فيريل : إنفجار أم تفجير ميناء بيروت؟

0
203

الدكتور جميل م. شاهين.

إنفجاران متتاليان وقعا بعد ظهر الثلاثاء 04.08.2020 في ميناء بيروت. حريق ما لم تتم السيطرة عليه، يمتد ليصل إلى نترات الأمونيوم فيحدث إنفجار كبير. مئات الضحايا والمفقودين وآلاف الجرحى من عشرات الجنسيات بينهم عرب وأجانب وخسائر بالمليارات. المُتهم الأولي هو “الفساد والإهمال” وسفينة أُفرغت حمولتها قبل ست سنوات. متهمون… إمّا أن يتم تجريمهم مع الحرص على كونهم صغاراً، فتُطوى القضية وانتهينا… فهل فعلاً انتهينا؟ أو ستأخذ المتاجرة بالقضية من قِبَل الدول والزعامات أبعاداً أكثر من إقليمية مع دعوات للجنة تحقيق دولية بدأها البنتاغون باستعداده للمشاركة فيها؟ مهما يكن، الكثير سيُبنى على هذا الحادث المأساوي سياسياً وإقتصادياً وما بعدهما. إلى التفاصيل ومعذرةً على الإطالة رغم أنّ الكثير مازال في جعبتنا إلى حين…

إنفجارات مشابهة

إنفجار مرفأ بيروت ليس الوحيد في العالم. دعونا نقرأ بعض المعلومات حول إنفجارات تكررت عدة مرات في دول متقدمة في مخازن نترات الأمونيوم. قارنوا… قارنوا بين كمية المتفجّر وحجم الخسائر مع إنفجار بيروت، ماذا تستنتجون؟

في 21 أيلول 1921 انفجر 400 طن من أصل 4000 طن من نترات الأمونيوم في مصنع BASF لتصنيع السماد بمدينةOppau جنوب غرب ألمانيا. الإنفجار الأول حصل بـ 70 طناً ثم تلاه إنفجار ثانٍ. السبب خطأ فني في خلط المزيج لتصنيع الديناميت. شاهدوا تفاصيل على الجدول.

في 16 نيسان 1947 انفجرت سفينتا الشحن Liberty-Frachter و High Flyer اللتان كانتا تحملان 900 طن من نترات الأمونيوم و1800 طن من الكبريت في ميناء تكساس. السبب حريق في السفينة أدى لإرتفاع حرارة النترات لأكثر من 400 درجة فانفجرت. تكسرت النوافذ على بعد 60 كم. الضحايا 581 و113 مفقوداً و5000 جريح وخسائر بنصف مليار دولار آنذاك.

في 28 تموز 1947 انفجرت سفينة الشحن النرويجية L’Ocean Liberty في ميناء Brest غرب فرنسا، تحمل 3133 طنّاً من نترات الأمونيوم.  33 ضحية و 1000 مصاب. السبب إشتعال النيران في شحنة مرافقة من النفط والبارافين على نفس السفينة، والتي سبق أن حذّر منها القبطان دون أن يستمع له أحد. استمر الحريق عدة ساعات قبل الإنفجار الكبير مما سمح بإخلاء المنطقة فخفّفَ عدد الضحايا، بينما حاول البحّار Yves Bignon قطر السفينة إلى عرض البحر فلاقى حتفه أثناء الإنفجار وتم تكريمه لاحقاً. تدمر 5000 مبنى ومنزل بالإضافة لتدمير كامل الميناء.

أوكلاهوما 19 نيسان 1995، Timothy McVeigh يُفجّر سيارة مُحمّلة بـ 2300 كغ من نترات الأمونيوم المخلوط بنيتروميتان أمام مبنى الأمن الفيدرالي بالمدينة. الضحايا 168 والجرحى 684 وتدمير المبنى.

إنفجار تولوز

بمناسبة زيارة ماكرون سنركز قليلاً على إنفجار تولوز. 21 أيلول 2001 انفجر 300 طن من نترات الأمونيوم في مكب للنفايات الكيميائية لمصنع الأسمدة AZF Azote Fertilisants المملوك لشركة TotalFinaElf مدينة تولوز بفرنسا. النتائج؛ وفاة 31 شخصاً وإصابة آلاف وخسائر كبيرة 1,5 مليار يورو.

