ألمانيا.. لماذا يتوجه مزيد من المهاجرين إلى الأعمال الحرة؟

0
37

في حين تنخفض نسبة الألمان الذين يؤسسون أعمالهم الخاصة، وفقاً لدراسة حديثة، يزداد عدد المهاجرين الذين يعملون لحسابهم الخاص في ألمانيا. فما الأسباب التي تدفعهم لذلك؟ وما هي العقبات التي تواجههم في طريق الاستقلال المهني؟

منذ نحو ست سنوات، وصلت السورية جود إلى ألمانيا لتبدأ حياة جديدة مع زوجها، لكنها انفصلت عنه بعد ثلاث سنوات لتتولى مسؤولية رعاية طفليها لوحدها.

تقول جود، السورية الألمانية، لمهاجر نيوز: “بدأت بالبحث عن عمل من المنزل ليكون لدي وقت لرعاية ولديّ، لكنني لم أجد عملاً مناسباً، لذلك قررت تحويل هوايتي في التصوير إلى مهنة”. بدأت جود بتعلم التصوير بشكل احترافي من خلال تدريب استغرق 6 أشهر، وبدأت بالعمل لحسابها الخاص في استوديو منزلي.

وليست جود فحسب، بل إن آلاف المهاجرين في ألمانيا يتوجهون إلى العمل لحسابهم الخاص. وكشفت دراسة حديثة نشرتها مؤسسة “بيرتلسمان” الألمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2020 أن عدد المهاجرين أو الأشخاص ذوي الأصول المهاجرة الذين يعملون لحسابهم الخاص زاد بمقدار الثلث في عام 2018 مقارنة بعام 2005، ليصل إلى نحو 800 ألف شخص، ثلثهم نساء.

وفي حين يزداد عدد المهاجرين الذين يتوجهون إلى الأعمال الحرة، كشفت الدراسة عن انخفاض عدد الذين يعملون لحسابهم الخاص بين الألمان الذين لا ينحدرون من أصول مهاجرة بنحو 300 ألف شخص في عام 2018 مقارنة بـ2005.

لماذا يتوجه المهاجرون إلى العمل لحسابهم الخاص؟

ففي حين يفضل بعض الألمان التخلي عن أعمالهم الحرة عندما يجدون وظيفة ثابتة، كما تقول صحيفة “زود ويتشه تسايتونغ” في تقرير لها عن الموضوع، يجد مهاجرون أنفسهم مضطرين لتأسيس عملهم الخاص لعدة أسباب منها صعوبة تعديل شهاداتهم في بعض الاختصاصات، كما تضيف الصحيفة. وهذا ينطبق على حالة جود أيضاً، فأحد الأسباب التي دفعتها لتأسيس عملها الخاص كان صعوبة تعديل شهادتها السورية في الترجمة الإنجليزية.

أحد الأسباب الأخرى التي تدفع مهاجرين إلى التوجه إلى الأعمال الحرة هو السعي لرفع مستوى دخلهم. يقول أرماندو غارسيا شميت من مؤسسة برتلسمان: “العمل الحر هو المحرك الأساسي للحصول على دخل أعلى والوصول إلى الرفاهية”، ويوضح: “من يؤسس شركة يكسب في المتوسط 2500 يورو شهرياً كدخل صافٍ، أي أكثر بمرة ونصف من الموظفين ذوي الأصول المهاجرة”.

وتلعب ظروف المعيشة أيضاً دوراً في توجه بعض المهاجرين إلى تأسيس عمل خاص بهم، مثل اللاجئ السوري ضياء الذي أسس مطعماً عام 2018 بعد ثلاثة أعوام من وصوله إلى ألمانيا.

وكتب ضياء (39 عاماً) على صفحته على الفيسبوك: “بعد إنهاء دورة الاندماج بحثت عن عمل في مجالي (الطبخ)، لكن لم أجد لأنني أعيش في مدينة صغيرة”، ويضيف: “لم أرد الانتقال إلى مدينة كبيرة بسبب متاعبها الكثيرة، خصوصاً وأن لدي ثلاثة أولاد، لذلك أسست مطعماً أعمل فيه بنفسي ويلقى الإقبال من قبل الألمان”.

صعوبات تأسيس عمل حر

لكن تأسيس عمل خاص ليس أمراً سهلاً، خصوصاً على المهاجرين واللاجئين، بحسب صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ”. وأضافت الصحيفة أن المهاجرين يواجهون عقبات أكثر في طريق تأسيس أعمالهم الخاصة مقارنة بالألمان، بدءاً من نقص المهارات اللغوية، مروراً بقلة المهارات العملية في بعض الأحيان، وانتهاء بصعوبة تأمين رأس المال للبدء بالعمل.

وتتفق جود في أن تأمين رأس المال يشكل صعوبة كبيرة للبدء بتأسيس عمل خاص، وتضيف: “واجهت صعوبة في البداية لأن معدات التصوير من كاميرات وعدسات وغيرها باهظة الثمن، لكنني تمكنت من تجاوز هذه المشكلة بفضل عائلتي التي ساعدتني”.

تتفق جود أن تأمين رأس المال يشكل صعوبة كبيرة لتأسيس عمل خاص

تتفق جود أن تأمين رأس المال يشكل صعوبة كبيرة لتأسيس عمل خاص

وبممارسة الأعمال الحرة، فإن المهاجرين “يؤدون وظيفة اقتصادية مهمة”، كما يقول أرماندو غارسيا شميت من مؤسسة برتلسمان. ويوضح أن المهاجرين الشباب يساهمون في الحد من نسبة الشيخوخة بين العاملين لحسابهم الخاص في ألمانيا، ففي حين ارتفع متوسط عمر العاملين لحسابهم الخاص في ألمانيا من 46 في عام 2005 إلى 51 في عام 2018، بقى متوسط عمر المهاجرين العاملين لحسابهم الخاص 40 سنة.

المهاجرون يتوجهون إلى الأعمال الإبداعية والخدمات

أما بالنسبة “للحكم المسبق” بأن المهاجرين في ألمانيا يعملون بشكل أساسي في الأكشاك ومحلات الخضار والمطاعم، فقد “عفا عليه الزمن”، بحسب “زود دويتشه تسايتونغ”. واستندت الصحيفة إلى دراسة “بيرتلسمان” التي بينت أنه بينما كانت نسبة المهاجرين أصحاب الأعمال الحرة الذين يعملون في التجارة والضيافة 38% عام 2005، انخفضت النسبة إلى 25% فقط عام 2018. وبحسب الدراسة، يتزايد عدد المهاجرين الذين يعملون في الأعمال الإبداعية والخدمات أو حتى الشركات المبتكرة، مثل شركة بايونتيك التي تعمل على إنتاج دواء لكورونا، وهي شركة أسسها طبيب تركي مهاجر مع زوجته.

وبحسب الدراسة، فإنه يمكن زيادة عدد المهاجرين الذين يعملون لحسابهم الخاص إذا قدمت الدولة تمويلاً أفضل لهم أو شجعتهم على الحصول على مؤهلات تعليمية أعلى.

وتسعى جود أيضاً إلى زيادة خبرتها في مجال عملها، إذ ستبدأ بعد أشهر بتدريب مهني في مجال تصميم الغرافيك في بلدية مدينة كولونيا التي تعيش فيها، فضلاً عن إكمال دراستها في التسويق الإلكتروني.

محيي الدين حسين