أيها الديناصورات أين وجوهكم ؟

0
25

نبيه البرجي/

هل كان العالم بحاجة الى ذلك الحدث الأبوكاليبتي لكي يدرك أن غالبية الذين تعاقبوا على السلطة عندنا لم يهبطوا من خاصرة آدم، وانما من خاصرة يهوذا ؟

ولكي يدرك أن هذه الجمهورية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن هناك من ينتظر موتها، واعادة تشكيل تلك الكانتونات الطائفية القاتلة. موت الظاهرة اللبنانية، أو موت المعجزة اللبنانية، وقد أنتجت ذلك «النبي» الآخر الذي يدعى جبران خليل جبران بكتابه الذي حل ثانياً تحت الوسادة الأميركية بعد الكتاب المقدس.

ماذا عن فيروز التي مثلما غنت للقمر، وقد انحنى القمر بين يديها، غنت لبيروت، وللشام، ولمكة. غنت لزهرة المدائن، لتتجاوز كل عروش العرب وتجعل أجراس العودة تقرع الى أن تزول الأقدام الهمجية عن أرض فلسطين.

من كان ينظر الى جبران على أنه مسيحي، والى فيروز على أنها مسيحية ؟ هذا «النوع» من المسيحيين ما يحتاج اليه لبنان، وكان أيقونة الشرق قبل أن يجعل منه أكلة عظام البشر الركام الذي يرقص عارياً، وحافياً، على أرصفة الأمم، كما على أرصفة القبائل.

ذاك كان النموذج الفذ. من من القادة المسيحيين يستحق أن يحمل الشعلة الآن، وأن يغسل الفينيق بأوراق الغار؟

الكانتونات؟ لا نتحدث عن السنّة، ولا عن الشيعة . التائهون بين جاذبية القبور وجاذبية السواطير. ليقل لنا كل منهم أي مآل لذلك المسار السيزيفي؟ نترك لأصحاب اللحى المسننة، ولأصحاب الأفكار المسننة، أن يقولوا «الراية لنا يوم القيامة ولمن على خطنا وخطانا» !

ولكن ما ينقل عن مصادر مقربة من الله ألاّ فرقة ناجية، لا من المسلمين ولا من غير المسلمين. ماذا يعني الصراع سوى تفكيك المنطقة قطعة قطعة ؟ سفير عربي في بيروت، ومن جماعة «صفقة القرن» التي قد لا تزول بزوال دونالد ترامب، يشيع بأن كارثة (أو جائحة) يوم الثلاثاء ايذان بأن ساعة التغيير قد أزفت.

لا خيار أمامنا سوى الرهان على الجمهورية الثالثة. ما حدث في بيروت هز الدنيا ولم يهز المنظومة السياسية، بكل حمولتها العفنة. لم نر ذلك المسؤول الذي شنق نفسه في حديقة قصره. لو وقع حادث قطار في أي بلد آخر لاستقال وزير، أو رئيس الوزراء، أو حتى رئيس الدولة. عندنا لا أحد من تماثيل الشمع تزحزح من مكانه .

آلاف القتلى والجرحى (يا للهول !) ولا استقالة، ولا تفكير في الاستقالة. كل الفضائح، كل الجرائم، في بلادنا الى اللفلفة. هنا جمهورية كاليغولا. أيها الديناصورات، أين وجوهكم؟

أحد معلقي «الايكونوميست» لاحظ كيف أن ليلة هيروشيما في بيروت جعلت أميركا والصين تتنافسان حول من يكون له مرقد عنزة في لبنان. يا حسان دياب، هذه هي اللحظة التاريخية لك، وللبنان، لكي ترقص التانغو مع التنين، لا رقصة التانغو مع الجرذان بعدما عادت قضية النفايات الى الدوران حولنا.

في غضون سنة، أو سنتين، أو ثلاث، يعود المرفأ الذي كان، ذات يوم، أهم مرفأ في الشرق الأوسط، الى دوره الاستراتيجي، وتعود بيروت الى بهائها. مللنا من السياسات اللولبية للولايات المتحدة، ومن العقوبات التي لا يفرضها حتى الشيطان.

ولكن من يحكم لبنان بعد الآن. بالصوت العالي، ليست «اسرائيل» عدوتنا الأولى. العدو الأول هو الفساد الذي قتل كل شيء فينا. ألا نشبه الآن الجدران المهدمة، الأشجار الميتة، الشوارع الخربة، في بيروت. أنظروا في المرايا. نحن الخراب البشري في المرايا.

حتى الزلزال لا يزيل الفساد الذي يستوطن لاوعينا. أولئك الوزراء ـ السلاحف الذين كانوا يعلمون أن العنبر رقم 12 مرشح، في أي لحظة، لكي يتحول الى عبوة نووية، وأن بيروت مهددة بأن تتحول الى مقبرة، كانوا يتعاملون مع القضية بذلك العقل الميت، وبذلك الضمير الميت، الى أن كانت الجائحة الثالثة، وتحولت مدينتنا التي كانت ملاذاً لكل عباقرة العرب، الى نسخة عن هيروشيما.

حتماً كلهم ذاهبون . حتماً ذاهبون الى ….جهنم !!