في 4 تشرين الأول 2001 وزير البيئة الفرنسي Yves Cochet: (قد يكون الإنفجار هجوماً إرهابياً). الشبهات ازدادت خاصة أنّ الحادثة وقعت بعد أحداث سبتمبر 2001 بعشرة أيام فقط. المشتبه به “حسن جندوبي” مُقاول من أصل تونسي من مواليد تولوز 1 آذار 1966. صنفتهُ الشرطة الفرنسية “متطرف إسلامي” قبل الحادثة، كان عضواً ناشطاً في “جامع تولوز” ويترأس عصابة سرقة سيارات من ألمانيا حسب ملفات الشرطة نفسها، كما احتفل بضربة 11 سبتمبر مع متطرفين آخرين. جندوبي لاقى حتفهُ في الإنفجار… كيف؟!

قبل الإنفجار بخمسة أيام فقط، تعاقدت الشركة مع حسن جندوبي لإفراغ شحنة من ammonium nitrate نترات الأمونيوم!! يوم الإنفجار عُثر على جثته على بعد 30 متراً، التقرير الطبي الذي قدمته منظمة Médecins du Monde الطبية الفرنسية الشهيرة يقول: (كان حسن الجندوبي يرتدي لباس المقاتلين الإصوليين الإنتحاريين بما في ذلك 4 سراويل داخلية! لون عينيه تحوّل إلى الأزرق وتشريح جثته يدل على أنّ سبب الوفاة كانت نتيجة صعق كهربائي وليس بسبب الحريق.)!.

سلطات مكافحة الإرهاب الفرنسية طالبت بتفتيش منزل المشتبه، لكنّ المدعي العام في تولوز Michel Breard منعها لمدة خمسة أيام بعد الحادث. بعد ذلك قامت الشرطة بتفتيش منزله، ليتبيّن لها أنّ زوجة حسن جندوبي قد أحرقت كافة ملابس وممتلكات وحتى صور زوجها!! النتيجة: حادث عرضي ولا يوجد فاعل.

في 4 آب 2004 انفجر قطار محمل بنترات الأمونيوم في مدينة Ryongchŏn بكوريا الشمالية. 161 ضحية و1300 جريح. السبب تصادم قطار محمل بالنترات حوالي 1300 طن، مع آخر محمّل بالبترول، اشتعل البترول فتسبب بالإنفجار الكبير. دُمّرَ 1850 منزلاً بشكل كامل بالإضافة لتدمير تجاوز 40% في 6350 منزلاً آخر ومعه وسط المدينة، الخسائر حوالي 550 مليون دولار.

ميناء Tianjin في الصين. 12 آب 2015 السبب حريق قرب عنبر لتخزين نترات الأمونيوم لم تتم السيطرة عليه، امتد إلى العنبر الذي يحتوي على 820 طناً. الضحايا 173 و8 مفقودين و797 جريحاً. تدمير الميناء بشكل كامل. هزّة أرضية بقوة 2,9. تدمر بشكل كامل أو جزئي أكثر من 17 ألف منزل و1700 شركة و 675 محل تجاري و8 آلاف سيارة و7600 حاوية. خلال 13 يوماً من الحادث عادت 223 شركة إلى العمل بعد ترميم المباني… قُدرت الأضرار بـ1,5 مليار دولار.

السؤال: ماذا استنتجتم من المقارنة؟ هل إنفجار ميناء بيروت طبيعي سببهُ الإهمال فقط؟

استنتاجات مركز فيريل للدراسات حول إنفجار ميناء بيروت

أولاً: لا يمكن أن يحدث الإنفجار بدون مُسبّب أو فاعل.

تُصنّفُ نترات الأمونيوم بأنها مادة آمنة غير قابلة للإنفجار إلا بوجود مُحرّض أو مسبب. يمكن أن تشتعل وتحترق دون أن تنفجر، كي تنفجر تحتاج إلى صدمة حرارية كبيرة بخلطها بمواد قابلة للاحتراق أو للإنفجار. تستخدم في الزراعة كسماد أو في المناجم لتفجير الصخور كما يستخدمها الإرهابيون في السيارات المفخخة كما حدث في سوريا والعراق، ولا تستخدم في الصواريخ. السرعة الانفجارية لنترات الأمونيوم بين 2500 و2700م/الثانية، سرعة إنفجار تي ن تي 6900 م/ثانية.

