ابراهيم الأمين: “بيريسترويكا” سلمان في مملكة القهر

0
37

بيروت|

يكاد سلمان آل سعود، يشبه ميخائيل غورباتشوف. قاد الأخير عملية تفكك ـ يعتقد كثيرون أنها كانت حتمية ـ للاتحاد السوفياتي العظيم. وها هو سلمان، يفتتح عملية تفكيك مملكة آل سعود غير العظيمة. عناصر الشبه تتصل حصراً بالاعتقاد بأن المشكلة هي في الأشخاص الذين يتولون المناصب الرفيعة التي تحكم البلاد.

توهم آخر زعماء الاتحاد السوفياتي أن مشكلة الحريات يمكن معالجتها من خلال كلمة «غلاسنوست» أو الشفافية. وهي كلمة اكتشفت لانغلي أهميتها لاحقاً عندما قررت ملء العالم بآلاف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تطالب بالشفافية. ثم حمل الرفيق الأمين العام مشعل التغيير الشامل من خلال إطلاقه نظرية الجيل الشاب الذي سيتولى مقاليد البلاد. كانت لعبة سمجة استمرت بضعة أشهر لا أكثر، قبل أن يُنسف العمود الرئيسي ثم بدأ البناء بالسقوط.

اليوم، يجد سلمان ـ وللدقة ـ يجد من يدير عقل سلمان، أن علاج أزمة مملكة القهر يكمن في نسف قواعد بُني عليها اختيار المسؤولين البارزين منذ استيلاء آل سعود على الجزيرة العربية. وهو لا ينفك يقيل هذا ويعين هذا منذ الساعة الأولى التي أعلن فيها طبيب العائلة وفاة سلفه عبدالله. وبرغم أن «أوامره الملكية» بدت كأنها مطبوعة ومعدة سلفاً، إلا أنها لا تنمّ عن تخطيط أو وعي لحقيقة المشكلة. إنها تعكس العقل الانقلابي الذي يسيطر على هذا العقل البدوي.

وهي تقود عادة إلى محاولة الإمساك بكل شيء، وإشراك من لا يمكن تجاهله. وفي هذه الحالة، لا ينمّ تواضع سلمان وفريقه إزاء عائلة نايف عن احترام للمقامات والعادات، بل هو إجراء اضطراري، لأن الولايات المتحدة الأميركية، وافقت على تغطية كل ما يريد القيام به، شرط عدم التعرض لمحمد بن نايف. قال الأميركيون منذ اليوم الأول لسلمان: لك الحكم، لكن محمد بن نايف شريك فعلي. وهذا ما يحصل.

جاء العدوان على اليمن ليكشف الغطاء عن عجز التغييرات الأولى عن تحقيق أي هدف. وجاءت قرارات أمس، لتظهر للجمهور عن الجزء الثاني من الانقلاب. لكنها لم تأت بجديد. فالكل يعلم أن مقرن كان ولياً للعهد بالاسم فقط. والكل يعلم أن عادل الجبير كان وزير الخارجية منذ اليوم الأول، والكل يعلم أن تغييرات واسعة كانت تجري في الديوان وبعض مؤسسات الدولة، وقد حان وقت إنجازها علناً. والمشكلة الوحيدة الباقية، هي في متعب ابن عبدالله، الذي يقود الحرس الوطني، ولكنه يعرف أنه محاصر من كل جانب. وها قد قرر محمد بن نايف، اللجوء إلى بدعة الأفواج التي تتشكل من القبائل، والتي تتبع له ـ والتي ستتولى المهمات الأساسية عند الحدود الجنوبية، ثم الشرقية ـ وهي التي ستشكل النواة الإضافية للقوة الضاربة في وزارة الداخلية، والموازية لكل الأطر العسكرية الأخرى.

بيريسترويكا غورباتشوف، فتحت الباب أمام تدمير أكبر وأعظم دول العالم خلال عامين فقط. ودمرت منظومة من البناء الاقتصادي والعسكري والاجتماعي والسياسي. وأعادت بعض الشعوب مئات السنين إلى الوراء. وأوصلت المافيا المقتدرة إلى مراكز التحكم بالثروات والمقدرات. ولم يكن ممكناً أن تتشكل هذه المافيات، من غير الجسم الانتهازي الذي كان له حضوره ونفوذه أيام الحكم الحديدي. فمن غير هؤلاء، ينقل البندقية من كتف إلى كتف، ومن غير هؤلاء يبيع كرامة بلده إلى الخارج، ومن غير هؤلاء يرتكب الجرائم باسم إطلاق الحرية والعدالة… والشفافية!

أما تغييرات سلمان آل سعود، فهي ضربات مغمض العينين الذي يحركه منام أو رؤيا. طبعاً لا هو ولا آخرون من حوله سيقرون بأن كل ما يقومون به لن يحفظ لهم هذا البناء المهترئ. حتى أجساد الناس التي تهلك لحماية أساساته لن تنفع. ولعنة اليمن ستسرع انهيار آخر ممالك القهر في بلادنا بعد مملكة إسرائيل. وستكشف المرحلة المقبلة، كم هو هش هذا النظام، وكم هي الثقة مفقودة بين أركانه. وسنسمع يومياً المزيد من اكتشاف خلايا «داعش» وربما طلعوا علينا غداً بخلايا «حوثية» أو خلافه. هم يشعرون بالخناق وهو يضيق، وفي كل مرة، سيضربون من أمامهم ومن حولهم، ولا يصيبون إلا جسمهم. وهو مسلسل سيستمر حتى يتهالك الجسد ويسقط من دون صراخ.

ما يحصل الآن في مملكة القهر، هو رقصة الجنون. يقف المرء عند خاطر الانتهازيين الذين لم يتعودوا هذا المستوى من الرقص. ليس هناك كلمات سر تعمم في أنظمة التآمر. وعلى المرء الصمت والتحوط، والاستعداد لإعلان الولاء متى يصدر الأمر. لكن لهؤلاء الانتهازيين البال الطويل لأجل قول كل ما يلزم في اللحظة المناسبة. أصلاً لا يعرف هؤلاء من الولاء للدولة إلا الولاء للحاكم. ولنأخذ مثالاً، رئيس حكومتنا المقبل سعد الحريري، الذي لم ينه بيان نعي الملك السابق عبدالله حتى أصدر بيان التهنئة للملك الجديد. ثم ما إن أنهى زيارات التهنئة للقادة الجدد، حتى اضطر إلى إصدار بيان جديد عن «حكمة القيادة» في خلع هؤلاء. وهو سيجلس في منزله يراجع مع العاملين معه كيفية مد التواصل مع الجدد. وستظل مشكلته هي هي: كيف يمكن إرضاء محمد بن نايف!