البرجي : إذا رحلت أميركا

0
125

حين زال الاتحاد السوفياتي، كتب جان دانييل» كما لو ان احدنا استفاق ذات صباح ليقال له ان الشيطان مات». ماذا اذا استفقنا ذات يوم وقيل لنا ان اميركا رحلت عن الشرق الاوسط. اميركا الثكلى بنا، كما كان يقول محمد حسنين هيكل الذي لاحظ كيف اننا نتصرف كمستودعات بشرية لا كمجتمعات بشرية.

منذ ان التقى الرئيس فرنكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على متن البارجة كوينسي في قناة السويس في شباط 1945، والبيت الابيض يضبط الايقاع في المنطقة. الانظمة المبرمجة، القبائل المبرمجة، الانقلابات المبرمجة، الثورات المبرمجة، الحروب المبرمجة.

باختزال حيثما يوجد الله توجد اميركا، حتى ان جون فوستر دالاس اخترع ذلك الاسلام الاخر الذي يبقينا داخل النصوص الدينية، لا علاقة لنا البتة بالمعادلات التكنولوجية…

لا احد مثلنا عبيد لاميركا، حتى لظننا ان الاميركيين عصا في ايدينا. هكذا حطمنا جمال عبد الناصر في اليمن، ثم حطمنا مصر في حرب حزيران 1967. لا ندري ما اذا كان مكاننا في قبعة الكاوبوي ام في حذاء الكاوبوي…

 لا، لسنا عبيد اميركا بل عشاق اميركا. محمد الماغوط كتب» كما لو ان السلحفاة تقع في غرام القمر». الان، علاقة ملتبسة مع البيت الابيض. سذج نحن حتى لنتصور ان باراك اوباما خان الميثاق الالهي الذي بيننا. ننتظر هيلاري كلينتون لتضرب باليد الحديدية،حتى وان قال روبرت كاغان انها تمتلك شفتين حديديتين ولا شيء اخر…

تضرب من باليد الحديدية؟ قال لنا جان بيرك ان قريش التي اضفت البعد الالهي على مفهوم القبيلة حولت الله الى اله القبائل لا الى اله الاكوان. هذا الواقع لا يزال نافذا حتى الان. كل قبيلة، كل طائفة، كل ملّة، وتحسب ان الله الهها فقط. أليست هذه هي الازمة التاريخية للعرب؟

لا احد الان راض عن اميركا (من قال ان مواقفنا تعنيها؟). السعوديون ساخطون، الاتراك محبطون، الايرانيون مرتبكون، الاسرائيليون يقولون ان الهولوكوست الاميركي بانتظارنا…

الاكراد سذج مثلنا. اقوياء الشكيمة لكنهم يفتقدون الدماغ الاستراتيجي الذي يخطط، ويفاوض، ويلعب. منذ ايام هنري كيسنجر، وكان محمد رضا بهلوي يستخدمهم لتدجين العراق، وصولا الى اتفاقية شط العرب، وحتى معركة جرابلس. الكل يتحركون داخل حلقات مقفلة. ومثلما العرب الذين من ادمغتهم الفذة عبد ربه منصور هادي، الاكراد الذين من ادمغتهم مسعود البرزاني، ماضون الى الانتحار…

حقا، اين هي اميركا الان؟ في سوريا مع النظام وضده، مع التنظيم وضده، مع تركيا وضدها، مع السعودية وضدها…

اوغيست هاننغ، الرئيس السابق للاستخبارات الالمانية يسأل ما اذا كانت روسيا تعمل لحساب اميركا في سوريا ام ان اميركا تعمل لحساب روسيا في اميركا؟ في آخر المطاف، لا تثقوا بأميركا. بمن، اذاً، نثق؟

ها ان زبغنيو بريجنسكي يلاحظ ان العالم يتجه الى معادلات اخرى مع حلول منتصف القرن. بطبيعة الحال، لا روسيا، ولا الصين، يمكن ان تضع اميركا جانبا. المسافة التكنولوجية هائلة، المسافة المادية هائلة، ولكن لا يمكن لاميركا ان تبقى هكذا، اي تفكر بالطريقة نفسها بعد تلك الليلة الليلاء في هيروشيما…

غداة زوال الاتحاد السوفياتي قال جورج بوش الاب بقيام النظام العالمي الجديد( نظام وحيد القرن). علق بريجنسكي» بل انها الفوضى العالمية الجديدة». الكرة الارضية لا تقف على قرن ثور.

لا احد كان يتوقع ان تضرب تورا بورا في نيويورك. لساعات بدت المدينة وكأنها إرم ذات العماد. ناطحات السحاب تتهاوى، واخلاء البيت الابيض. اذاً، كتب وليم كريستول» لقد خرج البرابرة من الثلاجة». القلة سألت «من صنع هؤلاء البرابرة؟».

حلفاء اميركا تحولوا الى مشكلة. انتبهوا ان السماء تعمل احيانا لحساب اميركا. من يقرأ ما يصدر عن معاهد الابحاث لا يعود لديه شك في ان الانظمة العربية الابدية (او الآبدة) الى زوال…

ما البديل؟ اسألوا «جنرال الكتريك». هنا الانظمة تصمم وتصنع مثلما تصنع المكانس الكهربائية. اذاً، ماذا تصنع المكنسة بالزمن؟!