لا تُخزّن نترات الأمونيوم إلا في حاويات مغلقة بإحكام لأنها تمتص الرطوبة.

ثانياً: شبّ حريقٌ ما في العنبر وهو سبب الدخان الأبيض المُنبعث قبل الإنفجار، تلتهُ سلسلة إنفجارات صغيرة مرافقة كأنها مفرقعات نارية. هذا الحريق أمّن الصدمة الحرارية المطلوبة. ما الذي اشتعل وكيف وهل هناك فاعل؟ الجواب على هذا السؤال يقودنا لنصف الطريق.

ثالثاً: لا يمكننا أن نستبعدُ في مركز فيريل للدراسات أيّ تدخل جوي أو من البحر، لكن ليس كما أظهر فيديو مفبرك قصفاً بصاروخ أو وجود مروحية. التدخل إن حصل، يكون بسبب تأخر الإنفجار المطلوب فلجأ الفاعل لتحريضه.

رابعاً: ليس هناك أي إنفجار أو تفجير نووي كما أشيع. الكرة على شكل فطر تتشكل في كل إنفجار كبير نتيجة تخلخل الهواء ودفعه بعيداً عن المركز نتيجة الضغط الهائل، فيخفّ وزنه ويتصاعد نحو الأعلى بشكل كروي، ثم يعود ويندفع نحو المركز. الكرة التي تشكلت في إنفجار بيروت مكونها الأساسي بخار الماء المحيط بالمنطقة والدليل إختفاء هذه الكرة خلال ثوانٍ. بشكل مُبسّط؛ لو كان إنفجاراً نووياً لكانت النتائج كارثية أضعاف ما حصل بشرياً ومادياً.

خامساً: الطاقة التدميرية الناجمة عن الإنفجار لم يصل منها إلى مدينة بيروت سوى جزء، لأن المنطقة محاطة بالبحر من ثلاث جهات ولو جزئياً. الأرض امتصت جزءاً كبيراً تسبب بحفرة قطرها حوالي 90 متراً، بينما امتصت الصوامع المجاورة جزءاً آخر. وهذه حالة مشابهة لما حدث في باقي الإنفجارات. راجعوا الحالات المشابهة.

سادساً: الحريق الذي شب وما تلاه لا يُظهر إنفجار أية أسلحة أو ذخائر أو صواريخ كانت مُخزنة حسب ما زُعمَ. المزيد من الاستنتاجات قادم.

على عهد مَن دخلت شحنة الباخرة؟

فور الإنفجار سارعت وسائل الإعلام لتوجيه أصابع الاتهام نحو الحزب … لكنهم جميعاً لم يتحدثوا متى دخلت الشحنة وعلى عهد مَن مِن الزعماء، وما أكثر الزعماء في لبنان! هنا لا نتهمُ في مركز فيريل للدراسات أحداً ولا نُبرئُ أحداً أيضاً…

استقرت الرواية “المخلخلة” على باخرة تدعى Rhosus ترفعُ علم ملدافيا، أبحرت من ميناء Batumi في جورجيا باتجاه موزامبيق بتاريخ 23 أيلول 2013 تحمل 2750 طناً من نترات الأمونيوم.. تعرفون القصة ولا داعي لتكرارها هنا.

القصة بحاجة لحبكة أقوى؛ إعتقال البحارة الأوكرانيين في بيروت وقبطانها الروسي غير مقنع وغير قانوني. أجرة نقل الشحنة أعلى من سعرها! الشركة في موزامبيق لم تُطالب بالشحنة المصادرة حتى يوم الإنفجار! هل تفحص سلطات مرفأ بيروت كل سفينة راسية ولو لفترة قصيرة؟ طالما أنّ هذه السلطات آنذاك كانت مهتمة جداً بسلامة البحارة الأجانب، أين هي سلامة الشعب اللبناني؟

طالما أنّ سلطات ميناء بيروت آنذاك كانت مهتمة جداً بسلامة البحارة الأجانب، أين هي سلامة الشعب اللبناني؟

مكتب محامي الطاقم “مكتب باردوي وشركاؤه” قال في مذكرة وجهها إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت: (هناك خطر وشيك يواجهه طاقم السفينة نظراً لطبيعة البضائع الخطيرة على متنها).

