“أعرف البيوت التي نزلت بها… أذكر وجوه الناس الذين قابلتهم وأشكرهم لما قدموه لي من مساعدة”

0
45

قصص المهاجرين الذين حاولوا عبور الحدود التركية باتجاه اليونان لا تعد ولا تحصى. لكن قصة طارق، المهاجر القادم من سوريا، تحمل في طياتها تجربة إنسانية، اختزلت معاناة رحلة لجوء إنسان ساع للحياة الأفضل، والتضامن الإنساني “الراقي” الذي لاقاه في إحدى القرى اليونانية.

اسمي طارق من سوريا، وحاليا أنا لاجئ في تركيا. أسعى لتقديم طلب إعادة توطين الآن، ولكن أريدكم أن تقرؤوا قصتي أولا.

في 23 آب/أغسطس، ذهبت إلى أدرنة بقصد عبور الحدود إلى اليونان. هناك تعرفت على عدد من الأشخاص تحولوا إلى أصدقاء لاحقا. كنا فرحين جدا بهذه المغامرة، فلم يسبق لأيّ منا أن عبر تلك الحدود سابقا.

اجتزنا النهر، دخلنا في الغابات. كنا نمشي طوال الليل، وفي النهار نجد مكانا نختبئ فيه لكي لا يتم رصدنا. كنا نأمل أن تجري الأمور لصالحنا.

في اليوم الرابع أصابني وهن شديد، لم أتمكن من متابعة المسير. حاول رفاقي مساعدتي، حملوا بعضا من حاجياتي كي يخف وزن حقيبتي، لكن الحرارة المرتفعة وفقدان شهيتي للأكل تمكنا مني. قلت لهم أن يذهبوا ويكملوا طريقهم. لم يتركوني، قالوا لي لن ندعك هنا في مكان غير مأهول وسط هذه الغابات.

تحملت قليلا حتى وصلنا إلى منطقة عسكرية. كان يتوجب علينا الركض من أجل الابتعاد من هناك، لكني كنت متعبا غير قادر الركض. وقعت على الأرض، وجدت مكانا بين الأشجار اختبأت فيه.

“أكملت الرحلة وحيدا”

بعد فترة زمنية، تابعت المسير، لم أدر أين أتجه، حاولت اللحاق برفاقي لكني لم أتمكن من مجاراتهم. عند الفجر، ذهبت للنقطة العسكرية، خرج عسكري بينما كنت مرميا على السور المحيط بالنقطة. بدأت بالتلويح له، لم أتمكن من الصراخ فصوتي لا يكاد يسمع. توجه صديق له نحوي ورأى حالة ملابسي الممزقة وآثار الجروح على يدي. طلبت منه ماء، فأحضر لي زجاجة ماء مثلجة. لم أذق طعم الماء المثلج منذ أسبوع.

طلبت منه إرشادي إلى مدينة كومنتيني، شكرته ثم ذهبت وهو ينظر إلي مع رفاقه وأنا ألوح لهم مودعا.

كنت كل بضعة مئات من الأمتار أتمدد على طرف الطريق، كانت السيارات تمر بي دون أن تتوقف. بعد قليل، جاءني راعي بقر، أحضر لي علبة ماء وعصير وخبز وطماطم. أكلت واستجمعت قواي واستأنفت المسير.

مع حلول الليل، بدت لي أضواء قرية من بعيد، استكملت السير حتى وصلت إلى بيت له فناء كبير وبه شجر تفاح وعنب. بقيت عند سور البيت حتى طلوع الفجر. خفت أن يراني أحد فدخلت الفناء وبقيت لوقت طويل هناك، لم يخرج أحد من المنزل، كان يبدو أنه ما من أحد هناك.

بعد مرور عدة ساعات، توقفت سيارة أمام المنزل ترجل منها رجل وامرأة في الستين من العمر. حاولت الوقوف والاعتذار عن دخولي فناء منزلهما من دون إذن، لكنهما طلبا مني أن أرتاح.

جهزت المرأة لي فطيرة بالجبن وكوبا من الشاي، تحدثت معهما قليلا، سألاني عن الطريقة التي وصلت بها ومن أين جئت.

