً… لا نريد حروباً بل تعاون وشراكة

0
36

كيري للخارجية: للتعاون مع موسكو وإنجاز التسويات

 

وقعت المفاجأة التي كانت «البناء» متفرّدة في الإشارة إليها كفرضية ممكنة الحدوث، بعدما عنونت أول أمس «احتمالات حصول ترامب على الأغلبية وفوز كلينتون بتصويت كبار الناخبين»، وبعدما أبقت الباب مفتوحاً أمس للمفاجأة، رغم كلّ التوقعات بفوز كاسح للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ففاز دونالد ترامب بالسباق إلى البيت الأبيض، وفاز الخارج من تلفزيون الواقع على الممثلة الاستعراضية الآتية من مسرح برودواي، كما حمل عنوان «البناء» أمس، وفوز ترامب كما فتحت «البناء» لعيون قرائها على فرضية فوزه، نابعان من الصلة التي تربط السباق الرئاسي الأميركي بقياس تأثير حاصل حروب المنطقة على الداخل الأميركي، ومدى نجاح صمود سورية وصعود روسيا وثبات إيران، وبسالة المقاومة، في إيصال الأميركي إلى اليأس من جدوى الإنكار والمكابرة، والانتقال إلى التأقلم مع مرحلة عنوانها «لا للحروب نعم للمشاركة»، قالها ترامب فور فوزه. كما كانت مرحلة الرئيس باراك أوباما علامة الانتقال من الحروب الخشنة إلى الحرب الناعمة التي جاءت بحلة «الربيع العربي» وهدفت لخطف سورية من حضن الجغرافيا السياسية لمحور الاستقلال الوطني والمقاومة إلى محور الاستتباع والخنوع والتأقلم مع «إسرائيل» الكبرى والعظمى معاً.

كما قال وصول أوباما قبل ثماني سنوات إنّ الأميركيين يسلّمون بفشل حربيهما في أفغانستان والعراق، قال وصول ترامب إنّ الأميركيين يسلّمون بفشل حروبهم في ليبيا وسورية واليمن، وإنهم يتّجهون لبيتهم الداخلي بحثاً عن ترميم اقتصاد متهالك ونسيج اجتماعي مضطرب، بعد سقوط الآمال بعائدات الفوز بالحروب مزيداً من الثروات المنهوبة، كرشوة تقليدية ينقلها المستعمر لداخل اقتصاد بلاده انتعاشاً وأرباحاً، يقدّمها لشعوبه ويشتري بها صمتها، بل شراكتها في تشجيعه لخوض المزيد من الحروب.

عندما قال الأميركيون لا لهيلاري كلينتون، قالوا لا للمزيد من الحروب الواهمة، ولا للمزيد من السير وراء انفصام الشخصية الذي يجمع الدولة التي ترفع راية الديمقراطية وحقوق الإنسان شعاراً لحروبها، وتخوض هذه الحروب وراء السعودية وهي الدولة الأشدّ انتهاكاً لحقوق الإنسان وابتعاداً عن الديمقراطية. وكيف يستقيم هذا الحلف أخلاقياً، ما دام قد فقد بريق القدرة على تحقيق المصالح؟ وعندما قال الأميركيون نعم لدونالد ترامب، قالوا نعم لترتيب البيت الداخلي، والبحث بكيفية إنعاش الاقتصاد بقوة تدابير الداخل، لا حروب الخارج.

المفاجأة بحجم زلزال يهزّ العالم، فالحدث يغيّر وجهة الدولة الأولى في العالم في صناعة الحروب، وتسقط مع الزلزال آمال سعودية بمواصلة هذه الحروب، فتنفتح سورية ويتقدّم اليمن، نحو أحد خياري التسويات الدراماتيكية أو الحرب الحاسمة، تسوية أقرب للاستسلام، أو حرب أشبه بحكم الإعدام.

في السؤال عن الإدارة الجديدة لترامب، تقول مصادر متابعة في واشنطن إنّ ترامب لن يلبّي رغبة هيلاري كلينتون بالحصول على وزارة الخارجية، كما فعلت بكلامها عن الاستعداد للتعاون، كما فعلت بعد فشلها في الحصول على ترشيح حزبها بالمنافسة مع الرئيس باراك أوباما، وانتهى بها الأمر في وزارة الخارجية، لكن ترامب مهتمّ بتوحيد الحزبين ولمّ شملهما، وتقديم صورة جادّة لرئاسته في السياسة الخارجية، والاستثمار على لغة الشراكة والتعاون مع روسيا، وتعميق سياسة التسويات والتفاهمات. ولذلك فالأرجح أنّ مرشحه الأوفر حظاً لوزارة الخارحية، وأبرز وجوه إدارته سيكون وزير الخارجية الحالي جون كيري، الذي تقول المصادر إنّ عمله مع ترامب سيتيح له ترجمه توجهاته التسووية بصورة أوضح وأقوى بعد تحرّره من ضغوط الشراكة مع فريق أوباما الذي يضمّ دعاة التعطيل للتسويات كحال وزير الدفاع أشتون كارتر، وأنّ ترامب الراغب بالتفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يجد مهندساً يحوّل هذه الرغبة إلى رؤية سياسية ويترجمها خطوات عملية، مثل كيري الذي قطع أشواطاً في هذا الطريق، ويملك قدراً عالياً من الخبرة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وثقة عالية من الإدارة الروسية، عدا عن مكانته المعنوية في الرأي العام الأميركي كشخصية تنتمي للنخبة التي يحتاجها ترامب لتسويق عهده، ولمّ شمل الحزبين حوله، وتغيير الصورة النمطية التي رسمت حوله، فيكون خيار كيري بداية كوزير للخارجية ولاحقاً كمستشار للأمن القومي، وهو الشخصية التي نافست على الرئاسة الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش في ولايته الثانية، مع احتمال كبير بالاستعانة بشخصية ديمقراطية ثانية لا تقلّ وزناً هي آل غور المفكّر البيئي والاقتصادي الذي خسر المنافسة مع بوش في ولايته الأولى.

في لبنان وقع فوز ترامب على الفريق المنتظر للخيارات السعودية وقوع الصاعقة، وينتظر أن يحكم مواقفهم من الحراك الداخلي نحو تسريع تشكيل الحكومة الأولى لعهد الرئيس ميشال عون، بينما كان الرئيس سعد الحريري يرى في خطوته السير بالخيار الرئاسي للعماد عون استباقاً ناجحاً للمتغيّرات، ليصير السؤال عن درجة تأثير ذلك على إقناع حزب القوات اللبنانية بالتخلي عن الذرائع التعجيزية لتعطيل ولادة الحكومة بانتظار مشترك مع الرياض عنوانه، تجميد التسوية حتى بداية عهد هيلاري كلينتون المفترض، والذي صار أدراج الرياح. فهل ستقتنع القوات وتتخلّى عن عقدة الحقيبة السيادية التي تعطل ولادة قريبة للحكومة التي اكتملت تقريباً معالمها من التشكّل؟