أُفرغت الشحنة بأمر من سلطات مرفأ بيروت في العنبر 12 في تموز 2014، على أن يجري مزاد لبيعها والحديث منذ أكثر من 6 سنوات. 

ست سنوات مرت وميناء بيروت يحتوي على قنبلة نووية موقوتة، لماذا؟ أهي البيروقراطية والفساد فقط؟!

دخلت الشحنة في عهد رئيس الوزراء السابق ابن “طرابلس”… نجيب ميقاتي، الذي بقي بمنصبه منذ 13 حزيران 2011 حتى 15 شباط 2014، وزير الأشغال العامة والنقل المسؤول الأعلى عن حركة ميناء بيروت كان (غازي العريضي) من الحزب التقدمي الإشتراكي جنبلاط. مدير عام الجمارك شفيق مرعي المقرب من تيار المستقبل. قاضي الأمور المستعجلة كان نديم زوين يميل لحزب الكتائب كسروان… كل هؤلاء أعلنوا عدم مسؤوليتهم أو حتى علمهم بهذه الشحنة!! حسب زوين: (لم يكن لي علاقة على الإطلاق بملف المواد التي انفجرت في مرفأ بيروت لا من قريب ولا من بعيد، ولم يُعرض عليّ أي طلب ولم يصدر عني أي قرار بهذا الشأن)!.

ثم جاء رئيس الوزراء تمام سلام 15 شباط 2014 حتى 18 كانون الأول 2016، بعدهُ سعد الحريري منذ 18 كانون الأول 2016 حتى 19 تشرين الأول 2019، وأخيراً حسن دياب منذ 19 تشرين الأول الماضي. هؤلاء مروا ولم يسمعوا بشحنة خطيرة في ميناء بيروت، ولم يستجيبوا لتقارير قُدّمت إليهم تطالب بتفريغ العنبر 12 لخطورة المخزون!

المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات قرر منع سفر: مدير الجمارك الحالي بدري ضاهر والسابق شفيق مرعي، مدير المرفأ حسن قريطم بالإضافة لـ مصطفى فرشوخ ونائلة الحاج وفوزي البراكس وميشيل نحول. ببحثنا في مركز فيريل للدراسات وجدنا أنّ قاضي الأمور المستعجلة الحالي السيدة “هالة نجا” أصدرت قراراً في 4 آذار 2020 يقضي بمنع سفر رئيس لجنة إدارة واستثمار مرفأ بيروت حسن قريطم، لعشرة أيام والسبب اتهام بهدر المال العام والإهمال الوظيفي.

مَن قام بتفجير ميناء بيروت؟

لا نملك إجابة شافية لهذا السؤال ولن يملكها أحد… استغلال الحادثة بدأ منذ اللحظات الأولى وسوف يستمر، لهذا لا نتوقعُ في مركز فيريل للدراسات أن يكون هناك كشف شبه تام لما حدث، لأن التجاذبات السياسية والإقتصادية والضغط الخارجي والداخلي سيفعل فعلتهُ، ولن يبقى للشعب سوى الترحم على الضحايا… هذه حقيقة تحدث في كافة دول العالم.

كان… ميناء بيروت من أفضل موانئ الشرق الأوسط

المعروف أنّه للوصول إلى الفاعل علينا تحديد المستفيد من ارتكاب أية جريمة. مَن هو المستفيد من تدمير ميناء بيروت وضرب الاقتصاد اللبناني المنهار أصلاً؟ أول المتضررين هو الشعب اللبناني دون شك ثم تأتي سوريا وحزب الله. بما أنّ حزب الله يُسيطر على الميناء كما يُقال، وتصلهُ شحنات الصواريخ عبرهُ، فهل يُعقل أن يقوم بتدميرهِ؟! ماذا يستفيد؟ أمّا خبر تخزين الحزب لمادة C4 في الميناء، وهي مادة شديدة الإنفجار، فهذا كلام لا يستحق المناقشة. الحزب لديه مخازن تحت الأرض فهل يُخبئ أسلحته في منطقة مكشوفة سهلة الوصول؟! كذلك بالنسبة لسوريا؛ تدمير ميناء بيروت فيه أكبر الضرر لاقتصادها السيء أولاً… العقوبات على سوريا تمنعها من الاستفادة من تدمير الميناء اللبناني لصالح الموانئ السورية. ثم إيران التي تريد أن يستقر هذا البلد كي تتوسع قاعدتها فيه.

