إدخال الفيل في ثقب الإبرة.. متوسط الدخل 50 ألف ليرة.. والمطلوب للأسرة 650 ألفاً!

0
68

يسرى ديب

إن العمل على التعايش مع دخل لا يتجاوز متوسط الأجور فيه الخمسين ألف ليرة، على حين المطلوب لا يقل عن 650 ألف ليرة حسب رأي الباحث الاقتصادي د. سنان ديب يصبح أشبه بمحاولة إدخال الفيل من ثقب الإبرة!

في الحسابات العملية.. إذا استهلكت الأسرة كل أسبوع طبق بيض، وصل سعره حتى كتابة هذا الموضوع إلى 6 آلاف ليرة، فهذا يعني أنه طار أكثر من نصف راتب «أم علي» البالغ 40 ألف ليرة، وإذا كانت أغلبية الأسر استغنت مؤخراً عن البيض ووضعته في قائمة المواد المنسية كاللحمة والفروج والفواكه، فلا يمكن الاستغناء عن الخبز، حيث يصل استهلاك أسرة أم علي المؤلفة من 6 أشخاص إلى 3 ربطات من الخبز يومياً، أي 9 آلاف ليرة شهرياً للخبز وحده!

تتحايل أم علي على الحاجات الشهرية وتقسم دخل الأسرة كله لشراء الضرورات القصوى في مطلع كل شهر، بعد تجميع الدخل الوارد إلى العائلة من الموظفين الثلاثة لديها، فيصبح لديهم مبلغ لا يتجاوز 170 ألف ليرة، وعلى هذا المبلغ أن يسد حاجات الأسرة بأكملها، ومن ضمنها تكاليف الدراسة ما بعد الثانوية وما دونها.

تخصص أم علي من رأس القائمة مبلغاً للسكر والرز ومواد التنظيف، والزيت يتصاعد شهرياً بسبب ارتفاع الأسعار كل يوم، وكان في آخر مرة 36 ألف ليرة، وتضيف إنها مهما «قترت» في حاجاتها فلن تقل عن 30 ألف ليرة في الشهر. للخضار والحشائش الأرخص دائماً، وفي الحالات الضرورية جداً تشتري 1-2 كيلو لبن، لا يقل سعره عن الألف ليرة، وهنالك مصروف لا يستهان به للمتة التي لا يمكن الاستغناء عنها كما تقول أم علي، ولا يقل مبلغ استهلاكها شهرياً عن 40 ألف ليرة.

تحاول أم علي وجميع أفراد أسرتها الذين يستخدمون المواصلات العامة يومياً تقليص نفقات الركوب في المواصلات العامة، ومع ذلك لا تقل تكاليف المواصلات الشهرية عن 30 ألف ليرة، وهذا لا يشمل مصاريف الدراجة النارية من البنزين وغيره التي يستخدمها ابنها للوصول إلى عمله.

ضغط النفقات بأقصى حدوده، والمنسيات أكثر من الأشياء التي يتم استهلاكها، ولكن في النصف الثاني من الشهر يصبح الاستجرار من الدكان أو البقاليات يسجل في قائمة الديون عند صاحب البقالية ريثما يحصلون على الراتب من جديد، إذ إنه رغم تذمر أصحاب البقاليات من الديون، لكنهم لن يتمكنوا من البيع إذا لم يفتحوا دفتراً للديون، ومع نسبة التضخم الهائلة، أصبح الركود التضخمي سمة عامة لدى جميع المحلات والقطاعات، فكما يشتكي أصحاب محلات اللحمة من تراجع زبائنهم وكمية مبيعاتهم لكثير من زبائنهم من الكيلوات للبعض إلى الغرامات، كذلك الحال مع باقي السلع من أصحاب محلات الألبسة أو الأحذية.. الخ.

الأرخص

لا داعي للحديث عن النوعيات فالأرخص هو السلعة المطلوبة مهما كانت مواصفاتها، لذا يقول أبو عبد اللـه وهو أب لخمسة أولاد أنه يبحث عن الأرخص من كل شيء، وحتى لو علم اليقين أن علبة الشاي التي اشتراها لن تعطيه لون الشاي أو طعمها لكنه لا يتوانى عن شرائها مادامت الأرخص.

مع الحاجة الماسة للأساسيات هل أغلقت محلات التجميل؟

لم تغلق وما زالت الصبايا تشتري مواد التجميل وتتجمل، ولكن غالباً بأسوأ الأنواع وأرخصها، وغالباً يخصص مبلغ جانبي جداً لشراء بعض مواد التجميل الرخيصة وتعويض ما انتهى من المجموعة، تقول العشرينية سارة ( طالبة جامعة) إنها بالكاد تستطيع تبديل ملابسها التي ترتديها كل فصل، إذ إن أجار المواصلات والذهاب إلى الجامعة بأكثر من باص يشكل عبئاً على أهلها، وأن محاولاتها المتكررة للعمل إلى جانب الدراسة لا تجدي دائماً، لأنها تدرس الهندسة وتحتاج إلى دوام ومتابعة من جهة، ولأن ما تحصل عليه من أجور بكل الأعمال التي تحاول عملها لا يعود بمبالغ تحقق فروقاً مجزية، تقول سارة إنها تشتري مواد تجميل عن البسطة حيث الأسعار الأرخص دون التفكير في النوعية.

