اقتصاديات الأزمة..العيادة الاقتصادية السورية

0
79

دمشق –  الدكتور عامر خربطلي |

عودٌ على بدء حديث اربعاء الاسبوع الماضي والذي حمل عنوان (اقتصاد الكورونا ) ورغم أن الوضع العالمي لم يسبق له في أسوأ حالاته في العصر الحديث بأن وصل إلى هذا الحد من الاجراءات الوقائية من اغلاق للحدود والمطارات والحدود واقفال أغلب النشاطات الاقتصادية وبخاصة التجارية منها وهي جميعها ورغم انها مرحلة عصيبة ودقيقة تمر بها دول العالم إلا أن الحياة مازالت تنبض ونأمل من الله تعالى أن تبقى تنبض بالعافية والسلامة للجميع .

تشير مصادر منظمة (الاوتكتاد) مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية أن الصدمة التي تسبب بها (فايروس الكورونا )  ستؤدي حتماً لركود الاقتصاد العالمي وإلى انخفاض في معدلات النمو الاقتصادي العالمي بما لا يقل عن 2.5% وربما تسوء الاحوال أكثر إلى درجة تسجيل عجز في الدخل العالمي بقيمة 2000 مليار دولار مما يعود بنا إلى انهيار هو الاسوء بعد أزمة الكساد العالمي الكبير عام 1929 والواضح حتى الآن هو تراجع حاد في الاسواق المالية وتراجع في قيمة الأصول المالية للاستثمارات المنجزة مع تزايد واضح في أزمة الديون فعتلة الانتاج وظهور حالات الافلاس الاقتصادي نتيجة الذعر وصعوبة التنبؤ لحركة الاسواق والمحتم حتى الآن من انعكاسات هذه الأزمة هو انخفاض اسعار البترول بشكل حاد وارتفاع في اسعار السلع والخدمات حول العالم نتيجة الاجراءات الوقائية المتبعة في أغلب الدول المنتجة للمواد والسلع و المقدمة للخدمات وتاريخ الازمات العالمية مليء بالأمثلة المعروفة ويمكن ذكر بعضها :

1- أزمة التوليب عام 1637 هو أول انهيار لسوق الاسهم في التاريخ بعد فقاعة المضاربة على اسعار زهور التوليب في هولندا وأدت لانهيار الاسعار.

2- أزمة الكساد الاقتصادي العظيم منذ عام 1929-1936 بدأ الانهيار في الخميس الاسود  24/10/1929 وأدى إلى انهيار سوق الاوراق المالية وبدأت في الولايات المتحدة الامريكية واجتاحت كل بلدان العالم .

3- الازمة الاقتصادية العالمية 1973 نتيجة ارتفاع اسعار النفط بعد حرب تشرين وأدت إلى خنق الاقتصاد العالمي الذي دخل في ركود .

4- أزمة عام 1987 من خلال انهيار الأسهم في الاثنين الاسود في بورصة وول ستريت وامتدت لأغلب البلدان الرأسمالية في العالم .

5- الكساد الاقتصادي لسوق الاسهم عام 2000 أو انهيار فقاعة الانترنت.

6- الأزمة المالية 2008 (أزمة الرهن العقاري ) الذي بدأت عقب انفجار فقاعة الاسكان الامريكية وامتدت إلى أغلب دول العالم.

7- أزمة عام 2011 من خلال أزمة الديون اليونانية وامكانية خروجها من اليورو ومخاطر افلاس بعض البنوك وخفض تصنيفات عدة دول وخطط التقشف.

في العودة للأزمة المحتملة عام 2020 من جراء (الكورونا ) يمكن القول أنه في وقت الازمات كثيرا ما تنخفض أسعار أصول استثمارية أو تستقر وترتفع أصول أخرى، ووسط هذه الموجة من التقلبات يفضل المستثمرون الاحتفاظ بالسيولة النقدية لمواجهة أي مخاطر محتملة أو تدهور شديد في الأوضاع السائدة، وعادة ما تقوم الاستراتيجيات الاستثمارية في أوقات الأزمات باستغلال قاعدة أن السيولة النقدية أو الكاش هو (ملك) ، لذا فمن الممكن استغلال هذا الملك في اقتناص فرص استثمارية تتمتع بعائد مجزٍ بمجرد انتهاء هذه الأزمة أو هكذا يقول أصحاب نظرية الاستثمار في الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويعزز أصحاب هذه النظرية رأيهم بأن التاريخ يشير دوما بأن لكل أزمة ذروة ومن ثم فإنها سرعان ما تتراجع حدتها أو تتلاشى نهائيا إلا نادرا. وقد يكون الاستثمار في الأفكار الريادية والمشاريع المبتكرة أحد أفضل السبل للاستثمار في أوقات الأزمات، وربما يأتي ذلك بديلا عن الاستثمار التقليدي واللجوء إلى الملاذات الآمنة

الأهم هنا هو السلوك والتصرف الواجب على الأفراد الراغبين في الاستثمار التحلي به، فعليهم الهدوء وإدارة صافى مدخراتهم بحكمة وصبر و هي من أهم الأدوات التي يجب تفعيلها في مثل هذه الأوقات. كما يجب ألا نواكب الموضة الرائجة بمعنى أنه لا ينبغي لك أن تسير في استثماراتك وفق غريزة القطيع خصوصا في مجالي الأسهم والعقارات وعدم وضع كل البيض في سلة واحدة مهما بدا أحد الاستثمارات مغرياً، فتنويع المحفظة الاستثمارية وقطاعات الاستثمار أمر عادة ما يوصف بأنه من أساسيات كل مستثمر ناجح، لأنه ببساطة كفيل بحماية الاموال من الضياع كليا وهنا لا بد من تجنب القروض قدر المستطاع والتركيز على تملك الاصول بالإضافة لتجارة المواد الاولية .

وفى النهاية لا نستطيع أن ننكر أن اتخاذ الأفراد قرار استثمار مدخراتهم في أوقات الأزمات أو حالات الركود الاقتصادي التي قد تصاحب الأزمات أمر في غاية الصعوبة، ويختلف اتخاذ القرار من سوق لآخر ومن اقتصاد لآخر، وأخيراً لابد من التأكيد بأنه لا داعي للقلق فالاقتصاد السوري أصبح الآن لديه القدرة على مواجهة الصدمات محلياً وعالمياً فهو اقتصاد غير منكشف أو معتمد على نمط أو شكل معين في الإنتاج والاستثمار أو في الزراعة والخدمات بل هو اقتصاد متنوع يعتمد فيأجزاء كبيرة منه على الموارد المحلية المتنوعة أصلاً والمتقاربة في المسافات والمعتمدة على ثلاثية (الانتاج – التخزين – التسويق ) وهي رغم كونها طريقة تقليدية تجاوزتها اساليب البيع الحديثة إلا أنها في ظروف الأزمة تبدو الأفضل لحالات حظر التجول الكلي أو الجزئي كما أن والازمة التي مرّت على بلدنا منذ عام 2011 منحت الاقتصاد السوري رغم جميع الخسائر مناعة أكبر على صعيد ارتدادات الازمات العالمية وحتى المحلية .