مَن هو المستفيدُ من تدمير ميناء بيروت؟

تستفيدُ إسرائيل من أي اضطراب أمني في لبنان لأنه سيطال الحزب وسوريا، وضرب ميناء بيروت يُنعشُ نوعاً ما ميناء حيفا. كما يُعطيها الإنفجار فكرةً عما قد يحدث لديها إن ضُرِبت مستودعات الأمونيا في حيفا…

سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دنون أمام مجلس الأمن، 23 تموز 2019: (كشفت المخابرات الإسرائيلية أدلة تظهر أن فيلق القدس الإيراني يستخدم ميناء بيروت لشحن المواد إلى المنظمة منذ العام الماضي… في العامين 2018 و 2019 وجدت إسرائيل أنه يتم تهريب المواد ذات الاستخدام المزدوج إلى لبنان لتعزيز قدرات حزب الله الصاروخية والقذائفية. ميناء بيروت أصبح ميناء حزب الله…)

حزيران 2019؛ قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، الجنرال أمير برعام: (قد نقوم بعمليات علنية وسرية ضد الحزب ولبنان، ردا على جهود حزب الله لبناء بنى تحتية له على طول الحدود. من المرجح أن يدفع لبنان ثمنا باهظاً لسماحه للحزب بالترسخ هناك).

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: (يُخفي للحزب منشآت إنتاج صواريخ دقيقة تحت بيروت، وتقع على مقربة من مطار بيروت الدولي… الطائرات المقاتلة الإسرائيلية يمكن أن تصل إلى أي مكان في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران.).

نبقى في لبنان

دعونا نبقى في لبنان. ونُكرر هنا؛ لا نتهم في مركز فيريل أحداً أو جهة معينة لكننا نُحلّل استناداً لمعلومات قسمٌ منها منشور على وسائل الإعلام. كافة الموانئ اللبنانية الأخرى تستفيد من تدمير ميناء بيروت. ميناء طرابلس الثاني حجماً لا يمكنه أن يحلّ المشكلة. محافظ بيروت: (أعتقد أن الحكومة بصدد إعداد مرفأ طرابلس للفترة المقبلة، ليعوض النقص الذي سيتركه مرفأ بيروت.).

تستفيدُ بعض الدول من إمكانية الحصول على عقود إعادة إعمار الميناء كالصين وفرنسا مثلاً، لكن هذا لا يعني أنها وراء ما حدث.

ثالث أكبر مجموعة شحن في العالم،CMA-CGM  الفرنسية تشتري 20% من الشركة اللبنانية  Gulftainer Lebanonالمستثمرة لميناء طرابلس.

المفوض الأوروبي للشرق الأوسط يوهانس هان 27 آذار 2018: (ميناء طرابلس شمالي لبنان، قادر على تقديم الفائدة للبنان ولسوريا في إعادة الإعمار المرتقبة).

في 2 شباط 2019 تقرير صحيفة “الفايننشال تايمز“ البريطانية: (مرفأ طرابلس هام جداً في إعادة إعمار سوريا… الاهتمام الصيني كبيرٌ بهذا المرفأ لهذه الغاية. أبرمت الشركات الصينية عقوداً في مرفأ طرابلس، أحدها بـ58 مليون دولار. أرسلت الصين عام 2018 ست رافعات جديدة لتوسيع وتعميق ميناء طرابلس. توسيع المرفأ عالق في ظل الأزمة الحكومية السابقة).

إنعاش ميناء طرابلس يُنعش المدينة والمنطقة كاملة، فمَن سيحظى بنصيب الأسد في طرابلس يا ترى؟ ومَن هي الدولة التي تدعم طرابلس؟ يمكنكم مراجعة البحث الذي نشرناه على موقع مركز فيريل للدراسات قبل أسبوع من الإنفجار…

استنتاجات أخرى

يمكن لمَن تابعنا حتى الآن الوصول إلى بعض الاستنتاجات الأخرى…

هل إنفجر 2750 طن من النترات في ميناء بيروت فعلاً؟

عودوا إلى جدول إنفجارات تلك المادة في دول العالم، هل وجدتم رقماً بهذا الحجم؟ الرقم الأعلى كان في Brest بفرنسا 1947 وكان 3133 طناً. سبب عدم سقوط ضحايا بشكل كبير هو إخلاء المنطقة وقطر السفينة نحو البحر. تولوز في فرنسا أيضاً بعد أحداث سبتمبر 2001، إنفجار 300 طن، خسائر كبيرة والتقدير 1,5 مليار يورو وهزة أرضية 3,4 درجة.