كانت محلات البالة تشكل ملاذاً لأغلبية الناس ويجدون ضالتهم فيها، لأن الدخل المنخفض في سورية قصة أزلية، ولكن حتى البالة الآن لم تعد متاحة لأغلبية زبائنها السابقين، فهي تجاري الدولار في السوق السوداء وليس بالتسعيرة الرسمية للمركزي، الأمر الذي جعل الحصول على اللباس مشكلة كبيرة أيضاً بعدما أصبحت الكثير من الأجور لا تغطي تكاليف سعر حذاء جيد.

الركود التضخمي

الاقتصادي د. سنان ديب يرى أن الأسعار ارتفعت إلى نحو 47 ضعفاً لبعض ا لمواد، وأن حاجة الأسرة برأيه لا تقل شهرياً عن 650 ألف ليرة في حين الحد الوسطي للأجور لا يتجاوز 50 ألف ليرة، لذلك أكثر من 70% من الشعب أصبح يقتصر على وجبة أو اثنتين بأقصى حد، وأن اللحوم بكل أنواعها تحولت إلى حلم حتى الفروج، وحتى طبخة كالمجدرة أصبحت تكلفتها تصل إلى أكثر من 10 آلاف ليرة، كل هذه الأمور جعلت استهلاك السوريين يقتصر على الضروريات جداً من المواد الغذائية، وهذا التقليص في استهلاك المواد الغذائية من حيث الكمية والنوعية تسبب بتخفيض في الطاقة البشرية. أضاف د. ديب أن من آثار هذه الفجوة الرهيبة بين الأجور والأسعار أيضاً الركود التضخمي لأن البلد وصلت إلى أعلى درجة تضخم. ومن آثار هذا الحال أيضاً التغير في العادات والتقاليد والتواصل الاجتماعي بين الناس وتجنب السفر والتنقل بين المحافظات وللعائلات قدر الإمكان.. كل هذا يتطلب هندسة سعر الصرف، والنظر بأسعار الطاقة وبشكل يحقق انطلاقة اقتصادية تحسب المستوى المعيشي للمواطن، وإيجاد طرق مفيدة لدعم الإنتاج، وأن يكون هنالك مرونة في القرارات، بمعنى أن تكون قابلة للمراجعة وليست نهائية.

إقرأ أيضاً :  الرئيس الأسد يقلد وساماً رفيعاً لثاني أقدم مسؤولة على رأس عملها في سوريا

تخفيض الجودة

تتوسع حلقة المتضررين من الواقع المزري للدخل لتطول المنتجين أيضاً، لأن من ينتج يهمه أن يسوق إنتاجه، وهذا يجعل معظم الصناعيين يفكرون في كيفية خفض تكاليف إنتاجهم على حساب الجودة، ليتمكنوا من بيعها يقول الصناعي نهاد شردوم لصناعة بياضات الهادي، إنهم يضطرون إلى تخفيض مواصفات القطعة لكي يتمكنوا من بيعها، لأن الزبون لا يبحث عن الجودة وإنما عن السعر، فمثلاً عوضاً عن أن تكون سماكة «لحاف الداكرون» 4 سم مثلاً يعملون على تخفيضها إلى 3 سم، ويوافق الزبون على هذا لأن سعرها ينخفض من 3 إلى 4 آلاف ليرة، وكل هذا ليتجاوبوا مع إمكانات زبون قدرته الاستهلاكية منخفضة جداً.

في حين يرى الصناعي وأمين سر غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق أن هذه الهوة تؤثر على الكتلة النقدية المعدة للإنفاق، وبالتالي تخفض من حجم المستوردات أو الصناعات أو المشاريع السياحية الخ. وأن الطبيعي أن يتوفر بين أيدي المستهلكين كتلة نقدية تتيح لهم الإنفاق على أساسيات العيش ويبقى جزء من أجل الكماليات وجزء آخر من أجل الادخار.

حتى الأمل

لا تثير أخبار زيادة الأجور السعادة المنتظرة، لأن المطلوب زيادات كبيرة لتتساوى الأجور بالأسعار، ولكن ما يحصل أن نسب الزيادة محدودة، وحركة الأسعار تسبق الزيادة عقب كل خبر عنها بأشواط، ما يجعل الأمل مقتولاً بحل عن طريق الزيادات المحدودة في الأجور.