قبيل مغادرتهما المنزل، استأذنتهما البقاء في الفناء ريثما يحل الليل، وافقا وسمحا لي بالتزود ببعض الفاكهة من أشجار حديقتهما.

“23 كلم وأصل”

استأنفت المسير، كان علي سلوك الطرقات الداخلية للقرية، شاهدتني امرأة كانت تسقي الزهور أمام شرفتها، أشارت لي فتوقفت وعبأت لي قنينة الماء، شكرتها ومضيت. كنت على الطريق الذي يؤدي إلى مدينة ألكساندربولي، بقي أمامي 23 كلم وأصل إليها. مررت بمنطقة عسكرية على يمين الطريق، توقفت عند الباب لأرتاح قليلا فبدأت كلاب شرسة بالنباح من خلف الباب. توجه عسكري باتجاهي، سألته إن كان هذا طريق كومنتيني، قال نعم وقدم الماء لي. قلت لنفسي “الظاهر هذا الطريق يؤدي إلى أليكساندربولي وهناك تحويلة إلى كومنتيني”.

للمزيد>>> مهاجر سوري في ليبيا.. “لو كنتم تؤمنون بحقوق الإنسان والإنسانية، عليكم إنقاذنا من هذا الجحيم”

كنت أمشي على غير هداية. وصلت إلى قرية أخرى، استلقيت أمام أحد المنازل. خرجت من المنزل امرأة كبيرة بالسن وبدأت تتحدث معي، وأنا لا أعرف ماذا أقول لها. لاحقا خرج رجل وامرأة من البيت المقابل، وآخرون من منازل أخرى، التفوا حولي وأحضروا لي طعام وعصير وماء. كانوا يتناقشون فيما بينهم حول ما يجب أن يقدموه لي، يبدو أن هذه القرى لم يمر بها مهاجرون من قبل. ربما حينها قرروا أن يبلغوا الشرطة بنية سليمة، كي ينقلوني إلى مكان آمن.

جاءت الشرطة وكنت نائما، قالوا لي سوف نذهب إلى المخفر، كانوا يتعاملون بشكل جيد معي. سألوني إن كان لدي هاتف أو جواز سفر فقلت لا. ظننت أنهم سيأخذوني إلى مكان آمن، ربما إلى تسالونيك. ركبت السيارة معهم، وبعد مسافة أكثر من نصف ساعة، دخلت مركز تجميع للمهاجرين. فتشوني وأخذوا الحقيبة فقط، حينها عرفت أنه مركز لإعادة المهاجرين إلى تركيا.

من حلم الوصول إلى أوروبا إلى واقع العودة إلى تركيا

كنت أنا الوحيد من سوريا، والباقي حوالي 30 شخص أفغان وباكستانيين. عندما دخلت الغرفة المخصصة لي، وزعت التفاحات التي كنت قطفتها من فناء منزل الزوجين العجوزين على المتواجدين فيها.

بعد منتصف الليل، أرجعونا إلى النهر، اجتزناه باتجاه الأراضي التركية ورجعت إلى إسطنبول. رفاقي الذين كانوا معي هم في صربيا الآن، وأتواصل معهم كل فترة.

كل ليلة أتذكر تلك الرحلة، وأتخيل صور الأمكنة التي مررت بها. أعرف البيوت التي نزلت بها والقطع العسكرية التي مررت بها جيدا. أذكر وجوه الناس الذين قابلتهم وأشكرهم لما قدموه لي من دعم ومساعدة.

أحب أن أشكر أهل المنزل في قرية أفاس اليونانية، لما قدموه لي من طعام وشراب وبعدها تركوني في البيت حتى غياب الشمس كي أكمل طريقي. كلما أنظر إلى برنامج الخرائط، أرى ذلك المنزل وأتذكر كيف كان وضعي وقتها وكيف كانت ردة فعلهم تجاهي.

ومع أن محاولتي باءت بالفشل، إلا أن عيناي مازالتا ترقبان تلك الحدود، والحلم بالوصول إلى أوروبا ما زال يراودني، لكن الطريق فيه مجازفات وصعاب لا أستطيع تحملها.