زمنياً وقبل خمس سنوات فقط، ميناء Tianjin في الصين. 12 آب 2015، إنفجار 820 طناً، دمار شامل أكبر مما جرى في بيروت والخسائر 1,5 مليار دولار وليس 15 مليار دولار كما صرّح مسؤولون لبنانيّون حول خسائر إنفجار بيروت!.

ما نريد قوله هو:

لم ينفجر في ميناء بيروت 2750 طناً من نترات الأمونيوم، الذي إنفجر ربما نصف الكمية، فأين ذهب الباقي؟

النترات رخيصة الثمن ولا يسيلُ لها لعاب أيّ ثري، لكن ثمنها يتضاعف عندما يكون المقصود منها إحداث تفجيرات ما. 

2015/05/06 صحيفة “حرييت” التركية تنشر: (شحناتٌ من “نترات الأمونيوم” يمكن استخدامها في تصنيع المواد المتفجرة تتدفق إلى تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا من الأراضي التركية. العديد من العمال الأتراك يعملون طوال اليوم بتعبئة النترات في أكياس ويضعونها في العربات ليتم نقلها إلى تنظيم “داعش” عبر معابر بين تركيا وسوريا). المعارض السياسي التركي محمد إيهان أكد: (سكان بلدة أكاكالي على الجانب التركي من مدينة تل أبيض السورية، يعملون في تهريب نترات الأمونيوم إلى سوريا).

لماذا ازداد وصول كميات كبيرة من نترات الأمونيوم إلى يد الإرهابيين في سوريا، وازدادت العمليات الإنتحارية باستخدام العربات المفخخة الممتلئة بأطنان منها بعد عام 2014؟ مجرد تساؤل.

الخميس23 تموز 2015، الرئاسة التركية تنفي صحة تقارير عن وجود علاقة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونجله بلال وابنته سمية، مع تنظيم “داعش”، وكل ما نشرتهُ الصحافة التركية المعارضة عن وصول شحنات من “نترات الأمونيوم” ليد داعش عبر تركيا، تأتي في إطار سلسلة عمليات لتضليل الرأي العام، وترمي لتشويه سمعة تركيا.

بزيارة ماكرون نختم الحديث هنا

الحديث لم ينتهِ، لكن التقرير باتَ طويلاً ولابد من ختمه. بزيارة ماكرون للبنان سنتختم. آخر أهداف الزيارة هو الناحية الإنسانية طبعاً، لكنها الباب الذي دخل به إلى قلوب قسمٍ من اللبنانيين واللبنانيات، الكارهين والكارهات للزعماء، والمتعطشين والمتعطشات لعودة الإنتداب الفرنسي.

ماكرون بشخصيته التي تجذب النساء كان أول الواصلين إلى لبنان وكأنه يقول بلسان الجنرال هنري غورو: (لبنان حصتي فابتعدوا عنه). يقولها أولاً لأردوغان غريمهُ الحالي وحفيد العثمانيين الذين طردتهم فرنسا من قبل. لا داعي أن يقولها للدول العربية التي أصبحت في قوقعة لن تخرج منها وأولها السعودية. الرئيس الفرنسي مجرّدُ وسيط سيسعى للتهدئة في لبنان ومحاولة إنقاذ ما تبقى بزيادة التابعية لبلاده. نسّق مع تل أبيب وواشنطن قبلَ الزيارة، وسينسّقُ مع بكين وموسكو سياسياً واقتصادياً. سيُهادن الحزبوإيران وسوريا. لكنه سيواجهُ تركيا في طرابلس لبنان كما يواجهها في طرابلس الغرب… إن نجح، سيهدأ الوضع ويعود لبنان إلى الوصاية الفرنسية بعد مائة عام تماماً على إقامته. أما إن فشل…

 مركز فيريل للدراسات. برلين. بيروت. الدكتور جميل م. شاهين